INICIAR SESIÓNاستيقظ باسم في صباح اليوم التالي على صوت العصافير القادمة من الحديقة.
فتح عينيه ببطء وظل مستلقيًا للحظات يتأمل سقف الغرفة.
كان هناك شعور غريب يرافقه منذ عودته إلى لبنان.
شعور بالراحة من جهة وبالحنين من جهة أخرى.
كأن الزمن أعاده سنوات إلى الوراء...
إلى الأيام التي كانت الحياة فيها أبسط...
والقرارات أقل تعقيدًا.
نهض من سريره واتجه نحو النافذة.
كانت الشمس قد بدأت تشرق فوق الأشجار المحيطة بالمنزل.
وتتلألأ قطرات الندى على أوراقها.
ابتسم دون أن يشعر.
كم افتقد هذه التفاصيل الصغيرة...
التي لم يكن يلتفت إليها إلا بعد أن ابتعد عنها.
بعد أن استحم وبدّل ملابسه نزل إلى الطابق السفلي.
وجد والدته تضع اللمسات الأخيرة على مائدة الإفطار.
التفتت إليه فور دخوله.
وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة.
وقالت:
"صباح الخير."
اقترب منها.
وقبّل رأسها وقال:
"صباح الخير يا أمي."
جلس إلى الطاولة.
ولم تمض دقائق حتى بدأت تملأ طبقه بأصناف الطعام.
ضحك وهو ينظر إلى الطبق.
وقال:
"أعتقد أنكِ تنوين إطعامي عن السنوات الخمس دفعة واحدة."
ضحكت وقالت:
"دعني أعوض ما فاتني."
ثم أضافت وهي تضع المزيد من الطعام أمامه:
"الأم لا تشعر أن ابنها شبع أبدًا."
ابتسم باسم وقال:
"ويبدو أن هذه قاعدة لا تتغير."
دار الحديث بينهما بهدوء.
عن العمل وعن باريس.
وعن أقارب لم يرهم منذ سنوات.
وكانت الأم تستمع أكثر مما تتكلم.
كأنها تحاول أن تعوض غياب السنوات...
بكل كلمة يقولها.
ثم قالت فجأة:
"بالمناسبة تحدثت أمس مع والدة سلمى."
رفع باسم رأسه باهتمام.
عاد ذلك الاسم إلى الحديث.
سلمى.
لاحظت والدته التغير الهادئ في ملامحه.
فابتسمت وقالت:
"إنها امرأة محترمة جدًا."
أخذ باسم رشفة من قهوته.
ثم سأل بهدوء:
"وماذا عن ابنتها؟"
اتسعت ابتسامة والدته وقالت:
"فتاة رائعة هادئة ومهذبة وتعرف كيف تحترم من حولها."
هز باسم رأسه مبتسمًا وقال:
"يبدو أنكِ معجبة بها كثيرًا."
ابتسمت وقالت بثقة:
"لأنها تستحق."
ثم أضافت:
"تعرف ما أعجبني فيها أكثر من أي شيء؟"
نظر إليها فقالت:
"أنها لا تحاول أن تكون لافتة للنظر ومع ذلك تترك أثرًا في كل من يقابلها."
ابتسم باسم ابتسامة خفيفة وقال مازحًا:
"أصبحت أشعر أنني أعرفها رغم أنني لم أرها بعد."
ضحكت والدته.
لكن ابتسامتها ما لبثت أن خفتت.
وكأن فكرة قديمة عادت لتطرق بابها.
لاحظ باسم ذلك فورًا.
ووضع فنجانه جانبًا وقال:
"ماذا هناك؟"
هزت رأسها بخفة وقالت:
"لا شيء."
ابتسم باسم ابتسامة يعرفها جيدًا.
وقال:
"أمي منذ كنت صغيرًا كلما قلتِ (لا شيء) كنت أعلم أن هناك شيئًا يشغلك."
تنهدت وجلست قبالته.
ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:
"هل سبق أن شعرت أن شيئًا ما ليس على ما يرام رغم أنك لا تملك دليلًا واحدًا؟"
عقد حاجبيه وقال:
"تقصدين ماذا؟"
نظرت إلى النافذة للحظات.
ثم عادت إليه وقالت:
"أقصد طارق."
ساد الصمت بينهما.
لم يكن باسم يتوقع أن يصل الحديث إلى هذا الاتجاه.
فقال بهدوء:
"ماذا عن طارق؟"
تنهدت مرة أخرى.
وقالت:
"لا أعرف. وربما أكون مخطئة لكن هذا الشعور لا يفارقني."
سألها:
"في ماذا تحديدًا؟"
ترددت للحظة.
وكأنها كانت تختار كلماتها بعناية.
ثم قالت:
"أشعر أحيانًا أنه لا يأخذ موضوع الزواج بالجدية التي يجب أن يأخذها."
ظل باسم صامتًا.
كانت هذه أول مرة يسمع والدته تتحدث بهذه الطريقة عن أخيه.
فأكملت:
"طارق طيب القلب لكن قلبه وحده لا يكفي الزواج يحتاج إلى استقرار وصبر وشخص يعرف أن مسؤولية الآخر لا تقل عن مسؤولية نفسه."
ثم أطرقت قليلًا.
وأضافت بصوت خافت:
"وسلمى فتاة طيبة وأخشى أن تتأذى."
نظر إليها باسم باهتمام.
وقال:
"هل حدث شيء؟"
هزت رأسها.
وقالت:
"لا أو على الأقل ليس شيئًا أستطيع إثباته."
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
وأضافت:
"لكن الأم ترى أحيانًا ما لا يستطيع الآخرون رؤيته."
تنهد باسم.
كان يعرف شخصية أخيه جيدًا.
يعرف أنه مندفع أحيانًا ويحب الحرية أكثر مما يحب القيود.
لكن الزواج مسؤولية مختلفة.
وربما كان طارق قد تغير فعلًا.
فقال محاولًا أن يطمئنها:
"ربما أنتِ تقلقين أكثر من اللازم."
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت:
"أتمنى ذلك."
ثم نظرت إليه طويلًا.
وأضافت:
"ليس هناك ما يسعدني أكثر من أن أكتشف أنني كنت مخطئة."
ابتسم باسم بهدوء.
لكنه، وهو يحتسي آخر رشفة من قهوته...
شعر أن كلمات والدته...
زرعت داخله سؤالًا صغيرًا.
سؤالًا لم يكن يملك له جوابًا بعد.
ابتسم وسيم وهو يشير إلى المقاعد.وقال مازحًا:"قبل أن تبدأوا باستعادة الذكريات لدينا عقد ينتظرنا."ضحك طارق.وجلست نورا في مكانها.وبدأ أعضاء مجلس الإدارة يدخلون تباعًا.افتتح طارق الاجتماع قائلاً:"قبل توقيع العقد النهائي أريد أن نستمع إلى ملاحظات الأستاذة نورا."فتح وسيم شاشة العرض.وقال:"هذا هو مشروع الأبراج والنسخة الأخيرة من العقد."تناولت نورا الملف.وبدأت تقلب صفحاته بسرعة.كانت تقرأ بهدوء شديد.حتى توقفت عند إحدى الصفحات.رفعت رأسها.وقالت:"أحتاج أن أسأل سؤالًا."أجاب طارق:"تفضلي."أشارت إلى أحد البنود.وقالت:"من اقترح إدخال هذا الشريك؟"أجاب أحد المديرين:"الشركة المالكة للمشروع."ظلت تنظر إلى العقد.ثم قالت:"إذن أقترح أن نطلب كشفًا كاملًا عن هيكل ملكية هذه الشركة."استغرب أحد أعضاء مجلس الإدارة.وقال:"لكنها شركة معروفة."ابتسمت نورا بهدوء.وقالت:"المعروف ليس دائمًا واضحًا."ثم أضافت:"لا أحب أن أوقع عقدًا قبل أن أعرف مع من أوقع."نظر طارق إلى وسيم ثم قال دون تردد:"نفذوا طلب الأستاذة نورا."أومأ وسيم.ودون الملاحظة مباشرة.كان يعرف أن طارق لا يمنح هذه الثقة بسهولة.اك
في الجهة الأخرى من المدينة...كان باسم يجلس مع رامي في الحديقة.وضع رامي حاسوبه المحمول على الطاولة.وقال:"أريد رأيك."اقترب باسم.نظر إلى الشاشة.كانت مخططات لمشروع تعمل عليه الشركة التي يعمل فيها رامي في الخارج.قال باسم مبتسمًا:"هذا ليس من مشاريعك هنا."ضحك رامي.وقال:"لا لكنهم لم يتوقفوا عن إرسال العمل حتى في إجازتي."ابتسم باسم.ثم بدأ يناقش معه بعض الحلول.وبعد دقائق قال رامي:"كلما رأيتك تعمل أقتنع أكثر أن مكانك الحقيقي سيكون في المشاريع العالمية."ابتسم باسم.وقال:"أنا مرتاح هنا."نظر إليه رامي.ثم قال:"هل أنت متأكد أن السبب هو العمل فقط؟"رفع باسم عينيه نحوه.لكن قبل أن يجيب رن هاتف رامي.نظر إلى الشاشة.ثم قال:"سأعود بعد دقيقة."وغادر للرد على المكالمة.بقي باسم وحده وأدرك أنه كان يعرف السؤال قبل أن يُطرح.في صباح اليوم التالي...وصلت سلمى إلى الشركة.وجدت آدم في قاعة الاجتماعات يراجع العرض الأخير.قال مبتسمًا:"بقي أسبوع واحد فقط."أومأت وقالت:"ثم ينتهي هذا التوتر."ضحك وقال:"وسيبدأ توتر جديد."ابتسمت.وقبل أن ترد...دخل باسم يحمل التعديلات الأخيرة على المخططات.وضع
بعد قليل...اجتمع الثلاثة حول نموذج المشروع.كانت سلمى تشرح فكرة الإضاءة الخارجية.وأشار باسم إلى تعديل بسيط.وقال:"إذا نقلنا وحدات الإنارة إلى هذه الزاوية ستظهر الواجهة بشكل أفضل ليلًا."اقتربت سلمى من النموذج وتأملت الاقتراح.ثم ابتسمت وقالت:"لم أنتبه لهذه النقطة."قال آدم وهو ينظر إلى المجسم:"أنتم تدهشونني."التفتت إليه سلمى وسألته:"لماذا؟"ابتسم.وقال:"كل مرة أظن أن المشروع وصل إلى أفضل نسخة يضيف الأستاذ باسم ملاحظة فتجعل النسخة أفضل."ابتسم باسم بحرج.وقال:"كلنا نضيف شيئًا."لكن آدم أكمل:"هذا صحيح لكن بينك وبين الأستاذة سلمى هناك انسجام نادر."ساد صمت قصير.رفعت سلمى رأسها ثم قالت بابتسامة هادئة:"ربما لأننا عملنا معًا لفترة طويلة."ابتسم آدم لكنه لم يعلق.أما باسم فشعر أن هذه الملاحظة لم تعد تصدر من شخص واحد فقط.في الجهة الأخرى من المدينة...دخل يوسف ونادر إلى مكتب صغير يعود إلى محاسب متقاعد.كان الرجل قد عمل سابقًا مع شركة الشرق للاستثمارات.جلس أمامهما.وقال:"لماذا تبحثان في شركة انتهت منذ زمن؟"أجابه يوسف:"لأن نهايتها ليست واضحة."تنهد الرجل.ثم قال:"شركة الشرق لم
في الجهة الأخرى من المدينة...كان يوسف ونادر يغادران دائرة السجل التجاري.قال نادر:"إذا انتهت شراكة جهاد مع سامر قبل اختفائه فمن الذي استلم الملفات؟"أخرج يوسف نسخة من سجل التعديلات.ثم قال:"هذا ما كنت أبحث عنه."أخذ نادر الورقة وقرأ الاسم الجديد.لكنه لم يجد اسم شخص بل اسم شركة.شركة الشرق للاستثمارات.رفع رأسه وقال:"لم أسمع بها من قبل."ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة.وقال:"لأنها اختفت بعد أقل من عام."ثم طوى الورقة.وأضاف:"وأعتقد أنها كانت مجرد واجهة."ساد الصمت وكان كلاهما يدرك أن كل إجابة يحصلان عليها تولد سؤالًا أكبر.مع نهاية الدوام...خرجت ميرا من مكتب سلمى وهي تشعر براحة افتقدتها منذ أسابيع.كأن قرارها بالبقاء قد حسم شيئًا في داخلها.لاحظت جودي ذلك.فسألتها:"من هذا الوجه المشرق؟"ضحكت ميرا.ثم أجابت:"شخص أدرك أخيرًا أن بعض النجاحات لا تُقاس بحجم الراتب."وعندما مرت بقسم التصميم...كان باسم ما يزال يراجع بعض المخططات.رفع رأسه عندما رآها.وقال مبتسمًا:"يبدو أن القرار أصبح خلفك."ابتسمت ميرا.وقالت:"نعم بقيت."ابتسم باسم ابتسامة صادقة.وقال:"أحسنت."سألته وهي تضحك:"ألن تسأ
مع نهاية الدوام...بقيت كلمات سلمى تتردد في ذهن ميرا."أن الإنسان لا يكتشف قيمة بعض الأشخاص إلا عندما يتخيل أنهم قد لا يكونون موجودين غدًا."خرجت الاثنتان من الشركة معًا.وعند باب المبنى افترقتا.استقلت سلمى سيارتها.أما ميرا فوقفت للحظة تراقب السيارات وهي تغادر.وقبل أن تدير محرك سيارتها رأت باسم يخرج من باب الشركة.تبادل مع موظف الأمن بضع كلمات.ثم ابتسم له وغادر.بعد أقل من دقيقة خرجت سلمى بسيارتها.ولم تشعر ميرا إلا وهي تبتسم.قالت في نفسها:"أحدهما يغادر بعد الآخر دائمًا وكأن نهاية اليوم لا تكتمل إلا بعد أن يطمئن كل منهما أن الآخر غادر."لم تكن متأكدة من فكرتها لكنها بدأت تلاحظ تفاصيل لم تكن تراها من قبل.في المساء في منزل ليلى...كان باسم يجلس مع رامي في الحديقة.بينهما أكواب القهوة المعتادة.قال رامي وهو يقلب هاتفه:"يبدو أن المؤتمر سيحظى بتغطية إعلامية جيدة."أومأ باسم.وقال:"هذا أفضل للمشروع."أغلق رامي الهاتف.ثم نظر إليه وقال مبتسمًا:"لاحظت شيئًا."رفع باسم رأسه.فسأله:"ماذا؟"قال رامي:"منذ أشهر كنت تتحدث عن المشروع أما الآن فأصبحت تتحدث عن الفريق."ابتسم باسم بخفة.وقا
في منزل ليلى...كان عمر يجلس مع رامي في الحديقة.وصل باسم بعد دقائق.جلس إلى جوارهما.قال رامي:"غدًا معرض الكتاب."نظر عمر إلى باسم.وقال:"هل تأتي معنا؟"ابتسم باسم.وقال:"أعتذر لدي مراجعة أخيرة للمؤتمر."هز عمر رأسه.وقال:"إذن سأعتبرها مهمة وطنية."ضحك الثلاثة.لكن رامي لاحظ أن باسم أصبح يعتذر عن كثير من الأمور مؤخرًا.ولم يعد يخصص وقتًا لنفسه.في صباح اليوم التالي...وصلت سلمى إلى الشركة.وكان آدم بانتظارها عند مكتب الاستقبال.قال مبتسمًا:"أرسلت اللجنة المنظمة برنامج المؤتمر النهائي."ناولها نسخة مطبوعة.وبدآ يراجعانها أثناء سيرهما.قال آدم:"أظن أن العرض أصبح متماسكًا."أومأت سلمى.وقالت:"بقيت بعض التفاصيل الصغيرة."وفي تلك اللحظة وصل باسم.ألقى التحية.ثم انضم إليهما.توقف الثلاثة أمام لوحة المشروع الكبيرة.بدأوا يناقشون ترتيب الشرائح.قال آدم:"لو بدأنا بصورة المشروع قبل المخططات سيكون التأثير أقوى."فكر باسم للحظات.ثم قال:"لكن الأفضل أن يرى الحضور المشكلة أولًا ثم نقدم الحل."نظرت سلمى إلى الاثنين.ثم قالت:"ما رأيكما أن نجمع الفكرتين؟"اقتربت من اللوحة.ورسمت ترتيبًا جدي







