Home / الرومانسية / خلف قناع الصمت / عتبة الجحيم الأسود

Share

عتبة الجحيم الأسود

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-06-28 10:54:43

انفتح باب السيارة بالكامل، ولفحت وجهي برودة الليل الصحراوي القارسة، لتكسر قليلاً من حدة الغليان الذي كان يجتاح جسدي. ترجل كرم أولاً بحركاته الواثقة والمتزنة، ثم التفت إليّ ماداً يده الضخمة. لم تكن دعوة لطيفة للنزول، بل كانت أمراً صامتاً لا يقبل النقاش. وضعتُ أصابعي المرتجفة في كفه، لتطبق عليها أصابعه الطويلة فوراً بقوة مفرطة، ساحباً إياي نحو الخارج لتتلاقى أجسادنا مجدداً لثانية واحدة أمام عتبة القصر الشاهق.

تحركنا معاً بخطوات سريعة وصامتة عبر الممر الرخامي المؤدي إلى المدخل الرئيسي. كان صدى حذائي يتردد في الأرجاء ليقطع سكون الليل، بينما كانت خطوات كرم ثابتة، مكتومة، وكأنه جزء من هذا الظلام المحيط بنا. تطلعتُ بنظرة سريعة نحو الشرفة العلوية حيث لمحتُ ذلك الظل المسلح قبل قليل، لكنه كان قد اختفى، تاركاً خلفه شعوراً خانقاً بالبارانويا والترقب.

انفتحت الأبواب الخشبية العملاقة للقصر بصمت مريب، لندخل إلى بهو فخم للغاية، تتوزع فيه تماثيل رخامية، وتتدلى من سقفه العالي ثريا كريستالية ضخمة يبث نورها الأصفر الخافت ظلالاً طويلة ومتحركة على الجدران. كانت الأجواء غارقة في الفخامة والغموض؛ الستائر المخملية الثقيلة المغلقة بإحكام، ورائحة خشب الصندل العتيق المنتشرة في كل زاوية، والتي امتزجت فوراً بعطر كرم الحاد لتهيمن على حواسي بالكامل.

"توقف هنا،" قال كرم بنبرته الرخيمة العميقة وهو يلتفت نحو الحارس الذي كان يتبعنا بالأوراق والحقيبة، دون أن يفلت معصمي لثانية واحدة. أخذ منه الحقيبة والملفات بإشارة سريعة من رأسه، ثم أمر ببرود: "لا أريد رؤية أي شخص في هذا الطابق حتى الصباح. انصرف."

"أمرك يا سيدي،" أجاب الحارس بانحناءة خفيفة قبل أن يتراجع ويختفي خلف الأبواب الكبيرة، لنصبح أنا وهو.. وحدنا خلف هذه الجدران المصمتة.

التفت كرم إليّ بكامل جسده، لتجبرني قبضته المثبتة حول معصمي على الاقتراب منه حتى كاد صدري يلامس سترته السوداء. امتدت يده الحرة لتستقر أسفل فكي ببطء قاتل، ورفع رأسي بإبهامه ليجبر عينيّ الباكيتين على التحديق في بحر عينيه الرماديتين اللتين كانتا تشعان برغبة مظلمة وتملك لا يمكن تفسيره.

"أنتِ الآن في مساحتي الخاصة يا شام،" قال بالقرب من شفتي، لتلفحني أنفاسه الحارة وتثير قشعريرة عنيفة سرت في كامل أطرافي. "هنا، تسقط كل القوانين الخارجيّة، ولا يتبقى سوى قانون واحد.. ما أطلبه منكِ، ينفذ دون تردد. هل فهمتِ؟"

حاولتُ تحرير فكي من بين أصابعه الطويلة، لكن ضغطه اللطيف والمرعب في آن واحد منعني، ليزداد التوتر الحسي بيننا إلى حد الخناق. "لماذا أحضرتني إلى هنا؟ إذا كنت تريد معاقبتي أو قتلي بسبب ما رأيته.. فافعلها الآن، ولا تمارس هذه اللعبة النفسية معي!"

تحركت زاوية شفتيه بابتسامة ساخرة ومظلمة، وانخفض برأسه أكثر ليمر جدار شفتيه بقرب شحمة أذني، هامساً بنبرة جعلت نبضات قلبي تقفز بعنف: "الموت سريع جداً ولا يشفي الغليل.. أنا أفضّل أن آخذ وقتي بالكامل في ترويض هذا اللسان الحاد، واكتشاف كل سر تخفينه وراء هذه الملامح البريئة."

انسحب فجأة تاركاً إياي أتنفس بصعوبة وأحترق بحيرتي، ثم سار بي نحو السلم الرخامي العريض المؤدي إلى الطابق العلوي. كان يقودني ويده تحولت من معصمي لتستقر خلف ظهري، ضاغطاً بكفه الدافئة فوق أسفل عمودي الفقري، مما جعلني أسير بتوتر وتيبس كامل، شاعرةً بكل إنش من جسدي ينتفض لمجرد هذا التلامس القسري المستمر.

صعدنا الممر الطويل في الطابق الأول، حيث كانت الأبواب مغلقة ومصطفة كالمقابر، حتى توقف أمام باب خشبي ضخم منقوش بزخارف سوداء. فتح الباب ودفعني برفق إلى الداخل، لتتحرك عيناي برعب وفضول في أرجاء المكان. الجناح كان واسعاً بشكل لا يصدق، يضم سريراً ملكياً ضخماً مغطى بالحرير الأسود، وشرفة عملاقة تطل على الفراغ الخارجي المظلم، وباباً جانبياً فرعياً يبدو أنه يؤدي إلى مكان آخر.

"هذا سيكون جناحكِ بدءاً من الليلة،" قال وهو يضع حقيبتي والأوراق على الطاولة الجانبية، ثم تحرك ليقف أمامي مجدداً، مستنداً بيده على إطار الباب ليغلق مخرجي بالكامل.

"وهذا الباب إلى أين يؤدي؟" سألتُ بصوت مخنوق وأنا أشير بأصابع ترتعش نحو الباب الجانبي الصغير.

اقترب خطوة إضافية، متجاوزاً كل مساحتي الشخصية المتبقية، لتلتصق أنفاسه المظلمة بوجهي مجدداً، وعيناه تلمعان وهو يضع يده الأخرى على خنصري:

"هذا الباب يؤدي مباشرة إلى جناحي الخاص.. وهو لا يُغلق من جهتكِ أبداً. والآن، استعدي، لأنني سأعود بعد قليل لنتحدث عن تفاصيل العقد الجديد الذي سيربطكِ بي للأبد.. وفي غرفتي."

استدار وأغلق الباب الرئيسي خلفه بقفل معدني أصدر صوتاً حاداً تردد صداه في صدري، وقبل أن أتحرك نحو الباب الجانبي لأرى إن كان مقفلاً، سمعتُ مقبضه يتحرك ببطء من الطرف الآخر..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خلف قناع الصمت   القوس المفتوح

    مع إشراقة الصباح الجديد، كانت الشمس تعتلي سماء دمشق بضياء بلوري صافٍ، يغمر تلال جبل قاسيون الممتدة ويتسلل ببريق ناصع إلى أزقة الشاغور العتيقة. لم تكن هذه الإشراقة تبدو كأيها صباح مرّ على بيت العتبة خلال السنين السابقة؛ إذ زال نهائياً ذلك الثقل المكتوم الذي كان يجثم على الصدور، وانقضت إلى غير رجعة خيالات الماضي وأشباح القضايا المالية والعقود المظلمة التي حاولت طوال عقود تكبيل المكان وأهله. ​كان الفناء الداخلي للدار الدمشقية ينضح بالحياة في أبهى صورها العفوية. مياه النافورة الرخامية تترقرق بانتظام يملأ الأرجاء بصوت خرير عذب، بينما كانت أوراق أشجار الليمون والكرمة تهتز بمرونة مع نسيم الصباح العليل الذي يحمل عَبق الياسمين البلدي ورائحة الزهر المعتق. ​جلستُ عند طرف المصطبة الحجرية العريضة، وأنا أتأمل الحركة المتدفقة في أرجاء البيت. لم يعد بيت العتبة مجرد مساحة سكنية معزولة نلوذ بها لنحمي أنفسنا من أخطار الخارجية؛ بل أصبح مركزاً ثنائياً ينبض بالروح والمؤسسية في آنٍ واحد. في الإيوان الكبير، كانت ريم تجلس برفقة المنسق الشاب أنس القادم من حي القابون، يراجعان كشوفات الطلبات الجديدة المقدمة لل

  • خلف قناع الصمت   سكينة الشاغور

    مع غسق المساء الذي ألقى بظلاله الأرجوانية الناعمة فوق أسطح الشاغور، هبط على بيت العتبة هدوءٌ ساحرٌ وخاص، كأنما كانت حجارة الصوان العتيقة تتنفس الصعداء بعد انقضاء النهار الحافل بمراسم التسليم. غادر المتطوعون والكوادر الشبابية الفناء الداخلي باتجاه مقراتهم ومنازلهم، محملين بالخطط التنظيمية والمهام الميدانية الجديدة، ليبقى البيت في عهدة ساكنيه الأساسيين الذين شهدوا كل فصل من فصول معركته الطويلة. ​أُضيئت المصابيح الجدارية ذات الزجاج الملون المنتشرة على جدران الفناء، لتعكس أضواءً دافئة تتراقص على صفحة مياه النافورة الرخامية. كانت رائحة الشاي الخادر بالنعناع والياسمين الدمشقي تتصاعد من الخدر القريب، مشيعةً في الأرجاء إحساساً عميقاً بالأمان والسكينة الشاملة التي غابت عن هذا المكان لسنوات طويلة. ​جلستُ مع كرم وأمي ويوسف في الفناء الداخلي، نتأمل السقف الخشبي المزخرف للإيوان ونسترجع شريط السنوات الأربع القاسية التي عبرناها معاً. لم تكن في الأذهان حسابات خطة قادمة، ولا هواجس إخطار قضائي طارئ، ولا ترقب لاتصال محمول يحمل أنباءً متوترة من دبي أو عمّان أو بيروت؛ بل كان حاضراً ذلك الصفا النقي الذي

  • خلف قناع الصمت   تسليم الملاذ للجيل الجديد

    مع بزوغ أولى ساعات الصباح التالي للّقاء الجامع، كانت حارة الشاغور تنفض عنها أثواب السكون لتستقبل يوماً يختلف في جوهره عن كل ما مضى. لم يكن الهواء الصباحي المحمل بأريج الياسمين وندى الصوان يحمل في نسيماته تلميحاً من توتر قديم أو ترقباً لإخطار قضائي؛ بل كان يفيض بنسائم الاستقرار المكتمل والسكينة الشاملة. ​في الساحة الداخلية لبيت العتبة، كان المشهد يكتسي طابعاً مؤسسياً رفيعاً يتجاوز بساطة اللقاءات الودية. رُصّت الطاولات الخشبية العريضة في إيوان الدار، وضُعت فوقها المجلدات المذهبة لـ "ميثاق الاستقلالية"، وسجلات الأصول الموقوفة، إلى جانب أجهزة اللوح الرقمي الموصولة بجميع الشبكات التنفيذية للمقرات الأربعة في الشاغور والقابون وجبل عمّان وبيروت. ​اليوم لم يكن مجرد استمرار للاحتفاء؛ بل كان موعد الجلسة التنفيذية الرسمية الأخيرة التي يخوضها كرم وشام بصفتهما المشرفين المباشرين، لتسليم كافة مقاليد القيادة الميدانية والإدارية والمالية للجيل الجديد من الكوادر الشبابية المتطوعة التي أُعدت ودُرّبت على مدار الأشهر الماضية. ​جلستُ بجانب كرم في صدر الإيوان، بينما جلست أمي على مقعدها الخشبي المريح بالق

  • خلف قناع الصمت   اللقاء الجامع في بيت العتبة

    أشرقت شمس الصباح فوق الشاغور بصفاء استثنائي كسر حلكة الفجر الأخيرة، وكسى جدران الأبنية الأبلقية في "بيت العتبة" بشرائط متلألئة من الضوء الدافئ. لم تكن حركة الرياح الخفيفة التي تحرك أغصان شجرة الليمون العتيقة سوى عزف متناغم يرافق تدفق المياه النقية في حوض النافورة الرخامية، والتي عادت تترقرق بانتظام يُشعر كل من يدخل الفناء بالسكينة التامة. ​في هذا الصباح، لم تكن الدار الدمشقية مجرد مقر لإدارة المعاملات الأهلية، بل تحولت إلى ساحة احتفالية جامعة احتضنت كافة أركان الحكاية، وجمعت بين أطراف شبكة الأمل التي امتدت عبر السنوات بين دمشق، وبيروت، وعمّان، ودبي. ​وصل وفد عمّان مبكراً؛ الأستاذ طارق العبادي برفقته رغد، يحملان النسخ التوثيقية المسجلة لبرامج التمكين الميداني في قصر الجمعية بجبل عمّان. ومن بيروت، وصلت سارة برفقة اثنتين من المنسقات الميدانيات اللاتي أشرفن على إدارة المساحات الآمنة هناك. وفي قلب الفناء، كانت ريم وأبو وليد والمهندس أنس من القابون يتنقلون بين الضيوف بزرع الدفء والترحاب، بينما جلس كرم وشام وأمي ويوسف يستقبلون القادمين بابتسامات تنضح باليقين المكتمل والرضا الصافي. ​التأمت

  • خلف قناع الصمت   العودة الشاملة وأرض الشاغور

    ​مع طلائع الفجر الأول لمطلع الخريف، كانت سماء دمشق تكتسي بخلعة من الصفاء الأرجواني الشفاف، بينما بدت قمم جبل قاسيون الممتدة خلف الأفق وكأنها تحرس أحياء المدينة القديمة بوقار متوارث. كان الهواء الصباحي ينساب عليلًا عبر أزقة حي الشاغور الملتوية، يحمل في ثناياه عبق الياسمين البلدي ورائحة حجر الصوان المعتق المبلل بندى الصباح. ​توقفت الشاحنة الكبيرة الحافلة بالأمتعة والملفات عند مشارف الممر المؤدي إلى الباب الخارجي لـ "بيت العتبة"، وتلتها سيارة رحبة قلّتنا جميعاً من مطار دمشق الدولي. كانت هذه العودة مختلفة تماماً عن كل المرات السابقة؛ لم نعد نصل بكتمان أو خوف، ولا نحمل حذراً مستتراً من ملاحقات قضائية أو تجاذبات سريّة في أروقة المحافظة أو ديوان المالية دبي. كنا نعود عودة جامعة، نهائية ومكتملة، لنستقر في بيتنا الذي طُهّر بالكامل من أوهام الابتزاز وركام الماضي. ​نزلنا جميعاً عند عتبة الباب الخشبي الكبير. وقفت أمي ترتدي عباءتها الدمشقية الوقورة، وتتكي بصلابة دافئة على ذراع يوسف الذي كان يحمل حقيبته الأكاديمية وشهادة الماجستير المجلدة بالذهب. وإلى جوارهما وقف كرم، بملامحه الرصينة التي زادتها

  • خلف قناع الصمت   العهد والميزان

    أشرقت شمس الصباح الدمشقي فوق الفناء الداخلي لبيت العتبة في الشاغور، تكسو حجارة الصوان الأبلق ببريق ذهبي دافئ، بينما كانت مياه النافورة الرخامية تترقرق بصوت خرير عذب يبعث في الأرجاء طمأنينة وسكينة استثنائية. لم يكن هذا الصباح يشبه غيره؛ إذ تحول الفناء العتيق الذي شهد أولى انقباضات الخوف وصمود نجلاء في غرفتها الشرقية إلى الملتقى الأخير والمباشر لمجلس الإدارة الأعلى لشركة "فجر القابضة" ولجنة الأمناء المستقلة للوقف. ​جلس كرم في منتصف المصطبة الحجرية العريضة، وأنا إلى جواره، وبجانبنا أمي ويوسف وأبو وليد وريم. بينما انضم عبر مكالمة الفيديو المباشرة الشركاء الجدد وأعضاء مجلس الإدارة التنفيذي لفجر من دبي، إلى جانب الأستاذ طارق العبادي ورغد من عمّان، وسارة من بيروت. ​كان جدول الأعمال يخلو تماماً من أي تسويات قضائية أو معارك عقارية طارئة؛ فقد تحولت كل الاستحقاقات إلى أرقام صافية ومواثيق ملزمة. كان الهدف الأساسي من الجلسة هو "التثبيت الدائم والتنفيذي للنموذج الأخلاقي" لشركة فجر، وإدراج ميثاق الاستقلالية في عقد التأسيس التجاري المعتمد للشركة في دبي ودمشق، بحيث يصبح التزاماً قانونياً وهيكلياً عا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status