LOGINكانت الغرفة البيضاء هادئة بشكل يثير القلق.
ضوء خافت يتسلّل من خلف الستار، وصوت أجهزة طبية يقطع الصمت بنبض منتظم. فتحت لين عينيها… أو بالأصح، فتحت سارة عينيها. لكن سارة شعرت وكأنها تنهض داخل جسدٍ لا ينتمي إليها. كل شيء كان غريبًا شكل اليد، طول الأصابع، رقة الجلد… حتى طريقة التنفس لم تشبهها. مدّت يدها لتلمس وجهها، فارتجف إصبعها. كان الوجه ناعمًا، صغيرًا… أصغر من عمرها الحقيقي بسنوات طويلة. همست بشفاه ليست شفاها: ـ “هذا… ليس أنا.” كانت الكلمات تخرج بصوت لين، لكن داخل صدرها كان صوت سارة يصرخ. قلبها يضرب بسرعة، والهواء يضيق. لم تعرف أين هي، ولا كيف وصلت. شعرت بانفصال تام عن نفسها… كأن روحها معلقة فوق الجسد، تشاهده من بعيد. أدركت أنّ هناك خللًا ما منذ اللحظة التي وقفت فيها أمام المرآة. شيء غير صحيح، غير منسجم، لكنّها لم تهتم في البداية. تصرّفت بعادةٍ آلية، كأنّ الأمر لا يستحق التوقّف. اقتربت من المرآة ونظرت إلى انعكاسها… وتجمّدت. الملامح التي واجهتها لم تكن لها. أو ربّما كانت لها يومًا ما، لكنّها تغيّرت كثيرًا. العينان تحملان ثِقَلًا لا تعرف مصدره، والوجه يبدو مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه. رفعت يدها، لمست خدّها، تابعت الحركة في المرآة بتردّد، كأنّها تتأكّد أنّ الانعكاس يطيعها فعلًا. استدارت ببطء نحو الغرفة. المكان في فوضى، أشياء مبعثرة، سرير غير مرتّب، مكتب مزدحم بأغراض لا تعرف قصّتها. على الجدران، صور كثيرة… كلّها لملامح الفتاة نفسها التي تراها في المرآة. في كل صورة تعبير مختلف، عمر مختلف، نظرة مختلفة. تشعر أنّها تنظر إلى حياة كاملة لم تعشها. لا تفهم ما الذي يحدث. لا تفهم كيف وصلت إلى هنا، ولا لماذا يبدو كلّ شيء كأنّه يخصّ شخصًا آخر. تتحرّك بحذر، تلمس الأشياء واحدًا تلو الآخر، كأنّها تختبر الواقع. هذا القلم، هذا الدفتر، هذه الملابس… كلّها حقيقية، لكن الإحساس بها بعيد. تعود بنظرها إلى نفسها، تفحص جسدها باستغراب. فجأة، يُفتح الباب. تدخل سيّدة في أواخر الأربعينات، ملامحها حادّة كأنّها نُحتت من صمتٍ قاسٍ. عيناها لا تحملان دهشة ولا قلقًا، فقط برودًا ثابتًا. تنظر إليها لثوانٍ، ثم تُغلق الباب خلفها بهدوء ثقيل، وتتقدّم لتجلس على الكرسي المقابل. تقول بصوت منخفض، بلا انفعال: — لماذا فعلتِ ذلك؟ ترفع سارة نظرها إليها، لا تجيب. تتنفّس السيّدة بعمق، ثم تتابع، وكأنّها تُعدّد أشياء محفوظة: — أنا أطعمك، أشتري لك ما تريدين، أعتني بك. لم أطلب الكثير… فقط نتائج جيّدة لتضمني مستقبلًا جيّدًا. هل هذا خطأ؟ تتوقّف لحظة، ثم تضيف بنبرة أقسى: — وبهذا تُكافئينني؟ تصرّف متهوّر، ترميم نفسك من مكان عالي… هل تعرفين ماذا كان يمكن أن يحدث؟ تسود الغرفة لحظة صمت خانق. سارة تشعر أنّ الكلمات أثقل من أن تُجاب، وأنّ الاتهام سبق أي محاولة للفهم. السيّدة لا تنتظر ردًا، وكأنّها متأكدة أنّ الصمت هو الجواب الوحيد الممكن. وتبقى سارة جالسة، جسدها حاضر، وروحها تحاول أن تفهم تتابع السيّدة بنبرة أكثر حدّة، وكأنّ صبرها ينفد: — هل هناك ما يدفعك لفعل هذا؟ أم أنّه مجرّد محاولة للفت الانتباه؟ أنا لا أملك وقتًا. أعمل لأوفّر لك كلّ شيء، وأنتِ تردّين بهذه الطريقة؟ تقترب قليلًا، تحدّق فيها مباشرة: — أجيبيني. لماذا؟ أم ستبقين صامتة كما تفعلين دائمًا؟ لا تردّ سارة. تتحوّل نظرتها ببطء نحو المرآة. ما تراه لا يدخل عقلها. الجسد ليس جسدها، الغرفة ليست مألوفة، وكلّ شيء في رأسها متشابك، أفكار تتصادم بلا ترتيب. تشعر وكأنّها استيقظت في حياة شخص آخر. تحاول أن تنطق، أي كلمة، أي صوت يثبت أنّها موجودة. — أنا… أنا… يتقطّع صوتها. تبتلع ريقها بصعوبة، ثم تخرج الجملة دون وعي: — من أنتِ؟ تتغيّر ملامح السيّدة فورًا. تقترب منها بخطوات سريعة، صوتها ينخفض لكنّه أشد قسوة: — هل تفعلين هذا عمدًا؟ تمرّ ثوانٍ ثقيلة. ثم ينتقل المشهد. نرى طبيبًا يقف قريبًا منها، يفحصها بهدوء، يوجّه أسئلة بسيطة. تلتفت السيّدة نحوه بقلق مكبوت. ينظر الطبيب إلى سارة ويسألها بلطفٍ حذر: — هل تعرفين ما اسمك؟ تتردّد سارة. الاسم عالق على طرف لسانها. تريد أن تقول «سارة»، الاسم الذي تشعر أنّه يخصّها، لكن صورة المرآة تعود فجأة إلى ذهنها. الملامح، الغرفة، الصور… كلّها لا تنتمي لذلك الاسم. تسكت. وفي تلك اللحظة، تدرك أنّ هناك خللًا حقيقيًا. ليس في المكان فقط… بل في نفسها. شيء ما انكسر، أو اختلط، ولا أحد في الغرفة يبدو أنّه يراه سواها. قال الطبيب بنبرة مطمئنة وهو يراقب ملامحها: — حسنًا، لا تحاولي الضغط على نفسك. فقط أخبريني… ما الذي تتذكّرينه؟ مثلًا عمرك، شيئًا تحبّين فعله، أي تفصيلة بسيطة. نظرت سارة إليه باستغراب صادق. حاولت أن تبحث داخل رأسها، لكنّها لم تجد شيئًا تمسك به. — لا أعرف… لا أعرف أيّ شيء. تبادل الطبيب نظرة سريعة مع السيّدة، ثم قال بهدوء: — لا بأس. ارتاحي الآن. غادر الغرفة بهدوء، وتبعته السيّدة خديجة إلى الخارج. ما إن أُغلق الباب حتّى قالت بصوت منخفض، يحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه: — هل هذا حقيقي؟ تنفّس الطبيب بعمق قبل أن يجيب: — حسب ما رأيت، نعم. هي في حالة صدمة حقيقية. لا تتصنّع، ولا تكذب. هذه الحالات تحدث أحيانًا بعد تعرّض الشخص لضغط شديد لتحمي نفسها تردّدت خديجة قليلًا قبل أن تسأل: — هل يمكن أن تفقد ذاكرتها؟ أومأ الطبيب برأسه: — نعم، هذا ممكن. في بعض الحالات، يحاول العقل أن يحمي نفسه، فيُغلق أبوابًا معيّنة مؤقّتًا. الذاكرة قد تعود مع الوقت، لكن قد تظهر أعراض أخرى خلال هذه المرحلة. قالت السيّدة خديجة بصوت منخفض، وقد بدت عليها الحيرة: — ماذا تقصد؟ أجاب الطبيب بهدوء مهني: — بعد أن تبدأ الذاكرة بالعودة، قد تتعرّض لصدمة ثانية. من الممكن أن تنعزل، أو يقلّ كلامها، أو تفقد شهيتها. انتبهي جيّدًا في الأيام القادمة. أنصحك بالبدء في العلاج النفسي في أقرب وقت. توقّف لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدّية: — والأهم… يجب معرفة السبب الحقيقي لما حدث. فهم الدافع ضروري لتحليل المشكلة ومنع تكرارها. غادر الطبيب المكان، وبقيت خديجة واقفة وحدها في الممرّ، تتقاذفها الأفكار. لم تكن تعرف من أين تبدأ، ولا أي قرار هو الص حيح. بعد تردّد، عادت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، وتوجّهت نحو الدرج.ثم نظرت إلى القبر:ـ ريان خرج من مركز الأحداث… لا أعرف ما الذي سيفعله لاحقًا… سليم في السجن بسبب شجار… سيلين أصبحت طبيبة.. سمر تعمل في مطعم أهلها وتدرس في الجامعة.ـ يزن سيتزوج أسماء… وقد دعوني للزفاف هل ستحضر لزفاف اخوك يا استاذابتسمت بخفة:ـ مايا أصبحت مصممة أزياء. وأنا… أعمل على معرضي الخاص. وعصام… وأنا مرتبطان.تنهدت:ـ والدتك بخير… وأنا أعتني بها. تعتبرني ابنتها… لكنني لم آخذ مكانك.سكتت لحظة ثم أضافت:ـ وأمي… تزوجت من جديد. لم أعد تلك الفتاة التي تحتاج أن تكون امها سبب بقائها ام عزباء لاني تخليت عن كوني ان اصبح طبيبة وهي فعلت المثلنظرت إلى السماء:ـ صديقاتك تزوجنا وانجبو الجميع مضى في حياته… تزوج… كبر… أنجب… حتى جمال … ذلك الغبي… تزوج.ثم خفّت نبرتها:ـ لا أعرف ماذا فعل الباقون… اقصد اصدقائك الفتيانابتسمت بحزن:ـ آسفة… الأخبار مملة هذا العام… لكنني سعيدة أنني أتيت لأخبركِ ولتقيتي بالاستاذثم وقفت، وقال عادل:ـ سأذهب الآن.ثم قالت لين بصوت أخير:ـ والغبي… عادل… ترك حياته أيضًا.تجمد عادل لم يتحرك لم
أجابت لين بهدوء بارد، وكأنها حسمت أمرها: ـ سارة… لو عادت لحياتها التي تظنين أنني أصلحتها… لن تستطيع أن تكمل بها. ـ وأنا… لن أستطيع أن أعود إلى منزل والدتي. ثم نظرت لها مباشرة: ـ لذلك… سأكمل ما أفعله سأجمع المال… لأبتعد عنها نهائيًا. هزت سمر رأسها بعدم تصديق: ـ سارة وجدت حلًا مع والدتك… كل شيء أصبح جيدًا في المنزل! ابتسمت لين بسخرية خفيفة: ـ لكن أنا… لست بخير. تنهدت، ثم أكملت: ـ عندما تبدلنا… فهمت شيئًا. ـ الجميع يرى أن أمي تعطيني كل شيء… مستوى جيد… دراسة… حياة مريحة… توقفت لحظة… ثم همست: ـ لكن في منزل سارة… كان هناك شيء لم أعرفه يومًا. رفعت عينيها، وصوتها بدأ يضعف: ـ كان هناك من يسألني إن كنت بخير… حتى إن لم أتكلم. كان هناك حياة… اهتمام… دفء… ثم شدّت قبضتها: ـ أما أنا… كنت أعيش في جحيم. نظرت لها ببرو
بهدوء، أخرجت الشرطية هاتفها، وشغلت مقطع فيديو ، ظهرت فيه أسماء… منهارة، فاقدة السيطرة، ويزن بجانبها. ثم قالت: ـ هذا يزن… لا تنكري. تجمدت أسماء مكانها. اتسعت عيناها…والكلمات اختفت…زولأول مرة، لم تجد كذبة تنقذها ، عند عصام… كان مستلقيًا، يده في جبيرة، وملامحه متعبة… لكن عينيه ممتلئتان بشيء أعمق من الألم… الغضب اقترب منه الشرطي، وقال بنبرة أخف قليلًا: ـ ألم يكن من المفترض أن ترتاح اليوم؟ لقد تعرضت لحادث قوي. لم يرد عصام. تابع الشرطي، هذه المرة بوضوح: ـ هل كامل هو من فعل هذا بك؟ رفع عصام عينيه ببطء… تجمعت الدموع فيهما… لكنه لم يبكِ. وقال بصوت ثابت رغم كل شيء: ـ نعم. وعقله مع الاسعاف الذي اخد جسم سارة وبه روح لين ، نظر الشرطي إلى عصام بتركيز، ثم قال: ـ نحن نعلم أن بينكما عداوة… ونعلم أنه حاول إيذاءك أكثر من مرة… لكن لماذا فعل بك هذا اليوم؟ تنفس عصام بصعوبة… وكأن كل كلمة ستخرج منه تحتاج قوة ، ثم قال: ـ لأنني حاولت أن أنقذها منه… توقف لحظة… ثم أكمل:
خفضت لين نظرها قليلًا…ـ وماذا بعد؟تنهد الطبيب:ـ هناك إجراءات. إذا كان الشجار داخل المدرسة فسيتم التعامل معه إداريًا… وإذا ثبت أنه اعتداء خارج الإطار المدرسي، سيتم استدعاء الشرطة لأنه اعتداء على قاصر.صمت.ثم اترى الاستاذ عادل وقال :ـ ايها طبيب لا تقلق نحن سنتكلف بكل شيئلين لم تتكلم مباشرة… لكن ملامحها تغيرت قليلاً، وكأنها بدأت تدرك أن الأمور خرجت عن السيطرة أكثر مما توقعت.ثم يغادر الطبيب… تلتفت سارة نحو عادل وتقول بحدة:ـ كامل يجب أن يُحاسب.عادل يقول بهدوء:ـ أولًا… يجب أن نعرف ماذا يحدث، ولماذا فعل كامل هذا بعصام.تنظر له ببرود وتقول:ـ سمعت من الطلاب أن لين لها علاقة بكامل… وأن عصام عارض علاقتهم وتشاجرا من أجلها.ثم تتابع:ـ أنا وأنت نعلم أن هذه القصة التي يروجون لها لا أساس لها… سأعرف ما يحدث، وسأتكفل أنا بعقاب كامل.يمسكها عادل ويوقفها:ـ أولًا، نحن أساتذة… وأنتِ لم تعودي مراهقة. ثانيًا… أعلم أن عصام عزيز عليك. ثالثًا… أنتِ لستِ سارة، أنتِ لين… وهذا جسدها، أي شيء ستفعلينه سيؤذي سارة، كوني حذرة.ثم يضي
ضحكت أسماء… وضحك هو معها لكن خلف هذه الضحكة كان هناك شيء غير مريح.سكتت فجأة… ثم نظرت له بجدية:ـ يزن…توقف عن الضحك:ـ ماذا؟قالت بصوت أخفض:ـ أنا أحاول أن أتغير… فعلًا.نظرت بعيدًا:ـ لا أريد أن أعود لنقطة الصفر اقصد المخدراتثم عادت تنظر له:ـ فلا تجعلني أندم… أني وثقت بك.نظرات يزن تغيّرت قليلًا… ليست مزاح هذه المرة اقترب خطوة منها:ـ أنا أيضًا… أحاول أن أنهي كل هذا المخدرات… المشاكل… كل شيء.أسماء ضيّقت عينيها:ـ اعلم تتكلم عن مدرسة لكن انت طالب ولست المدير لتحل الامورسكت لحظة…ثم قال بصراحة نادرة:ـ لا أعرف.تقدمت خطوة نحوه:ـ إذًا لا تكذب علي إن كنت ستغرق… لا تأخذني معك.ابتسم يزن… لكن هذه المرة كانت ابتسامة هادئة:ـ لن أسمح لكِ بالغرق.يزن نظر إلى أسماء… وكأنه يريد قول شيء لكن بدلاً من ذلك قال:ـ لدينا حفلة الليلة.أسماء:ـ أعلم.يزن:ـ لا تبتعدي عني.رفعت حاجبها:ـ تخاف عليّ؟قال بهدوء:ـ لا…ثم اقترب وهمس:ـ أخاف أن تفعلي شيئًا مجنونًا… بدوني
لين… في غرفتها الصغيرة، داخل الشقة التي استأجرتها بنفسها كانت تجلس أمام لوحاتها ألوان… تفاصيل… إبداع ترسم وكأنها تهرب أو… تبني عالمًا خاصًا بها كل لوحة تبيعها تقترب خطوة من الحرية وضعت المال في علبة صغيرة… وأغلقتها بعناية.هذه المرة… لن يأخذ أحد منها حريتها ، كانت تسلمها كامل ليتم بيه المخدراتفي ساحة المدرسة اندلع شجار سليم… كعادته.لكن هذه المرة لم تكن مثل السابق.دفع… صراخ… سقوط صرخة ألملاحظ الفريق الازرق ان سليم يتمدى وان ما يفعله عنف وليس كرة قدم وهذا سيجعل الفريق يخسر وكان اتفاق جماعي عليه.أحد طلاب الأزرق… سقط أرضًا… وسليم… لم يتحرك ، لكن بعدها حادث ، انكسرت رجله ، جلس على الأرض… يتنفس بصعوبة… ثم جاء الخبر تم استبعاده من مسابقة كرة القدم.نظر بعيدًا… لأول مرة العنف… لم ينقذه بل جعله يخسرفي زاوية هادئة كانت سارة مع يزن أخرجت هاتفها… ونظرت إليه مباشرة:ـ لدي شيء أخبرك به.رفع حاجبه:ـ ماذا؟قالت بهدوء:ـ أنا أملك… حساب الهمس.تغيرت ملامحه قليلًا ، اقترب منها:ـ إذًا… أريد أن أعرف من هو الخائن.سارة:ـ كل ما أ