Mag-log inلندن – حي "شورديتش" – مكتب شركة "أوريزون للطاقة المتجددة" – بعد شهرين من زفاف آدم ومريم كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً حين وصل آدم إلى مكتبه. كان الجو بارداً، والسماء رمادية تمطر بغزارة، والرياح تعصف بالشوارع الضيقة في شورديتش. كان قد عاد إلى لندن قبل أسبوعين لإنهاء بعض الأعمال العالقة في مشروعه، بينما بقيت مريم في الوطن لتجهز منزلهما الجديد. كان يشعر بالوحدة، لكنه كان يعلم أن هذه التضحية ضرورية لتحقيق حلمه. كان مكتبه لا يزال صغيراً، لكنه كان قد توسع قليلاً. أضاف مكتبين جديدين لفريقه، واشترى أجهزة حاسوب حديثة، وبدأ في توظيف مهندسين متخصصين في الطاقة المتجددة. كان مشروعه قد بدأ يجذب انتباه المستثمرين، لكنه كان لا يزال بحاجة إلى دفعة كبيرة ليتحول إلى شركة حقيقية قادرة على المنافسة في السوق الأوروبية. جلس آدم على كرسيه، وفتح حاسوبه المحمول. كان هناك بريد إلكتروني جديد من أحد المستثمرين المحتملين، وهو رجل أعمال ألماني يدعى "هانز بيتر شولتز" (لا علاقة له بهانز ماير). كان شولتز قد أبدى اهتماماً بمشروع آدم قبل شهر، ووعد بالاستثمار فيه إذا تمكن آدم من تقديم خطة عمل أكثر تفصيلاً. آدم
الوطن – مدينة العاصمة – مكتب المحامي "خالد المنصور" – صباح يوم الاثنين كان المكتب يقع في الطابق الثالث من مبنى قديم في وسط المدينة، جدرانه من الحجر الأصفر، ونوافذه تطل على شارع مزدحم بالأشجار والسيارات. كان المكتب صغيراً، لكنه كان يعج بالحركة؛ محامون يتنقلون بين المكاتب، وسكرتيرات يردن على الهواتف، وملفات ضخمة تتراكم على كل سطح. كانت رائحة الورق والحبر والقهوة تملأ المكان، وتخلق جواً من الجدية والانشغال. كانت ليلى تقف عند المدخل، ترتدي بدلة رسمية باللون الرمادي الفاتح، وشعرها الأشقر مربوط إلى الخلف، وعيناها تلمعان بحماس وخوف في آن واحد. كانت تحمل حقيبة جلدية سوداء تحتوي على دفتر ملاحظاتها وقلمها ونسخة من سيرتها الذاتية. كانت هذه أول يوم لها كمتدربة في مكتب المحامي خالد المنصور، وهو محامٍ معروف في مجال حقوق الإنسان، وكانت قد تقدمت إليه بطلب التدريب منذ أشهر، ووافق أخيراً. كانت ليلى تشعر بالرهبة، لكنها كانت تشعر أيضاً بالفخر. كانت هذه هي الخطوة الأولى في طريقها لتصبح محامية تدافع عن المظلومين، كما كانت تحلم دائماً. كان والدها قد خرج من السجن، وكانت عائلتها في سلام، والآن حان دورها لت
الوطن – المنزل القديم – بعد شهر من زفاف آدم ومريم كانت حلى جالسة على مكتبها الصغير في غرفة كانت قد حولتها إلى مكتب خاص بها، محاطة بالأوراق المالية والمراسلات البنكية. كانت قد بدأت في مراجعة حساباتها الشخصية بعد أن استقرت الأمور، واكتشفت أن لديها مبلغاً كبيراً من المال، كان قد جمعته على مر السنين من أموال علي المهربة، ومن مدخراتها الشخصية، ومن بعض الاستثمارات الصغيرة التي كانت قد قامت بها في كوسكو. لم تكن حلى بحاجة إلى هذا المال. كان لديها ما يكفيها لتعيش هي وعلي بقية حياتهم بشكل مريح. وكان لدى آدم ومريم مصادرهما الخاصة. وكانت ليلى لا تزال طالبة، لكنها كانت تعمل بدوام جزئي في مكتب محاماة. لم تكن العائلة بحاجة إلى المزيد من المال. فكرت حلى طويلاً في ما يمكنها فعله بهذا المال. لم تكن تريد أن تتركه في البنك دون فائدة. ولم تكن تريد أن تنفقه على أشياء لا معنى لها. كانت تريد أن تفعل شيئاً جيداً به، شيئاً يعكس التغيير الذي حدث في حياتها، شيئاً يمنحها شعوراً بالتطهر الروحي. في أحد الأيام، بينما كانت تتجول في المدينة، مرت بمستشفى الأطفال العام. كان المبنى قديماً، وجدرانه متآكلة، والنوافذ مك
الوطن – المنزل القديم – بعد ثلاثة أسابيع من مقتل بيير كان الصباح مشمساً ودافئاً، والنسيم الخفيف يحمل رائحة الزهور من الحديقة الخلفية. كان المنزل القديم قد تحول إلى مكان مختلف تماماً عما كان عليه قبل أشهر. الجدران البيضاء تلمع، والستائر الجديدة ترفرف في الريح، والأزهار الملونة تزين كل زاوية. كانت حلى قد أمضت أسبوعين في التحضير لهذا اليوم، مع ليلى التي كانت تساعدها بحماس. لم يكن حفلاً كبيراً، ولم تكن هناك كاميرات أو صحفيون. كان مجرد تجمع صغير للعائلة والأصدقاء المقربين. في غرفة النوم الرئيسية، كان آدم واقفاً أمام المرآة، يرتدي بدلة زرقاء داكنة أنيقة، وربطة عنق فضية، وحذاءً لامعاً. كان ينظر إلى انعكاسه، ويشعر بأنه ينظر إلى شخص مختلف تماماً عما كان عليه قبل سنوات. لم يعد ذلك الشاب الخائف الذي كان يركض خلف أمه في شوارع كوسكو. لم يعد ذلك الطفل الذي كان يبكي خلف الستائر وهو يسمع والدته تبكي. كان رجلاً، على وشك أن يبدأ حياة جديدة مع امرأة يحبها. طرق الباب، ودخل علي. كان يرتدي بدلة رمادية بسيطة، ووجهه يلمع بفخر لا يوصف. نظر إلى ابنه طويلاً، ثم ابتسم. علي: «تبدو رائعاً يا بني. كأنك خرجت من
موناكو – حي "لا كوندامين" – شارع ضيق خلف ميناء اليخوت – منتصف الليل كانت السماء مظلمة، والرياح الباردة تعصف بأشجار النخيل التي تصطف على جانبي الشارع، وأضواء المدينة تنعكس على سطح الماء الهادئ في الميناء القريب. كان بيير يسير بسرعة، ملتفاً بمعطف أسود طويل، وقبعته منخفضة على عينيه، ويداه في جيوبه. كان يحاول ألا يلفت الانتباه، لكن كان من الصعب ألا يلاحظه أحد. كان قد عاد إلى موناكو قبل أيام، بعد أن هرب من لندن، وظن أنه سيكون آمناً هنا. لكنه كان مخطئاً. لم يكن وحيداً. كان هناك رجلان يتبعانه منذ خروجه من الفندق. كانا يرتديان بدلات سوداء، ويمشيان بخطوات سريعة، لكنهما كانا يتوقفان كلما توقف. كان بيير يعرف أنهما ليسا من رجال الإنتربول. كانا من عصابة منافسة، كانت تريد الانتقام لصفقة فاشلة كان والده قد تورط فيها قبل سنوات. كانوا يعرفون أنه ابن جان لوك، وكانوا يريدون أن يدفع الثمن. تسارع بيير في مشيته، وتجه نحو ممر ضيق بين مبنيين. كان يعلم أن هناك مخرجاً آخر في نهاية الممر يؤدي إلى شارع مزدحم، حيث يمكنه الاختفاء بين الناس. لكن عندما وصل إلى منتصف الممر، وجد رجلاً ثالثاً ينتظره، يحمل مسدساً بيد
سويسرا – سجن "شامب دولون" – زنزانة هانز الانفرادية – فجر يوم الأحد كانت الزنزانة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها أربعة أمتار مربعة، جدرانها رمادية باردة، وسريرها الحديدي يئن تحت وطأة الجسد المتعب. كان هانز جالساً على حافة السرير، ويداه ترتجفان، وعيناه غائرتان، ووجهه شاحب كالجدران المحيطة به. كان قد أمضى أكثر من عام في هذه الزنزانة، بانتظار محاكمته النهائية، لكن المحاكمة لم تأتِ أبداً. كانت الأدلة ضده تتكدس، وشهوده يتخلون عنه واحداً تلو الآخر، وحلفاؤه يهربون منه كالفئران من سفينة غارقة. كان يعلم أن نهايته قد اقتربت. لم يعد لديه أمل في الخروج، ولا في العفو، ولا حتى في تخفيف العقوبة. كان وحيداً تماماً، كما كان علي وحيداً في زنزانته قبل سنوات. كان يعلم أن هذه هي العدالة التي طالما تظاهر بالدفاع عنها. كانت تلتهمه الآن كما التهمت غيره. في تلك الليلة، كان هانز يشعر بألم غريب في صدره. ظن أنه مجرد توتر، أو قلق، أو آثار الشيخوخة التي بدأت تظهر عليه. لكن الألم ازداد، وبدأ ينتشر إلى ذراعه اليسرى، وإلى فكه، وإلى ظهره. حاول أن يستيقظ، لكنه لم يستطع. كان جسده مشلولاً، وعقله ضبابياً. هانز يهمس بصعوبة: «
استيقظ علي في السابعة صباحاً، قبل أن يرن المنبه. كانت عادته منذ سنوات؛ لا يحتاج إلى منبه، فجسده كان يتكيف مع ضغوط العمل لدرجة أنه كان يستيقظ في الوقت نفسه كل يوم تقريباً. نهض من السرير، واتجه إلى الحمام. وقف تحت رذاذ الماء البارد لدقائق، يحاول أن يغسل عنه تعب الأمس وقلقه. خرج، ولف منشفة بيضاء حول
كانت الشمس قد أشرقت منذ ساعتين على بحيرة ليمان، لكن مكتب هانز كان لا يزال غارقاً في ظلام صناعي بفعل الستائر المعتمة التي نادراً ما كان يفتحها. كان الجو بارداً، والمكيف يصدر همهمة خافتة مزعجة. على مكتبه، كانت ثلاثة أكواب من القهوة الفارغة تتحدث عن ليلة بيضاء قضاها في متابعة الملفات. جلس هانز على كر
كانت الغرفة في الطابق السفلي من قصر سنان معزولة تماماً عن باقي أرجاء المبنى. جدرانها مكسوة بألواح معدنية عازلة للإشارات، ولا نوافذ لها سوى فتحة تهوية صغيرة في السقف. في وسط الغرفة، كان أربعة رجال يجلسون أمام شاشات حاسوب كبيرة، وأيديهم تتحرك بسرعة على لوحات المفاتيح. كانوا يرتدون سماعات رأس، ويتحدثو
وصل علي إلى قصر سنان في الظهيرة. كانت السماء غائمة، والرياح الباردة تعصف بأشجار الحديقة. كان الحراس في أماكنهم، والخدم يتحركون بصمت. دخل القاعة الكبرى، حيث كان سنان جالساً على أريكته المخملية الحمراء، يدخن سيجاره الكوبي ويشرب قهوته السادة. بدا سنان هذه المرة مختلفاً. لم يكن ذلك الرجل العجوز الخائف