ログインالوطن – المنزل القديم – بعد أسبوع من إعلان مريم عن حملها كان الصباح بارداً، والسماء رمادية تمطر بغزارة، والرياح تعصف بأشجار الحديقة الخلفية. كان علي جالساً في غرفة المعيشة، يحتسي فنجاناً من القهوة السادة، ويقرأ جريدته الصباحية. كانت الحياة هادئة، والأخبار في الجريدة عادية، ولا توجد أي أحداث تستحق الاهتمام. كان يشعر بالراحة، بالاستقرار، وكأن السنوات المضطربة كانت مجرد حلم بعيد. فجأة، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، فإذا برقم دولي لا يعرفه. تردد للحظة، ثم رد. صوت من الطرف الآخر، بلكنة روسية ثقيلة: «علي؟ هل هذا أنت؟» علي: «نعم. من المتحدث؟» الصوت: «إنه أنا. سيرغي. لقد خرجت من السجن منذ ستة أشهر، وقررت أن أزورك. أنا في مطار العاصمة الآن. هل يمكنني القدوم إليك؟» شعر علي بصدمة سعيدة. لم يرَ سيرغي منذ أن خرج من السجن قبل سنوات، وكان يظن أنه عاد إلى روسيا إلى الأبد. لكنه كان هنا، في وطنه، يريد زيارته. علي: «سيرغي! يا للهول! بالطبع يمكنك القدوم. سأرسل لك العنوان. أنتظرك على الغداء.» سيرغي: «شكراً لك يا علي. سأكون هناك خلال ساعة.» أغلق علي الهاتف، ونهض من مكانه مسرعاً. كان يشعر بحماس طفولي.
الوطن – منزل آدم ومريم الجديد – حي هادئ على مشارف المدينة – مساء يوم الجمعة كان المنزل صغيراً لكنه دافئ، يقع في نهاية شارع هادئ تحيط به الأشجار القديمة والحدائق الصغيرة. كان آدم ومريم قد انتقلا إليه منذ شهر، بعد أن قررا الاستقرار في الوطن بدلاً من العودة إلى لندن. كان آدم يدير مشروعه عن بُعد، ويسافر بين الحين والآخر لحضور الاجتماعات المهمة، بينما كانت مريم تعمل على إنهاء دراستها عبر الإنترنت. كانت حياتهما هادئة، مستقرة، ومليئة بالحب. في ذلك المساء، كان آدم جالساً على الأريكة في غرفة المعيشة، يقرأ بعض التقارير المالية على حاسوبه المحمول. كان متعباً بعد يوم طويل من الاجتماعات عبر الفيديو مع شركائه في لندن، لكنه كان سعيداً. كان مشروعه ينمو بسرعة، وكانت العقود تتوالى، وكان المستقبل يبدو مشرقاً. كانت مريم في المطبخ تعد العشاء، وكانت رائحة البهارات والزيتون تملأ المكان. آدم: «مريم، هل تحتاجين إلى مساعدة؟» مريم من المطبخ: «لا، شكراً. أنا على وشك الانتهاء. فقط اجلس واسترخِ. سأحضر العشاء خلال دقائق.» ابتسم آدم، وعاد إلى قراءة التقارير. كان يشعر بالارتياح لأول مرة منذ سنوات. لم يعد هناك خو
الوطن – محكمة الاستئناف – قاعة المحكمة رقم 3 – صباح يوم الخميس كانت قاعة المحكمة مكتظة بالحضور، رغم أن القضية لم تكن من القضايا الكبرى التي تثير اهتمام الصحافة. كانت قضية "سامي" الذي اعتقل قبل أسابيع بتهمة المشاركة في مظاهرة غير مرخصة. لكن بالنسبة لليلى، كانت هذه القضية هي الأولى في حياتها المهنية، وكانت تشعر بثقل المسؤولية على كتفيها الصغيرتين. كانت ترتدي بدلة سوداء أنيقة، وشعرها الأشقر مربوط إلى الخلف، وعيناها تلمعان بتركيز وحماس. كانت تقف بجانب رامي، المحامي المتمرس الذي كان يشرف على تدريبها، وتستعرض أوراقها للمرة الأخيرة قبل بدء الجلسة. كانت يداها ترتجفان قليلاً، لكنها كانت تحاول إخفاء ذلك. رامي يهمس لها: «لا تقلقي يا ليلى. أنتِ مستعدة. لدينا كل الأدلة، والشهود في أماكنهم. فقط ثقي بنفسك، وتحدثي بوضوح. القاضي رجل عادل، وسيستمع إليكِ.» ليلى: «أنا خائفة يا رامي. ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو نسيت شيئاً مهماً؟» رامي: «لن تخطئي. أنتِ تعرفين هذه القضية عن ظهر قلب. لقد عملتِ عليها لأسابيع. ثقي بحدسك. هذا هو دورك الآن.» دخل القاضي إلى القاعة، ووقف الجميع احتراماً. جلس القاضي على كرسيه، ونظ
الوطن – صالة "الحديد" الرياضية – حي وسط المدينة – صباح يوم الثلاثاء كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحاً حين وقف علي أمام باب صالة "الحديد" الرياضية. كان الجو بارداً، والسماء لا تزال مظلمة، والشارع خالياً إلا من بعض السيارات المتوقفة على الرصيف. كان المكان صغيراً، لا يتجاوز مساحته مائتي متر مربع، لكنه كان ممتلئاً بالأجهزة الرياضية القديمة والجديدة، وبعض المرايا المعلقة على الجدران، ورائحة العرق والمطهرات التي تملأ المكان. لم يكن علي قد دخل صالة رياضية منذ سنوات. آخر مرة كان فيها في صالة مماثلة كانت في أيام شبابه، عندما كان طالباً في كلية الصيدلة، يمارس التمارين الشاقة ليحافظ على جسده الرياضي الذي كان يثير إعجاب الفتيات في الجامعة. لكن السنوات الطويلة في السجن، وقلة الحركة، والشيخوخة، كلها تركت آثارها على جسده. كانت عضلاته قد ترهلت، وظهره أصبح منحنياً، وكتفاه أصبحا أضيق مما كانا عليه في الماضي. لكنه كان مصمماً على استعادة شيء من لياقته البدنية. ليس لإبهار أحد، بل ليشعر بأنه لا يزال حياً، وأن جسده لا يزال قادراً على التحرك والقوة. دخل علي الصالة، واستقبله صاحبها، رجل في الأربعين من ع
لندن – حي "شورديتش" – مكتب شركة "أوريزون للطاقة المتجددة" – بعد شهرين من زفاف آدم ومريم كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً حين وصل آدم إلى مكتبه. كان الجو بارداً، والسماء رمادية تمطر بغزارة، والرياح تعصف بالشوارع الضيقة في شورديتش. كان قد عاد إلى لندن قبل أسبوعين لإنهاء بعض الأعمال العالقة في مشروعه، بينما بقيت مريم في الوطن لتجهز منزلهما الجديد. كان يشعر بالوحدة، لكنه كان يعلم أن هذه التضحية ضرورية لتحقيق حلمه. كان مكتبه لا يزال صغيراً، لكنه كان قد توسع قليلاً. أضاف مكتبين جديدين لفريقه، واشترى أجهزة حاسوب حديثة، وبدأ في توظيف مهندسين متخصصين في الطاقة المتجددة. كان مشروعه قد بدأ يجذب انتباه المستثمرين، لكنه كان لا يزال بحاجة إلى دفعة كبيرة ليتحول إلى شركة حقيقية قادرة على المنافسة في السوق الأوروبية. جلس آدم على كرسيه، وفتح حاسوبه المحمول. كان هناك بريد إلكتروني جديد من أحد المستثمرين المحتملين، وهو رجل أعمال ألماني يدعى "هانز بيتر شولتز" (لا علاقة له بهانز ماير). كان شولتز قد أبدى اهتماماً بمشروع آدم قبل شهر، ووعد بالاستثمار فيه إذا تمكن آدم من تقديم خطة عمل أكثر تفصيلاً. آدم
الوطن – مدينة العاصمة – مكتب المحامي "خالد المنصور" – صباح يوم الاثنين كان المكتب يقع في الطابق الثالث من مبنى قديم في وسط المدينة، جدرانه من الحجر الأصفر، ونوافذه تطل على شارع مزدحم بالأشجار والسيارات. كان المكتب صغيراً، لكنه كان يعج بالحركة؛ محامون يتنقلون بين المكاتب، وسكرتيرات يردن على الهواتف، وملفات ضخمة تتراكم على كل سطح. كانت رائحة الورق والحبر والقهوة تملأ المكان، وتخلق جواً من الجدية والانشغال. كانت ليلى تقف عند المدخل، ترتدي بدلة رسمية باللون الرمادي الفاتح، وشعرها الأشقر مربوط إلى الخلف، وعيناها تلمعان بحماس وخوف في آن واحد. كانت تحمل حقيبة جلدية سوداء تحتوي على دفتر ملاحظاتها وقلمها ونسخة من سيرتها الذاتية. كانت هذه أول يوم لها كمتدربة في مكتب المحامي خالد المنصور، وهو محامٍ معروف في مجال حقوق الإنسان، وكانت قد تقدمت إليه بطلب التدريب منذ أشهر، ووافق أخيراً. كانت ليلى تشعر بالرهبة، لكنها كانت تشعر أيضاً بالفخر. كانت هذه هي الخطوة الأولى في طريقها لتصبح محامية تدافع عن المظلومين، كما كانت تحلم دائماً. كان والدها قد خرج من السجن، وكانت عائلتها في سلام، والآن حان دورها لت
جنيف – منزل ليلى – فجر يوم السبت كان الجو بارداً ذلك الصباح، والثلوج تتساقط خفيفة على شوارع جنيف. كانت ليلى قد استيقظت باكراً، رغم أنها لم تنم جيداً في الليلة الماضية. كانت تفكر في علي، في حلى، في ليلى الصغيرة التي تحمل اسمها. كانت تفكر في السنوات التي قضتها معه، وفي الخيانة التي مزقت قلبها، وفي ا
جنيف – سجن شامب دولون – فجر اليوم التالي للحكم لم ينم علي تلك الليلة. ظل جالساً على سريره الحديدي، يفكر في حلى وأطفاله، وفي السنوات العشرين التي تنتظره. كان يعلم أن النقل إلى سجن آخر قادم، فقد أبلغه الحارس المساء بأنه سينقل إلى منشأة شديدة الحراسة في برلين. كان ذلك عقاباً إضافياً من هانز، الذي أرا
إسطنبول – شقة رفيق – بعد يومين من الجلسة الأولى للمحاكمة كان رفيق جالساً أمام شاشته في غرفته المظلمة، وعيناه متعبتان، ويداه لا تتوقفان عن الضرب على لوحة المفاتيح. منذ أن أبلغته نور باعتقال علي، وهو يعمل بشكل متواصل، يحاول اختراق أنظمة المحكمة في جنيف. لم يكن يريد المال، ولم يكن يريد الشهرة. كان ير
جنيف — مكتب ميشيل لوبلان — صباح اليوم التالي كان الضوء يتسلل عبر الستائر المخملية السميكة ليرسم خطوطاً ذهبية على وجه حلى الجالس على الكرسي المقابل لمكتب ميشيل. كانت ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، وشعرها مربوط إلى الخلف، ووجهها شاحب لكن عينيها كانتا تحملان بريقاً لم يره فيها المحامي من قبل. كانت حلى مختل






