LOGINلم يكن “مجد” يؤمن بالحب، بل كان يراه ضعفًا يهدد كل ما بناه ببروده وعقله القاسي. رجل أعمال ثري، نافذ، اعتاد السيطرة على الجميع، وأقسم منذ سنوات ألا يسمح لامرأة بالتسلل إلى قلبه مهما حدث. لكن ظهور “طيف” قلب حياته رأسًا على عقب. دخلت عالمه دون استئذان، مختلفة عن جميع النساء اللواتي عرفهن؛ بعنادها، وبراءتها، وقلبها الذي يرفض الانكسار أمام قسوته. ومع كل مواجهة بينهما، كان مجد يجد نفسه يقترب منها أكثر، رغم خوفه الشديد من التعلق، ورغم الأسرار والندوب التي جعلته يهرب دائمًا من الحب. أما طيف، فكانت تحاول النجاة من رجل يربك قلبها بقدر ما يخيفه، رجل يقترب منها تارةً بلهفةٍ تحرقها، ثم يبتعد عنها بقسوةٍ تمزقها. وبين شدّه وجذبها، تتحول علاقتهما إلى صراع مليء بالمشاعر المتناقضة، والغيرة، والتملك، والقرارات التي قد تدمرهما معًا. فهل يستطيع مجد مواجهة خوفه أخيرًا والاعتراف بحبه؟ أم أن ماضيه سيجعله يخسر المرأة الوحيدة التي استطاعت اختراق قلبه؟
View Moreأثناء جلوسهما فوق الفراش في غرفتهما، وتعبيرات وجهيهما أضحت مغايرة تمامًا لما كانت عليه قبل تشغيل ذلك التسجيل الصوتي، الذي اكتشف "مجد" وجوده صدفةً في سجل الرسائل الخاصة به على حسابه الشخصي في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، والذي كان قد فتحه توا، ليصدح أكثر صوت ينبذانه مرددًا:- وصلني خبر خروج ابنك من الحضانة. مع أنني كنت أستطيع إيذاءه وهو فيها، لكنني لم أفعل. ما حدث لزوجتك، وإلقاء ابنك في الحضانة خلال الفترة الماضية، وفرحتك به التي حوَّلتها إلى قلق عليه... كل ذلك أرضاني كثيرًا، بصراحة. لكن لا تظن أنك تخلصت مني بهذه السهولة. في المرة القادمة ستكون المواجهة بيني وبينك، ولن أُدخل أحدًا بيننا؛ لأن حقي هذه المرة عندك أنت وحدك. وإذا كان التسجيل الذي تملكه لي يمنعني من الاقتراب من أحد أفراد عائلتك، فلم يعد يلزمني الاقتراب من أيٍّ منهم، لكن اعلم أنك ستظل في ذهني يا مجد.التوى فم "مجد" بابتسامة هازئة، فهو لم يتراجع عن تفكيره المليء بالشرور، حتى بعدما أصبح يمتلك ما يدينه، ولم يكتفِ من إيذائه بعد كل ما افتعله من مكائد في عمله، وإيذاء شقيقته، وحتى بعدما طال أذاه زوجته وطفله. بسهولة استشعر "مجد" كمّ
ومن قال أن الأماني لا تُحقق؟، أو أنها وسيلة لإهدار الوقت المنقضي في الدعاء بها؟، فمن يقع بصره الحين على ذينك الزوجين، المحاوطين لبعضهما، يؤديان رقصة هادئة، افتتاحية لبدء حفل زواجهما، مؤكدا سيصدق في تحقيقها، وسيجزم أن الصبر نهايته جبران ورضا، يكفي فقط أن تكون الأماني نابعة من القلب، قلبٌ ينبض بالخير، ولا يتمنى ما يؤذي الغير، وهنا قلبا عاشقين، لم يحمل أي منهما غير أمنية اكتمال روحه، والاجتماع بونيسه، والذي حظيا كل منهما به؛ بعد مجابهة العديد من الصعاب، والتغلب على كل مصاب حل بهما، في البداية سارا طريقا غير صالحٍ، فلم ينجم عنه غير كل طالحٍ، ولكنهما سريعا ما عرجا عنه، وعادا إلى صوابهما، وندما عما بدر منهما، وكان جزاءهما في الأخير؛ أن رضاهما المولى بحدوث ما تمنياه وأكثر.كانت هيئتهما أكثر من ساحرة، فـ"جاسم" بدا ببذلته السوداء كما لو كان أميرًا في إحدى القصص الأسطورية، بعد خوضه للكثير من المعارك، نال أخيرًا أميرته الجميلة، التي تفوق سائر الفتيات حسنًا وفتنةً، و"رفيف" الشبيهة بالفراشة المحلقة في خفتها، بفستانها المماثل لها في رقته، تخبره بنظرتها الهائمة به، أنه الوحيد دونًا عن رجال العالمين،
بعدما عادوا جميعًا وامتلأت الغرفة من جديد، كانت أصواتهم المثرثرة وضحكاتهم وابتساماتهم تمنحها سعادة غامرة ودفئًا من نوع آخر. ورغم وجود جميع أفراد عائلتها وعائلته، فإنها لم تكن ترى غيره، بهيبته التي سحرتها منذ الوهلة الأولى، وابتسامته المنعشة لروحها والقادرة على رسم البسمة على محياها بمجرد رؤيته. وفي خضم شرودها بزوجها المنشغل بالحديث مع والده، وصديقه الذي تصالح معه وعادت صداقتهما كما كانت، وكذلك شقيقها الذي أصبحت علاقته به أقوى وأمتن، استمعت إلى صوت "أسيف" وهي تقول بنبرة خائفة أكثر منها مازحة: -لا، لقد خفت حقًا من الولادة، كانت "طيف" تبدو متعبة للغاية. ظهرت ملامح الصدمة على وجه "عدي"، وقابل كلماتها باستنكار ممزوج بالرجاء ولكن بطريقة مرحة كعادته: -لا تخافي، من فضلك لا تضيعي تعبي معك طوال الشهور الماضية. لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك الذي جلجل في أرجاء المكان، وما إن خبت الضحكات وانتهى صداها حتى صدح صوت "جاسم" موجّهًا حديثه إلى "هشام" قائلًا بابتسامة عريضة: -عمي، ألن نحدد موعد الفرح بالمناسبة السعيدة هذه؟ لم يمنح "مجد" الفرصة لوالده للرد، فأردف مستنكرًا دون انفعال، ولكن بطريقة
حلّ الحزن على كامل قسماته لأجلها هي ورضيعهما، قرّبها إلى صدره بذراعه ضامًّا إياها برفق إليه، وأجابها بنبرة مطمئنة محاولًا إبعاد أي هواجس مقلقة عن رأسها: -نعم، سيكون بخير، لا تقلقي، لقد طمأنني الطبيب عليه. دفنت رأسها في صدره وعيناها لم تبتعدا عن وجه ملاكها النائم، وقد لاحظت بسهولة الشبه بين شفتيه وشفتيه، مما جعلها تبتسم من بين دموعها، وقالت له بنبرة مهزوزة أقرب إلى البكاء، وقد غلبها ما يعتري صدرها، وأكثر ما تتمناه في تلك اللحظة: -أتمنى كثيرًا أن أحمله بين يدي وأضمه إلى صدري. ارتفعت يده لتمسح جانب رأسها، واقترب بشفتيه من مقدمة رأسها فقبّلها مطولًا، راغبًا في التخفيف من حزنها وإضفاء بعض الطمأنينة، ثم قال بلطف: -غدًا سيتحسن ويصبح بخير، وسنحمله حتى نملّ من حمله أيضًا. رفعت وجهها إليه وطالعته بنظرات تحمل شيئًا من العبوس، وعلّقت معترضة على ما قاله بمشاعر أمومة متعاظمة: -لكنني لن أملّ منه أبدًا. في أعماقه، ورغم ما سببه ذلك الوضع من ألم بسبب ولادتها المفاجئة ورقدة رضيعه، كان يشعر برضا بالغ؛ فهو لم يفقدهما وزوجته بخير، ومع مرور الوقت سيتعافى صغيرهما ويصبح بينهما، وتُغمر حياتهما ب
بعدما انتهوا من تناول الغداء، انتقلوا إلى غرفة المعيشة يتسامرون معًا؛ بين ضحكات "رفيف" العذبة، ونظرات "جاسم" التي كانت تتبعها في صمت، ومحاولات "مجد" الحثيثة للتخفيف عن والده وانتشاله من حالة اليأس التي استبدت به مؤخرًا.هتف "جاسم" موجّهًا حديثه إلى "مجد" بنبرة مرتفعة قليلًا بعدما لاحظ شروده بعيدًا
انفجر "حمزة" ضاحكًا على حديثه، ثم غادر متجهًا نحو باب المكتب وهو يصيح بصوتٍ مرتفع نسبيًا:ــ لا تنسَ الذهاب إلى المدير... لم يحدد وقتًا معينًا، قال فقط: حين تنتهي من عملك اصعد إليه... ويبدو أنه يريد إبلاغك بأمرٍ ما.رفع "عدي" نظره إليه وأومأ بالإيجاب قائلًا:ــ حسنًا، أمامي نصف ساعة على الأكثر وسأذ
تنهد وهو يراجع التقارير التي سيقوم بتقديمها لاحقًا إلى الإدارة التنفيذية، ثم رفع نظره نحو صديقه قائلًا بعمليةٍ بحتة:ــ هكذا أصبح كل شيء جاهزًا. لقد راجعت جميع الملفات التي أُرسلت، وهناك بعض الملاحظات التي بعثتها إليك عبر البريد الإلكتروني، أريدك أن تراجعها، وإن رغبت بإضافة شيء فأخبرني أولًا.أومأ
فهم "مجد" جيدًا تلك النظرة والمعنى المختبئ خلف كلماتها الأخيرة، فضيّق عينيه بمكرٍ وهو يقول:ــ إذًا تعالي لنرى ماذا سيفعل أبي حين يعلم أن سيدتنا الصغيرة عادت بعد الحادية عشرة ليلًا... وهي تقود السيارة بنفسها أيضًا.أدار لها ظهره واستأنف سيره نحو الداخل، لكنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى أسرعت خلفه، مت












Ratings
reviewsMore