Accueil / الرومانسية / خلف باب الشقة 17 / الفصل الثامن: المرأة التي أخفت وجهها

Partager

الفصل الثامن: المرأة التي أخفت وجهها

Auteur: Erenesoul
last update Date de publication: 2026-08-01 11:24:10

ظلت ليان واقفة خلف الستارة حتى اختفت السيارة السوداء عند نهاية الشارع، ولم ترفع يدها عن القماش إلا بعد أن تأكدت من أن ضوءها الخلفي لم يعد ظاهرًا بين السيارات. كان قلبها لا يزال يخفق بسرعة، ولم تستطع أن تحدد إن كان ما تشعر به خوفًا أم غضبًا أم فضولًا تجاوز الحد الذي يمكنها السيطرة عليه. لقد ظهر آدم الكيلاني أسفل منزلها للمرة الثانية في الليلة نفسها، لكنه لم يحاول الصعود إليها، ولم يطرق الباب، بل جاء برفقة امرأة أخفت وجهها عمدًا، أشارت إلى المبنى ثم عادت إلى السيارة كما لو أنها تعرف المكان جيدًا.

ابتعدت ليان عن النافذة، وأغلقت الستارة بإحكام، ثم عادت إلى غرفة والدها وهي تحمل الورقة التي عثرت عليها داخل الظرف. وضعتها فوق المكتب إلى جانب الصورة القديمة والمفتاح الفضي، وأخذت تتأمل الأشياء الثلاثة كما لو كانت أجزاءً من لغز واحد، رسالة من رجل مات قبل أن يشرح شيئًا، صورة تجمع أشخاصًا أخفوا عنها ماضيهم، ومفتاح يقود إلى شقة لا تعرف عنها سوى عنوان مكتوب على قصاصة صغيرة.

كان من السهل أن تقنع نفسها بأن المرأة لا تعني شيئًا، ربما كانت قريبة لآدم أو زميلة له، وربما لم تكن إشارتهما إلى مبناها أصلًا، لكن عقلها رفض هذا التفسير المريح. كان آدم يعرف المفتاح، ويعرف والدها، ويعرف أن رجالًا يراقبون المنزل، كما أن والدها كتب اسمه صراحة في الرسالة. لم يعد من الممكن اعتبار ظهوره صدفة.

التقطت هاتفها، وفتحت سجل المكالمات حتى ظهر رقم آدم. بقي إصبعها معلقًا فوقه للحظات، كانت تكره فكرة الاتصال به، لأنها ستمنحه شعورًا بأنها احتاجت إليه، لكنها كانت تكره الأسئلة أكثر. ضغطت الرقم أخيرًا، فبدأ الهاتف يرن.

أجاب بعد الرنة الثانية.

— «هل أنت بخير؟»

لم يبدأ بتحية، ولم يسأل من المتصل، كأنه كان ينتظر مكالمتها.

قالت ببرود:

— «من كانت المرأة التي كانت معك؟»

ساد صمت قصير، ثم جاء صوته أكثر حذرًا:

— «كنت تراقبين الشارع.»

— «وأنت كنت تقف أسفل منزلي، لا تحاول تغيير الموضوع.»

تنهد آدم بصوت خافت، ثم قال:

— «ليست شخصًا يشكل خطرًا عليك.»

— «لم أسألك إن كانت خطرة، سألتك من تكون.»

— «لا أستطيع إخبارك الآن.»

أغمضت ليان عينيها بعصبية، ثم قبضت على الهاتف بقوة.

— «الجميع يقول الجملة نفسها، ليس الآن، لا أستطيع، الأمر معقد، هل تعتقدون أنني طفلة لا يحق لها معرفة ما يخص حياتها؟»

— «لا أعتقد أنك طفلة.»

كان صوته هادئًا على نحو استفزها أكثر.

— «إذن عاملني كإنسانة عاقلة، أخبرني لماذا كانت تلك المرأة تشير إلى منزلي، ولماذا أخفت وجهها، ولماذا غادرتما بدلًا من الصعود إليّ؟»

هذه المرة طال صمته، وخُيّل إليها أنها تسمع أصوات حركة في الجهة الأخرى، ثم انغلق باب سيارة.

قال أخيرًا:

— «لأنني لم أكن أريد أن يراني الأشخاص الذين يراقبون المبنى وأنا أدخل إليه مرة أخرى، أما المرأة فقد جاءت لترى إن كان هذا هو المكان الصحيح.»

شعرت ليان بانقباض في صدرها.

— «المكان الصحيح لِماذا؟»

— «لأمر يتعلق بوالدتك.»

تجمدت يدها فوق حافة المكتب، ونظرت تلقائيًا إلى صورة أمها القديمة.

— «ماذا قلت؟»

— «قلت إن الأمر يتعلق بوالدتك، لكنني لن أشرح عبر الهاتف.»

— «أمي ماتت منذ سنوات، فلا تستخدم اسمها حتى تدفعني إلى الثقة بك.»

جاءها صوته منخفضًا، وقد اختفى منه شيء من بروده المعتاد.

— «أنا آخر شخص يمكنه استخدام اسمها باستخفاف.»

توقفت ليان عن الرد. لم تفهم لماذا بدت الجملة شخصية إلى هذه الدرجة، ولا لماذا شعرت أن آدم لا يتحدث عن امرأة عرفها معرفة عابرة، بل عن شخص ترك موته أثرًا لم يختفِ منه حتى الآن.

قالت بعد لحظة:

— «هل كنت تعرف أمي جيدًا؟»

— «نعم.»

— «إلى أي حد؟»

— «بما يكفي لأعرف أنها لم تكن تريد لك أن تدخلي في هذا الأمر.»

— «وما هذا الأمر؟»

— «الشقة رقم سبعة عشر.»

سرت قشعريرة باردة في ذراعيها، وحدقت في المفتاح الموضوع أمامها.

— «هل المرأة التي كانت معك تعرف الشقة؟»

لم يجب.

قالت بحدة:

— «صمتك يعني نعم.»

— «صمتي يعني أن الحديث عبر هاتف مراقب تصرف غير ذكي.»

التفتت ليان نحو النافذة المغلقة، وكأن أحدًا قد يظهر خلفها في تلك اللحظة.

— «قلت سابقًا إن هاتفي قد يكون مراقبًا، كيف يمكنني التأكد؟»

— «لا يمكنك الآن، لذلك أغلقيه بعد انتهاء المكالمة، ولا تستخدميه حتى أرسل إليك هاتفًا آخر.»

ضحكت بمرارة.

— «هل تتوقع مني أن أستلم هاتفًا منك وأن أستخدمه من دون خوف؟»

— «لا أتوقع منك الثقة بي، أتوقع منك أن تحمي نفسك.»

— «وهل حمايتي تتضمن أن أعرف من كانت المرأة؟»

صمت آدم قليلًا، ثم قال:

— «اسمها داليا.»

كررت ليان الاسم داخل عقلها. لم يكن مألوفًا لها.

— «داليا ماذا؟»

— «داليا منصور.»

— «وما علاقتها بوالدتي؟»

— «كانت صديقتها.»

رفعت ليان رأسها فجأة.

والدتها كانت تملك صديقة اسمها داليا، ومع ذلك لم تسمع بهذا الاسم يومًا. حاولت استعادة ذكرياتها القديمة، النساء اللواتي زرن البيت، زميلات أمها، أقاربها، لكنها لم تجد وجهًا يطابق المرأة التي رأتها.

— «أمي لم تذكرها لي.»

— «لأنها اختفت من حياتها قبل سنوات.»

— «لماذا؟»

— «لأنها خافت.»

— «ممن؟»

عاد الصمت.

ضربت ليان بيدها فوق سطح المكتب.

— «لا تعد إلى الصمت الآن.»

قال آدم بصوت أكثر جدية:

— «خافت من الأشخاص أنفسهم الذين يبحثون عن المفتاح.»

شعرت بأن الغرفة أصبحت أضيق، وكأن الجدران اقتربت منها. نظرت إلى المفتاح، ثم إلى القصاصة التي تحمل عنوان الشقة، وفهمت للمرة الأولى أن والدتها لم تكن مجرد اسم في صورة قديمة، بل ربما كانت جزءًا من القصة نفسها.

سألته:

— «لماذا ظهرت داليا الآن؟»

— «لأنها عرفت بموت والدك.»

— «كيف؟»

— «كانت تتابع أخباره من بعيد.»

— «وهل أخبرتها بأنني وجدت المفتاح؟»

لم يجب بسرعة، فاشتعل غضبها.

— «أخبرتها، أليس كذلك؟»

— «كان عليّ أن أفعل.»

— «لم يكن عليك أن تخبر أي شخص بشيء يخصني.»

— «المفتاح لا يخصك وحدك.»

شعرت ليان بالإهانة، فقالت:

— «كان ملكًا لوالدي، وقد تركه في منزله، وهذا يجعله يخصني أكثر مما يخصك أنت أو أي امرأة تظهر بعد سنوات.»

— «والدك لم يخفه لتعتبريه إرثًا عائليًا، بل أخفاه لأنه كان يخشى ما سيحدث إن وُجد.»

— «ومع ذلك ترك لي عنوان الشقة.»

ساد صمت طويل هذه المرة، ثم سأل آدم:

— «أي عنوان؟»

تجمدت ليان.

كان الذهول في صوته حقيقيًا، ولم يكن يبدو كمن يعرف بالفعل.

نظرت إلى القصاصة الموضوعة أمامها، ثم أحاطتها بأصابعها سريعًا.

— «لا شيء.»

— «ليان، ماذا وجدت؟»

— «ألم تقل إن هاتفي مراقب؟ لن أجيب عن الأسئلة الحساسة.»

لم تكن تتوقع أن تنجح في استخدام كلماته ضده، لكنه صمت لحظات قبل أن يقول:

— «لا تذهبي إلى الشقة.»

كانت نبرته حادة على نحو مفاجئ.

— «لم أقل إنني سأذهب.»

— «لكنك فكرت في ذلك.»

— «لا تستطيع معرفة ما أفكر فيه.»

— «أعرف الفضول الذي ورثته عن والدك، وقد كلفه ذلك أكثر مما تتخيلين.»

انخفض صوتها دون قصد:

— «هل كان فضوله سبب موته؟»

لم يجب آدم مباشرة، ثم قال:

— «كان إصراره على إكمال ما بدأه سببًا في وضعه تحت المراقبة، أما موته فلا أملك دليلاً نهائيًا على من تسبب فيه.»

— «لكنك تعرف أنه لم يكن حادثًا.»

— «أعرف أن التقرير الرسمي لا يروي ما حدث كاملًا.»

اقتربت ليان من المكتب وجلست فوق كرسي والدها، فقد شعرت بأن ساقيها لا تحملانها جيدًا.

— «كنت أول من وصل إليه، أليس كذلك؟»

ساد الصمت في الجهة الأخرى.

أخرجت الصورة التي دُفعت أسفل الباب، ووضعتها أمامها.

— «رأيت الصورة يا آدم، كنت واقفًا قرب السيارة ويداك ملطختان بالدم.»

جاء صوته هادئًا، لكنه بدا أثقل.

— «وصلت إليه قبل سيارة الإسعاف بدقائق.»

— «كيف عرفت بوقوع الحادث؟»

— «اتصل بي.»

اتسعت عيناها.

— «أبي اتصل بك وهو داخل السيارة؟»

— «قبل الاصطدام بدقائق، كان صوته مضطربًا، وقال إن سيارة تتبعه.»

وضعت ليان يدها فوق فمها.

— «ولماذا لم تخبر الشرطة؟»

— «أخبرتهم، لكن المكالمة اختفت من سجل هاتفه، وتحولت أقوالي إلى شهادة رجل بلا دليل.»

— «هل كان حيًا عندما وصلت؟»

طال صمت آدم حتى خشيت سماع الإجابة.

— «نعم.»

أغمضت عينيها، وشعرت بالألم يعود إلى صدرها بقوة.

— «هل تحدث إليك؟»

— «بضع كلمات فقط.»

— «ماذا قال؟»

تنفس آدم ببطء، ثم أجاب:

— «قال إنني تأخرت، وطلب مني أن أحميك، وبعدها ذكر الشقة سبعة عشر.»

سقطت دمعة على خد ليان قبل أن تدرك أنها تبكي، مسحتها بسرعة، كأن آدم يستطيع رؤيتها من خلال الهاتف.

— «هل قال شيئًا آخر؟»

— «قال اسمًا.»

رفعت رأسها.

— «أي اسم؟»

وقبل أن يجيب، وصل إلى أذنها صوت طرق خافت صادر من داخل الشقة.

لم يكن من الباب الرئيسي.

جاء الصوت من جهة غرفة والدها.

توقفت ليان عن التنفس، ونظرت نحو الباب المفتوح خلفها.

طرق واحد.

ثم ثانٍ.

ثم ثالث.

قال آدم بسرعة:

— «ما هذا الصوت؟»

همست ليان:

— «هناك شخص في المنزل.»

نهضت ببطء، ومدت يدها نحو المصباح المعدني فوق المكتب، بينما جاء الطرق مرة أخرى، هذه المرة من خلف خزانة الكتب.

قال آدم بنبرة صارمة:

— «اخرجي من الغرفة فورًا، ولا تقتربي من الخزانة.»

لكن ليان لم تتحرك.

كان أحد الكتب يهتز قليلًا في مكانه، ثم انزلق إلى الأمام وسقط فوق الأرض. خلفه ظهر فراغ مظلم، ومن داخله امتدت يد ترتدي قفازًا أسود، وضعت ظرفًا فوق الرف ثم اختفت بالسرعة نفسها.

شهقت ليان وتراجعت حتى اصطدمت بالمكتب.

قال آدم بصوت مرتفع:

— «ليان، تحدثي إليّ، ماذا حدث؟»

ظلت عيناها معلقتين بالظرف، وقد كُتب فوقه اسمها بخط لم تعرفه.

ثم جاءها صوت خافت من خلف الجدار، واضحًا بما يكفي لتفهم كلماته:

— «لا تصدقي آدم الكيلاني.»

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • خلف باب الشقة 17   الفصل الثلاثون: ما وراء الأحرف الثلاثة

    توقفت أنفاس ليان وهي تحدق في الأحرف الثلاثة المكتوبة أسفل الورقة: ن. ع. س، بينما جاء صوت نادر من خلف المكتبة مرة أخرى، أقرب هذه المرة: «ليان؟ أعلم أنك هنا.» التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه التحذير نفسه الذي شعرت به داخلها، لكن شيئًا آخر كان أقوى من الخوف، فقد أمضت أيامًا تهرب من أنصاف الحقائق، ولم تعد مستعدة للاختباء كلما ظهر اسم جديد. وضعت الصور والورقة داخل حقيبتها، ثم همست: «لن نبقى هنا.» حاول آدم منعها بإشارة من يده، لكنها فتحت الباب السري قبل أن يفعل، وخرجت إلى المكتب.كان نادر واقفًا قرب الطاولة، وقد تجمدت ملامحه عندما رآها تخرج من خلف المكتبة، ثم ازداد توتره عندما ظهر آدم وراءها. انتقلت عيناه إلى الباب المخفي، وقال بصوت خافت: «إذن وجدتماه.» لم تسأله ليان كيف دخل المنزل، فقد كان يحمل نسخة من المفتاح منذ سنوات بحكم قربه من والدها، لكن السؤال الذي خرج منها كان أكثر أهمية: «هل كنت تعرف بوجود هذا الممر؟»أجاب بعد لحظة: «نعم.»ضحكت بمرارة. «بالطبع، الجميع يعرف أسرار بيتي إلا أنا.»أغلق آدم الباب السري خلفه، ثم وقف قريبًا منها دون أن يتدخل

  • خلف باب الشقة 17   الفصل التاسع والعشرون: الرسائل ذات النقطة

    بقيت ليان تحدق في شاشة هاتفها، تنتقل بين الرسائل القديمة واحدة تلو الأخرى، وكأن نقطة صغيرة في نهاية سطر أصبحت فجأة الحد الفاصل بين من كان يحاول مساعدتها ومن كان يقودها إلى الخطر. لم تكن قد انتبهت إليها من قبل، ولم يكن هناك سبب يدفعها إلى ذلك، لكن بعد اعتراف محمود أصبحت الرسائل تبدو مختلفة تمامًا، بعضها ينتهي بنقطة واضحة، وبعضها ينتهي بلا علامة، كأن شخصين يتحدثان بالصوت نفسه، لكن كل واحد منهما يريد أخذها في اتجاه مختلف. جلست أمام الطاولة، وفتحت دفتر ملاحظاتها، ثم بدأت تصنف الرسائل بحسب ترتيب وصولها، بينما وقف آدم ويوسف بالقرب منها يتابعان بصمت.كتبت في أعلى الصفحة: محمود، وتحتها نسخت الرسائل التي تنتهي بنقطة، كانت معظمها مرتبطة بأشياء قادتها بالفعل إلى أدلة تركها والدها، المفتاح، المستودع، بعض الوثائق، وحتى التنبيه الذي جعلها تعيد النظر في إحدى الصور. ثم كتبت في الجهة الأخرى: المجهول، وبدأت تنقل الرسائل التي لا تحمل النقطة، وسرعان ما ظهر نمط مختلف تمامًا، «لا تثقي بآدم الكيلاني»، الرسائل التي حاولت إثارة شكها في علاقة آدم بوالدتها، التهديد المرتبط بالشقة سبعة عشر، وبعض الصور

  • خلف باب الشقة 17   الفصل الثامن والعشرون: منذ ثمانية أشهر

    ظلت ليان واقفة أمام يوسف الراوي، غير قادرة على استيعاب الرقم الذي نطق به، ثمانية أشهر فقط، لم يكن يتحدث عن ذكرى قديمة أو أثر يعود إلى سنوات اختفاء والدتها، بل عن امرأة كانت حية قبل أقل من عام، بينما كانت ليان تواصل حياتها مقتنعة منذ أكثر من عشر سنوات بأنها ماتت. اقتربت منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، وقالت: «أريد منك أن تعيد ما قلته، وأن تفكر جيدًا قبل أن تجيبني.» لم يحاول يوسف الهرب من نظرتها، وقال بصوت متعب: «رأيت سلمى منذ ثمانية أشهر، كانت حية، تحدثت إليها، وبقيت معها قرابة ساعتين.» شعرت ليان بأن ساقيها لم تعودا تحملانها، فاستندت إلى طرف الطاولة، بينما تحرك آدم نحوها تلقائيًا، لكنها رفعت يدها تمنعه من الاقتراب، لم تكن تريد مواساة الآن، كانت تريد الحقيقة كاملة.سألت يوسف: «أين رأيتها؟» وضع حقيبته فوق الأرض وجلس ببطء، وكأن السنوات ظهرت فجأة فوق كتفيه، ثم قال: «في الإسكندرية، اتصلت بي من رقم لم أعرفه، طلبت أن أقابلها في شقة قريبة من البحر، لم أصدق أنها هي حتى سمعت صوتها.» قاطعته ليان: «ولماذا اتصلت بك أنت؟ الرجل الذي وقّع شهادة وفاتها؟» أطرق يوسف برأسه وقال: «لأ

  • خلف باب الشقة 17   الفصل السابع والعشرون: الرجل الذي لم يكن عمّها

    لم تستطع ليان أن ترفع عينيها عن الصورة، كان الوجه أمامها مألوفًا بطريقة تستفز الذاكرة، الجبهة العريضة، الابتسامة الهادئة، النظرة التي كانت تراها في طفولتها وتربطها تلقائيًا باسم عمي فؤاد، ومع ذلك كانت الوثيقة المفتوحة على الشاشة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: الدكتور يوسف الراوي، الطبيب الذي وقّع شهادة وفاة سلمى، والرجل الذي أكدت داليا أنه شارك في إخفائها داخل مركز الحياة. شعرت ليان بأن ذكرياتها نفسها أصبحت موضع شك، فلم تعد القضية تتعلق بأسرار أخفاها والداها عنها بعد أن كبرت، بل بكذبة بدأت وهي طفلة، واستمرت سنوات حتى أصبحت جزءًا من تاريخ عائلتها.قالت وهي تشير إلى الصورة: «أنا متأكدة منه، كان يأتي إلى منزلنا، كان يحضر لي الهدايا في عيد ميلادي، وكنت أناديه عمي فؤاد أمام أبي وأمي.» جلس آدم أمام الحاسوب وأعاد قراءة الوثيقة، ثم قال: «ربما كلمة عمي لم تكن تعني أنه شقيق مراد، الأطفال يستخدمونها أحيانًا مع أصدقاء العائلة.» هزت ليان رأسها بعناد: «لا، أتذكر أنني سألت أبي مرة لماذا لا يشبهه، فضحك وقال إن الإخوة لا يجب أن يتشابهوا.» توقف آدم عند هذه الجملة، ثم سأل: «هل تتذكرين متى كانت آخ

  • خلف باب الشقة 17   الفصل السادس والعشرون: حين رأيتها من بعيد

    تجمدت ليان أمام شاشة الحاسوب، ولم تعد تسمع سوى العبارة الأخيرة التي قالتها سلمى: «بعد اختفائي بثلاث سنوات... عدت إلى القاهرة، ورأيتك.» لم يكن عقلها قادرًا على الانتقال إلى الجملة التالية، فقد كانت تحاول استيعاب حقيقة أن أمها، التي بكتها سنوات واعتقدت أنها ترقد تحت التراب، كانت في وقت ما داخل المدينة نفسها، ربما على بعد شارع أو بضعة أمتار منها، ورأتها بعينيها ثم اختارت ألا تقترب. ضغطت ليان أصابعها فوق حافة الطاولة حتى شعرت بألم في مفاصلها، بينما استمر التسجيل.ظهرت سلمى أكبر سنًا مما كانت عليه في مقاطع المركز الطبي، كان شعرها أقصر، وتحت عينيها آثار تعب واضحة، لكنها بدت هادئة وهي تقول: «أعرف ما ستشعرين به عندما تسمعين هذا، وربما لن تسامحيني أبدًا، وليس لي الحق في أن أطلب منك ذلك. عدت لأنني لم أعد أحتمل أن أعرف أنك تكبرين من خلال الصور التي تصلني، أردت أن أراك ولو مرة واحدة، وأن أتأكد أنك بخير، ولهذا وقفت أمام جامعتك وانتظرت.»ارتجفت شفتا ليان، فقد تذكرت تلك الفترة، كانت في العشرين من عمرها تقريبًا، وكانت قد بدأت سنتها الجامعية الثالثة. تابعت سلمى: «خرجتِ مع صديقتين،

  • خلف باب الشقة 17   الفصل الخامس والعشرون: اتفاق الحماية

    ظلت ليان تحدق في التوقيع أسفل الوثيقة، ثم رفعت عينيها نحو آدم الذي كان يقود السيارة بجانبها، لم تعد تعرف أيهما أثقل، اكتشاف أن والدها طلب من سلمى ألا تعود إليها، أم رؤية اسم آدم على اتفاق يبدو أنه كان جزءًا من القرار نفسه. مدت الهاتف نحوه وقالت: «توقف.» نظر إليها سريعًا ثم إلى الطريق، فسأل: «ماذا حدث؟» أعادت الكلمة بنبرة أكثر حدة: «قلت توقف.» أدار السيارة إلى جانب الطريق، وما إن أوقف المحرك حتى وضعت الشاشة أمامه، لم يحتج إلى أكثر من ثوانٍ ليتعرف إلى الوثيقة، ورأت ليان شيئًا في عينيه أكد لها قبل أن يتكلم أنه يعرفها جيدًا.قالت: «هذه المرة لن أسألك إن كنت تعرفها، سأفترض أنك تعرف، وأريد أن تخبرني لماذا يحمل اتفاق يمنع أمي من العودة إليّ توقيعك.» أخذ آدم الهاتف وكبر الصورة، ثم أعاده إليها وقال: «لأن توقيعي حقيقي.» شعرت بأن الغضب يشتعل داخلها، لكنه تابع قبل أن تقاطعه: «أما ما قيل لك عن الاتفاق فليس صحيحًا بالكامل، لم يكن الهدف منع سلمى من العودة إليك، بل إخفاء مكانك عنها فترة محددة، وإخفاء مكانها عنك.» حدقت فيه بعدم تصديق. «وهذا يفترض أن يجعل الأمر أفضل؟ كنت في السابعة عشرة، كنت

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status