Compartir

العقد المظلم

Autor: Alaa issa
last update Fecha de publicación: 2026-06-28 10:57:42

تراجع قلبي خطوة إلى الوراء وتجمدت يداي المغطاة بالعرق البارد وأنا أراقب المقبض النحاسي للباب الجانبي الموصول بجناحه وهو يتحرك ببطء قاتل. صرير المفصلات الخشبية في صمت الجناح كان كفيلاً بإشعال كل خلية رعب في جسدي. تراجعتُ غريزياً حتى اصطدم ظهري بحافة السرير الملكي الفخم، وأطبقتُ بكفيّ على الحرير الأسود الساخن الممتد تحتي، محاولةً التمسك بأي شيء يمنع ركبتي الخائنتين من الانهيار.

انفتح الباب بالكامل، لكنه لم يكن كرم.

وقفت هناك فتاة ممشوقة القوام، ترتدي زياً رسمياً موحداً وقاتماً يخص الخدم، وتضع عينيها في الأرض بآلية مريبة وجليدية. كانت تحمل بين يديها المرتعشتين ثوباً ناعماً من الشيفون والحرير الأسود الداكن، ينسدل بنعومة مفرطة ويفوح منه عطر يشبه عطر كرم نفسه.

"سيدي يأمركِ بارتداء هذا.. واللحاق به فوراً عبر هذا الممر،" قالتها بنبرة آلية، خالية من أي تعاطف أو حياة، ودون أن ترفع رأسها لتنظر إلى وجهي الشاحب.

"وإذا رفضت؟" خرج صوتي حاداً، يحمل بقايا كبريائي الشامي الجريح الذي أحاول التشبث به بأسنان وأظافر، رغماً عن الضعف الجسدي المرعب الذي يجتاحني.

لم تجبني الفتاة. وضعت الثوب على طرف السرير بخفة، وتراجعت بضع خطوات للخلف، ثم أغلقت الباب الجانبي خلفها بصمت، تاركة إياي في مواجهة ذلك الثوب الأسود الذي بدا وكأنه كفن لحريتي المستسلمة.

بعد دقائق من الصراع النفسي المرير بين كرامتي وخوفي من تهديده الصريح في السيارة، وجدتُ نفسي أقف أمام المرآة الكبيرة للجناح. كان الحرير الأسود يلتصق ببشرتي الدافئة بنعومة مستفزة، مكشوفاً عند الكتفين وعظم الترقوة بطريقة جعلتني أشعر بالعرى التام والارتجاف رغماً عن دفء الغرفة. كان الثوب يجسد كل إنش من جسدي المضطرب، وكأنه صُمم خصيصاً ليعلن استسلامي لملكيته قبل أن أخطو خطوة واحدة داخل عرينه.

دفعتُ الباب الجانبي الموارب ببطء، وعبرت الممر القصير المظلم الذي يفصل بين الجناحين، ليدق قلبي عنفواناً مجنوناً مع كل خطوة.

دخلتُ جناحه الخاص، لتستقبلني أجواء أكثر عتمة وغموضاً. كانت إضاءة الغرفة تقتصر على شموع عطرية سوداء تتوزع في الزوايا، ويبعث لهيبها المتراقص ظلالاً دافئة ومثيرة على الجدران. وفي نهاية الغرفة، أمام مدفأة حجرية ضخمة تشتعل بالنار، كان كرم يجلس على مقعد جلدي عريض، وقد تخلى عن سترة بدلته الرسمية، ليبقى بقميصه الأسود الذي فتح أزراره العلوية، كاشفاً عن عنقه وعضلات صدره القوية التي كانت تتحرك مع كل نفس عميق يستنشقه من سيجاره.

توقفتُ عند عتبة الغرفة، وضممتُ كفيّ إلى صدري محاولةً تغطية المساحة المكشوفة من الثوب، لكن نظرته الرمادية الحادة لم ترحمني. التفت إليّ ببطء، وتنقّلت عيناه الفاحصتان على طول جسدي المغطى بالحرير الأسود ببطء استفزازي وحارق، دامت لثوانٍ خلتها دهراً كاملاً. شعرت بغليان الدماء في وجنتي، وبدأت أنفاسي تتسارع رغماً عني تحت تأثير تلك النظرة المتملكة.

"يقال إن الأسود يليق بالنساء الشاميات المتمردات.. لكنه عليكِ يبدو كاعتراف صامت بالهزيمة،" قالها بنبرته الرخيمة المنخفضة، وهو يضع سيجاره في المنفضة الفضية بجانبه، ثم نهض من مقعده بحركة واثقة.

تحرك نحوي ببطء قاتل، وكل خطوة من حذائه على الأرضية الخشبية كانت تدق في رأسي كطبول الحرب. تلاشت المسافة بيننا حتى أصبح صدره العريض يلامس تقريباً قماش ثوبي الخفيف. انحنى بجسده الفارع ليميل برأسه نحو عنقي المكشوف، واستنشق رائحتي بعمق أرجف كل خلية في جسدي، قبل أن تمتد يده الضخمة ذات الأصابع الدافئة لتستقر خلف عنقي، حابساً إياي في مجاله الحسي الخانق.

"هذا هو عقدكِ الجديد يا شام،" قال بالقرب من أذني، ولفحت أنفاسه الحارة بشرتي الحساسة، مما جعلني أغمض عينيّ مستسلمة للتأثير الطاغي لقربه. "ستوقعين على تنازل كامل عن حريتكِ وحركتكِ، وستكونين المساعدة الشخصية لي هنا.. في هذا القصر، وتحت شروطي المظلمة."

"ولماذا تظن أنني سأوقع على عبوديتي بيدي؟" سألتُ بصوت مخنوق ومتحشرج، محاولةً دفع صدره العريض بيدي المرتعشتين اللتين استقرتا فوق عضلات قميصه الساخنة، دون أن أمتلك القوة الفعلية لدفعه.

أطبق بيده الأخرى على خصري فجأة، وسحب جسدي بقوة مفرطة ليلتصق بجسده بالكامل، حتى شعرت بصلابة منكبيه ودقات قلبه المنتظمة والمرعبة. انخفض بوجهه ليصبح بمستوى شفتي، ولمحتُ بريقاً غريباً في عينيه الرماديتين وهو يهمس بنبرة حسمت كل شيء:

"لأن البديل في هذا الملف الأسود المفتوح خلفكِ على الطاولة.. لا يتضمن فقط تصفية ماضيكِ، بل يتضمن اسم أخيكِ يوسف، وهو الآن تحت رحمة رجالي في دمشق"

اتسعت عيناي بالرعب التام، وتوقفت أنفاسي في صدري وأنا أنظر إلى الملف الجلدي الأسود الموضوع على الطاولة خلفه، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، سُمع صوت إطلاق رصاصة مدوية من حديقة القصر الخارجية، تلاها صراخ حاد قطع سكون الليل..

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • خلف قناع الصمت   التعلّم حين يكون اختياراً

    جاء قبول الجامعة بعد أسبوعَين من تقديم الطلب. رسالة إلكترونية هادئة في صباح اعتيادي لا يختلف ظاهره عن أي صباح آخر في تلك الأيام. لا إعلانات ولا أضواء، مجرد كلمات على شاشة تقول إن الطلب قُبل وإن المقررات الأولى تبدأ بعد ثلاثة أسابيع. قرأتُ الرسالة مرتَين. أغلقتُ الجهاز. وجلستُ أمام القهوة التي بردت نصفها. ولم أُخبر أحداً في ذلك اليوم. ليس كتماناً ولا خوفاً من ردود الفعل. بل لأن بعض اللحظات تحتاج أن تجلس معك وحدها قبل أن تدخل إلى الكلام ويبدأ الآخرون في تسميتها ووضعها في صناديق من المعنى التي يختارونها هم. وهذه اللحظة كانت لي أنا أولاً. في الليل فقط، وبعد العشاء وحين جلسنا كرم وأنا في الشرفة الصغيرة، قلتُ له: "القبول جاء." نظر إليّ دون أن يُحرّك كثيراً. "متى؟" "في الصباح." "وانتظرتِ حتى الليل." "أردتُ أن أجلس معه وحدي أولاً." فهم. ولم يُضف كلمةً واحدة لا تستدعيها اللحظة. وكان هذا الفهم الهادئ الذي لا يحتاج إلى تفسير من المُخبِر ولا إلى إكمال من الطرف الآخر، أصبح في هذه الحياة الجديدة من أكثر الأشياء التي أُقدّرها. أن يعرف الشخص المجاور متى يتكلم ومتى يكتفي بالوجود. قال أخيراً بهدوء:

  • خلف قناع الصمت   نحو الأمام

    في اليوم الأول بعد العودة إلى دبي استيقظتُ في الساعة السادسة والنصف كعادتي قبل كل هذه الرحلة. وكان ذلك الاستيقاظ المبكر نفسه مختلفاً: لم يكن مدفوعاً بملف ينتظر أو اجتماع يُقلقني. استيقظتُ لأنني أريد الاستيقاظ. ولأن قهوة الصباح المبكر في ذلك الهدوء الخاص أصبحت شيئاً أُحبّه لذاته لا لما تُمهّد له. كتبتُ في الدفتر في الصباح الأول: اليوم أول يوم من الحياة التي أعرف الآن أنني أختارها. في الصباح ذاته قبل أن يستيقظ كرم فتحتُ موقع الجامعة على جهازي. سجّلتُ طلب الالتحاق في الساعة السابعة وعشرين دقيقة. وأغلقتُ الجهاز قبل أن يستيقظ كرم لأن بعض الأشياء تستحق أن تُفعَل بهدوء قبل أن تُعلَن. حين جاء كرم إلى الشرفة بفنجانه قلتُ له: "قدّمتُ طلب التسجيل في الجامعة." وضع فنجانه ببطء. "متى؟" "الساعة السابعة وعشرين دقيقة." "وكنتُ نائماً." "كنتَ نائماً." نظر إليّ. ثم قال: "جيد. بعض الأشياء تُفعَل وحدها أولاً." في اليوم الثالث بعد العودة اتصلتُ بنور. قالت حين سمعت صوتي: "الصوت مختلف." "مختلف كيف؟" "أقل حذراً." ضحكتُ. "ربما." قالت: "الحذر ضروري في وقته وثقيل حين يصبح عادةً بعد انتهاء وقته. كيف يمكنني أن

  • خلف قناع الصمت   البحر يحمل البحر فقط

    البحر في ذلك الصباح كان رمادياً وهادئاً، لا زرقاء التصوير ولا خضراء الوصف. كان بحراً حقيقياً في يوم اعتيادي قبل أن يُعلن الشمس كامل تألّقه. وقفتُ عند الحافة الرملية. الموج يأتي ويذهب بإيقاعه الذي لا يسأل أحداً عن إذن. والرمل تحت قدميّ بارد بعد ليلة طويلة. وقف كرم بجانبي. لم يقل شيئاً. ولم أقل أنا شيئاً. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ بدأ كل شيء التي أقف فيها أمام شيء لا يحمل ذاكرةً مرتبطة بما مررنا به. البحر لا يحمل نجلاء ولا وثائق ولا طارق المصري ولا مجموعة القاهرة. البحر يحمل البحر فقط. قلتُ لكرم: "هذا أول مكان أقف فيه منذ أشهر لا يذكّرني بشيء." "وكيف يشعرك ذلك؟" "يشعرني بأنني أنا." قضينا ثلاثة أيام في ذلك المكان. ثلاثة أيام بلا جدول أعمال ولا رسائل مهمة ولا قرارات تنتظر. في اليوم الأول نمتُ حتى الساعة العاشرة لأول مرة منذ لا أذكر. وحين استيقظتُ وجدتُ كرم يقرأ كتاباً على الشرفة وفنجان القهوة بجانبه. جلستُ بجانبه ولم يرفع رأسه عن الكتاب. وكان في هذا الصمت المشترك الذي لا يحتاج كلاماً لكي يكون كافياً شيء أحببتُه أكثر من كثير من المحادثات الطويلة التي خضناها. في اليوم الثاني مشينا

  • خلف قناع الصمت   في بيتك

    وصلنا إلى دمشق في الصباح الباكر، كرم وأنا في رحلتنا الأولى معاً بعد الزفاف. كانت دمشق في ذلك الصباح تحمل من الهواء شيئاً لا تحمله دبي، رطوبةً خفيفة تجعل التنفس أثقل بقليل وأعمق بكثير. وقفتُ في المطار لحظة وأخذتُ نفساً عميقاً. قال كرم: "مرحباً بك في مدينة نجلاء." قلتُ: "مرحباً بنا." ريم كانت تنتظرنا في بيت العتبة. وحين دخلنا الزقاق الضيق المُؤدّي إلى البيت وجدتُ أن شيئاً تغيّر في طريقة رؤيتي له. في المرة الأولى كنتُ أنظر إليه بعيون من يدخل مكاناً يحمل تاريخاً لا يعرفه كاملاً. هذه المرة نظرتُ إليه بعيون من تعرف. فتحت ريم الباب قبل أن نطرق. نظرتُ إليها ونظرت إليّ ولم نقل شيئاً لحظةً. ثم قالت: "أهلاً بك في بيتك." لم تقل في بيت نجلاء. قالت في بيتك. دخلنا. الفناء كما هو، النافورة الصغيرة، شجرة الياسمين في الزاوية، والجدران الحجرية التي تمتصّ الحرارة. جلسنا وجاءت ريم بالقهوة. قلتُ لريم: "كيف هي الحياة هنا؟" فكّرت لحظة. "أهدأ مما كانت في أيام المعارك القانونية. لكنها أعمق بطريقة لم أتوقعها. لأنه كل يوم تأتي إليّ امرأة وتجلس في هذا الفناء، وأنا أنظر إلى الفناء وأتذكر نجلاء وكيف أنها بنت ه

  • خلف قناع الصمت   الجهد أن تتعلّم كيف تعيش

    في الأيام الثلاثة التي تلت الزفاف لم يحدث شيء استثنائي. وكان هذا بحد ذاته استثنائياً. في صباح اليوم الأول استيقظتُ متأخرةً لأول مرة منذ أشهر. لم يكن هناك اجتماع مُبكّر ولا ملف ينتظر ولا نور تنتظر اتصالاً. كان هناك صوت كرم في المطبخ يُعدّ القهوة ورائحة الخبز المحمّص التي أدركتُ أنني لم أشمّها منذ وقت طويل. دخلتُ المطبخ. قال كرم دون أن يلتفت: "الخبز جاهز." جلستُ على كرسي المطبخ. أكلنا الخبز المحمّص مع قطعة من الجبن وشربنا القهوة. لم نتحدث في شيء مهم. ولم يكن هناك شيء مهم يحتاج أن يُقال في ذلك الصباح. وكان هذا كافياً تماماً. في اليوم الثالث بدأ كرم يُحدّثني عن أمه. قال: "أمي كانت تُحبّ الزهور البرية. ليس زهور البيوت التي تُزرع في أصص وتُعطى أسماء. كانت تُحبّ ما ينبت وحده. حين كنّا صغاراً كانت تأخذنا في نزهات خارج المدينة وتُريّنا الزهور التي نبتت في الشقوق بين الصخور. وتقول إن الزهرة التي تنبت في الشق لا تنتظر من يزرعها. تجد طريقها لأن هذا ما تعرف أن تفعله." "ولماذا تُخبرني بهذا الآن؟" "لأنني رأيتُ ريم حين كانت تضع ضمة الياسمين على الطاولة. وفكّرتُ في أمي وفي الزهور البرية. ونجلاء ك

  • خلف قناع الصمت   يوم الزفاف

    وصلت ريم في الصباح الباكر قبل أن تتحرك الشرفة بأي نشاط. كانت تحمل حقيبة صغيرة وفي يدها شيء ملفوف بقماش أبيض بسيط. حين رأيتُها في الردهة بكينا معاً قبل أن نقول كلمة واحدة. ليس بكاء حزن ولا بكاء فرح بل بكاء الأشياء الكثيرة التي لا تستطيع تسميتها دفعةً واحدة. قالت حين هدأنا: "أحضرتُ شيئاً من بيت العتبة." فتحت الملفوف بهدوء. كانت ضمة صغيرة من زهور يابسة من حديقة البيت، مربوطة بخيط بني قديم. "نجلاء كانت تُحبّ الحديقة. وهذه من شجرة الياسمين التي كانت تجلس بجانبها." أمسكتُ الزهور اليابسة بيدي. كانت خفيفة جداً. وكان في هذه الخفة شيء لا يُوصَف. بدأ الضيوف يصلون في ساعة المساء. جاء أبو وليد أولاً، بثيابه الرسمية وعيون تحمل الرضا الهادئ لرجل أتمّ ما بدأه في حياته. ثم نور، التي دخلت بثياب بسيطة وابتسامة خفيفة ونظرت نحوي بطريقة لا تحتاج كلاماً. ثم أبو تركي مع زوجته، وبعضٌ من فريق الشركة والوقف ممن كانوا جزءاً من هذا الطريق. كانت الشرفة حين اكتمل الجمع تحمل شيئاً لا تستطيع الإضاءة أو الزهور أو أي تزيين آخر أن يُصنعه: حضور أناس يعرف كل منهم لماذا هو هنا. على الطاولة الصغيرة في الزاوية وُضع شيئا

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status