Mag-log inحبست أريا أنفاسها، وشعرت ببرودة معدن الخنجر تنغرس في ثوبها لتلامس الجلد فوق قلبها مباشرة. كانت عينا كاي الذهبيتان تلمعان بغضب بدائي كاسر، وقبضته الفولاذية على فكها تمنعها حتى من الصراخ. كان ظله الذئبي المظلم يلتف حول جسدها كالأفعى، يضغط على عظامها ويقطع عنها الهواء بالتدريج، مصمماً على إنهاء حياتها قبل أن ينفك ختم الغابة.
"ادفعي ثمن خيانة والدتكِ يا ابنة الساحرة،" زمجر كاي بصوت خفيض ينضح بالوعيد، محركاً نصل الخنجر ميليمتراً واحداً للأمام ليشق ثوبها. لم تدمع عينا أريا؛ بل اشتعلتا بوهج أرجواني مفاجئ. ورغم الألم الشديد وثقل الظل المطبق على صدرها، رفعت كفها اليسرى ومسكت بالمعصم القوي الذي يحمل الخنجر الحاد. في تلك اللحظة بالذات، انطلقت الشرارة المحرمة بين الجسدين. توهجت القلادة المسلوبة في يد كاي الأخرى، وانفجر منها ضوء أحمر قرمزي اخترق عروق يد كاي فوراً، ليمتد كألسنة النار عبر ذراعه ويتصل بقفصه الصدري مباشرة. أطلق كاي صرخة مكتومة من بين أسنانه، وتجمّدت حركة خنجره في الهواء كأنما اصطدم بجدار من الماس الصلب! تراجعت خطوط ظله الذئبي متألمة، وانطلقت خيوط القدر الفضية بينهما تتشابك بسرعة جنونية، ناسيةً كل القوانين الفاصلة بين الفاني والخالد، لتربط معصم أريا بقلب كاي بسلسلة ضوئية غير مرئية للبشر. قالت أريا بصوت حاد يقطر بالحدّة رغم لهثها: "إن قتلتني الليلة، ستنقطع روحك معي يا حارس الحدود! القلادة ليست ملكاً لأمي... إنها الختم السحري الذي يمسك خيط حياتك من الاحتراق والتحول الكامل للذئب!" اتسعت عينا كاي بحيرة غاضبة، وحاول سحب ذراعه أو استخدام سحره الأسود لقطع السلسلة المشتعلة، لكن جسمه رفض الاستجابة. كان سحر "الدَّين الروحي" يفرض سلطته المطلقة، مسبباً له ألماً عاصفاً في صدره كلما فكر في إيذاء الفتاة الرابضة أمامه. وفي تلك الثواني المشحونة بالتوتر، اخترق هواء الليل صوت تحطم الأشجار العاتية. سقطت ثلاث أطياف سوداء من بين الأغصان العالية، وهبطت على الأرض بمخالب طويلة وعيون حمراء متقدة. كان حراس اللورد جيرالد قد عبروا الحدود السحرية بدورهم، متجاهلين تحذيرات القدماء، تتبعهم طاقة مظلمة مستدعاة من سحر العوالم السفلى المحرمة. قال الكائن الأوسط بصوت فظ يخرج من بين أنياب مكشوفة: "سلمنا الفتاة أيها الجان الأحمق، وإلا مسحنا حرس الحدود كلياً بقرار مباشر من حاكم البشر حليف البلاط!" ابتسم كاي ابتسامة ساخرة تفيض بالخطورة، ولمس النصل المسموم لسيفه الأكبر بيده الحرة دون أن يطلق سراح أريا. وقال بنبرة أرسلت القشعريرة في أجساد الجميع: "بشر أحمق يحاول تهديد حارس الغابة في أرضه السحرية؟" وبحركة خاطفة لم تدركها عين أريا، استدار كاي ولوح بسيفه، لينشطر الهواء وتندلع موجة من اللهب الأسود قطعت أجساد الكائنات الثلاثة إلى نصفين في رمشة عين! لكن قبل أن تتنفس أريا الصعداء، انطلقت شظية من السحر الأسود المتفجر من جثة أحد المطاردين، وجابت الهواء بسرعة نيزك لتقرع جبهة أريا مباشرة. تجمّدت أريا في مكانها، وارتخى جسدها كلياً لتسقط بين ذراعي كاي، بينما بدأت علامات سحر خفي سوداء ترتسم على وجهها وتنزل نحو رقبتها بسرعة مخيفة. انخفض كاي ونظر إلى العلامات الممتدة على جسدها بذهول، وزمجر ظله برعب: "هذه ليست تعويذة بشرية... هذا سحر الاستحواذ المظلم الخاص بالأمير فالير! لقد استخدموا أريا كطعم محكم ليصلوا إلى قلعة الحدود وتدمير الأختام!" وفجأة، فتحت أريا عينيها بالكامل، لكن حدقتيها لم تكونا أرجوانيتين كما كانتا... بل تحولتا إلى اللون الأسود الفاحم كأنها جمر محترق، وارتفعت يدها الناعمة لتطبّق على حنجرة كاي بقوة غير بشرية، وهي تتكلم بنبرة صوت أمير الجان المتمرد الحاقد: "أهلاً بك يا كاي... لقد أخذت العروس الملعونة إلى بيتك بنفسك، والآن اسمع صوت موتك!"وقفت أريا بين البابين، وكان قلبها ينبض كالطبول، وعيناها الذهبية السوداوان تنتقلان بين الباب الذهبي المتلألئ والباب الفضي البارد. كان كاي الأسود واقفاً أمام الباب الذهبي، ينظر إليها بعينيه السوداوين، مبتسماً ابتسامة باردة، كمن يعرف أنها محاصرة، كمن يعرف أنه لا مفر لها. همست أريا بصوتها المرتجف: "كاي... أنت لستَ كاي... أنت خوفه... لماذا تقف أمام الباب الذهبي؟" نظر كاي الأسود إلى أريا، وكانت عيناه السوداوان تحملان خليطاً من البرودة والفضول، وكأنه كان يدرسها، وكأنه كان يحاول أن يفهمها. قال بصوته الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء، لكنه كان بارداً كالثلج: "لأن الباب الذهبي هو خيار البقاء معه. إذا اخترتِ الذهب، ستبقين جزءاً من النسيج، وستبقين معه إلى الأبد. لكن إذا اخترتِ الفضة، ستعودين إلى جسدكِ البشري، وستفقدين النسيج، وستفقدينه إلى الأبد." تراجعت أريا خطوة، وكانت عيناها تحملان خليطاً من الخوف والتردد، وكأنها كانت تزن بين خيارين، بين مصيرين، بين حقيقتين. قالت بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء: "لكن إذا اخترتُ الذهب، سأفقد هويتي البشرية. سأصبح مجرد نسيج، بلا مشاعر، بلا ذكريات، بلا حب.
وقفت أريا في وسط الحقل الأسود، وكانت كلمات الشكل لا تزال تتردد في أذنها كالجرس المكسور: "والدتكِ لم تمت بسبب مرض... لقد ماتت لأنها حاولت قتلكِ." كانت ترتجف، وعيناها الذهبية السوداوان تحملان خليطاً من الصدمة والإنكار، وكأنها كانت تسمع كلمات لا تريد تصديقها. همست بصوتها المكسور: "لا... هذا ليس صحيحاً... أمي... أمي كانت تحبني... كانت تضحك معي... كانت تحتضنني..." نظر الشكل إلى أريا، وكانت عيناه السوداوان تحملان خليطاً من الشفقة والحزن، وكأنه كان يعرف كم كان هذا الألم عميقاً. قال بصوته الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء: "كانت تحبكِ، نعم. لكنها كانت تخاف منكِ أيضاً. كانت تخاف من قوتكِ، من الخيوط التي كانت تظهر حولكِ منذ ولادتكِ. كانت تخاف من أن تصبحي ما أصبحتِ عليه الآن. وكان خوفها أقوى من حبها." تراجعت أريا خطوة، وكانت عيناها تحملان خليطاً من الغضب والألم، وكأنها كانت تحاول أن تدفع الحقيقة بعيداً، وكأنها كانت تحاول أن تحمي نفسها من هذا الكابوس. صاحت بصوتها المبحوح: "كيف تعرف هذا؟ كيف تعرف ما حدث لأمي؟" نظر الشكل إلى أريا، وكانت عيناه السوداوان تحملان خليطاً من الحزن والحسم، وكأنه كان يع
كانت أريا لا تزال واقفة بين الزهور السوداء، وجسدها يرتجف، وقوتها تتسرب منها كالماء. كانت الذاكرة التي أعادتها الطفلة لا تزال تتردد في عقلها، ذاكرة اليوم الأول، يوم غابة الهمس، يوم لقائها بكاي. كانت ترى وجهه الشاب، وتسمع صوته، وتشعر بخفقان قلبها القديم. لكن كل شيء كان يتلاشى، وكأن الذاكرة كانت تذوب في داخلها، وكأنها كانت تفقدها مرة أخرى. رفعت أريا رأسها، ونظرت إلى الطفلة التي كانت تقف أمامها، وقد كبرت أكثر، وأصبحت الآن في الثانية عشرة من عمرها تقريباً. كانت عيناها السوداوان تحملان خليطاً من الحزن والحسم، وكأنها كانت تشعر بألمها، لكنها كانت تعلم أن عليها المضي قدماً. قالت الطفلة بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء، لكنه كان أعمق مما كان عليه من قبل: "هذه كانت الذاكرة الأولى. هل تريدين المزيد؟" همست أريا بصوتها المكسور: "نعم... أريد المزيد. أريد أن أتذكر كل شيء." مدت الطفلة يدها مرة أخرى، ولمست جبين أريا، وشعرت أريا بموجة جديدة من الذاكرة تخترق جسدها. رأت نفسها طفلة صغيرة، تجري في حديقة القلعة، ووالدتها تركض خلفها تضحك. رأت وجه والدتها، وجهها الجميل، عيناها الخضراوان، ابتسامتها ال
جلست أريا بين الزهور السوداء، وكانت الخيوط الذهبية السوداء تحت جلدها تخفق ببطء، وكأنها كانت تتنفس معها، وكأنها كانت تحاول أن تهدئها. كانت الزهور تتمايل حولها كالبحر الأسود، تهمس لها بأسماء لا تتذكرها، بأصوات كانت مألوفة، بوجوه كانت غامضة. رفعت يدها، ونظرت إلى كفها، ورأت الدم الذهبي الأسود لا يزال يتساقط ببطء، وكأن جرحها كان يئن، وكأنه كان يحمل في طياته كل ما فقدته. همست لنفسها بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء: "لابد أن أتذكر... لابد أن أعيد كل شيء..." مدت يدها ببطء، ولمست إحدى الزهور بأطراف أصابعها. شعرت ببرودة البتلات على جلدها، برودة كالثلج، برودة كالموت. لكنها شعرت أيضاً بشيء آخر، شيء كالدفء البعيد، شيء كالذاكرة المدفونة، شيء كالحب الذي نسيته. وفجأة، انفجرت الذاكرة في وجهها كالصاعقة. رأت نفسها واقفة على شرفة عالية، تحت سماء مقمرة، والقمر كان ممتلئاً كقرص من فضة، والنجوم كانت تتلألأ كالماس على مخمل أسود. وكانت هي هناك، تقف بجانب كاي، وكانت يداها في يديه، وكانت تنظر إليه بعيون خضراء، عيون كانت مليئة بالحب. كانت تذكره، كانت تقول له كلمات كانت تحمل في طياتها وعداً أبدياً. كانت
ترك كاي غرفة الذكريات المحطمة خلفه، وكانت خطواته ثقيلة، وقلبه ينبض بسرعة غير طبيعية. كان قد رأى أريا، كان قد لمسها تقريباً، لكنها كانت بعيدة عنه كالنجم البعيد، بعيدة كالحلم الذي يتبخر مع الفجر. شعر بأنه كان يفقدها مرة أخرى، وكأن كل خطوة كان يخطوها كانت تبتعد به عنها. خرج من الغرفة إلى ممر طويل مظلم، ممر كان يبدو وكأنه يمتد إلى ما لا نهاية، جدرانه من حجر أسود لامع كالمرآة، يعكس صورته المشوهة، صورته التي كانت تبدو غريبة، وكأنه كان ينظر إلى شخص آخر، شخص ليس هو. مشى في الممر، وكانت خطواته تتردد على الأرض الحجرية الباردة، تردد اسم أريا مع كل خطوة. وفجأة، شم رائحتها. رائحتها التي كان يعرفها جيداً، رائحة الزهور البرية وخيوط الذهب، رائحة كانت تملأ قلبه بالدفء كلما شمها. توقف كاي في منتصف الممر، وأغمض عينيه، واستنشق الهواء بعمق. كانت رائحتها، لا شك في ذلك. كانت قريبة، قريبة جداً. فتح عينيه، وركض نحو الرائحة، وركض بكل ما تبقى لديه من قوة، وركض وكأن حياته تعتمد على ذلك. لكن الرائحة كانت تتغير، تتنقل، وكأنها كانت تهرب منه، وكأنها كانت تلعب معه لعبة قاسية. كان يركض عبر الممرات، ويسمع صداها في ك
وقف كاي على ركبتيه، وكان يلهث بشدة، وعيناه الذهبية الفضية تحملان خليطاً من الألم والخوف، وخطوطه الذهبية والفضية كانت تخفق ببطء، وكأنها كانت تحاول العودة لكنها لم تستطع. كان الحارس لا يزال يلمس كتفه، ينزف منه قوته كالماء، وكأنه كان يمتص حياته بالتدريج. صرخت أريا، وحاولت أن تمد يدها نحو كاي، لكن الحارس رفع يده الأخرى، وأشار إليها، وتجمدت في مكانها. شعرت بأن الخيوط الذهبية السوداء تحت جلدها كانت تخفق بعنف، وكأنها كانت تصرخ، وكأنها كانت تحاول أن تحررها. لكن الحارس كان أقوى، وكانت قوته قد أضعفتها بعد أن أخذ جزءاً من نسيجها. نظر الحارس إلى أريا، وكانت عيناه الباردتان تحملان خليطاً من التحدي والفضول، وكأنه كان يختبرها، وكأنه كان يريد أن يرى كم هي مستعدة للتضحية. قال بصوته الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء، لكنه كان بارداً كالثلج: "لقد أخذتُ جزءاً من قوتكِ. لكن هذا لم يكن كل الثمن. الثمن الحقيقي هو أن تختاري: إما أن تدخلي غرفة الذكريات وتستعيدي ماضيكِ، وإما أن تنقذي هذا الرجل الذي تحبينه." نظرت أريا إلى كاي، ورأت عينيه تنظران إليها بحب ويأس، وكأنه كان يقول لها: "لا تختاريني... اختاري نفسكِ...







