LOGINمرت الساعات التالية ثقيلة،
المهام كثيرة، الطلبات متلاحقة، والانتقادات لا تنتهي. كل مرة تسمع: ـ "أسرعي." ـ "هذا خطأ." ـ "أنتِ دائمًا متأخرة." كانت قطعة صغيرة داخلها تتكسر… ثم أخرى… ثم أخرى. كانت أيام عديدة تمر هكذا في نهاية اليوم، طلبها المدير إلى مكتبه. دخلت وجلست أمامه، تتوقع توبيخًا جديدًا. لكن ما سمعته كان ضربة أشد قسوة. قال دون تردد: ـ "سارة… وصلنا إلى قرار.. أداؤك تراجع كثيرًا، والضغوط علينا كبيرة… للأسف، علينا إنهاء عقدك." توقفت أنفاسها للحظة. كلمة "إنهاء" كانت ثقيلة، قاتلة، حادة. لم تستطع الرد. اكتفت بابتلاع ريقها، وهزّت رأسها بصمت. خرجت من المكتب تحمل صندوقًا صغيرًا بدا أثقل بكثير مما هو عليه، دفتر ملاحظاتها، قلمها المفضل، كوبها المكسور من الأسفل، وبعض الأوراق… وكرامتها التي شعرت أنها تركتها خلفها دون قصد. وهي تمشي في الممر الطويل، أحسّت أن كل العيون تراقبها، لكن الحقيقة؟ لم يلتفت أحد. لم يفتقدها أحد. في تلك الليلة، عادت إلى شقتها الصغيرة. وضعت صندوق أغراضها على الأرض، وجلست بجانبه دون حركة. لم تبكِ. لم تصرخ. فقط نظرت إلى الفراغ كأنها تحاول أن تفهم ما حدث للتو. ثم، بعد دقائق طويلة… بدأت دموعها تنزل بلا صوت. أولًا خفيفة… ثم غزيرة… ثم موجعة. كانت تشعر أن كل سنوات التعب والجهد والانتظار سقطت فوقها دفعة واحدة. في اليوم التالي، لم تستطع النهوض من السرير. لم تفتح الستائر. لم تجب على الاتصالات. لم تأكل. كانت تستمع فقط لصوت عقلها المليء بالقسوة: "أنتِ فاشلة لن تستطيعي البدء من جديد، انتهى كل شيء." مرت الأيام، وبدأت النوبات الليلية تظهر، بكاء مفاجئ، ارتجاف، ضيق تنفس، خوف بلا سبب، وصداع لا يُحتمل. ثم جاءت العزلة… عزلة بدأت كراحة قصيرة من العالم، ثم تحوّلت إلى سجن طويل. لا خروج. لا حديث. لا رغبة في شيء. فقط ظلام الغرفة… وثِقل القلب. وفي إحدى الليالي، وبين الدموع والصمت، همست لنفسها: ـ "من أنا؟ ولماذا لا أستطيع أن أكون بخير مثل الجميع؟" كانت تظن أنها في أسوأ لحظات حياتها… لكنها لم تكن تعلم أن ما ينتظرها بعد ساعات قليلة سيغيّر كل شيء، ويقطع الحبل الأخير الذي يربطها بالعالم… ويقود روحها إلى مصير لم يخطر ببال أحد. اللحظة التي تغيّر كل شيء كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا. سارة مستيقظة في الظلام، تحدّق في السقف كما لو أن بين الظلال جوابًا لم يفصح عنه أحد. الغرفة حولها صامتة… الصمت الذي كان يومًا راحة، أصبح الآن ثقيلًا كالحديدة فوق صدرها. المصباح الصغير بجانب السرير يضيء نصف وجهها فقط، والباقي غارق في سواد يشبه ما تشعر به داخليًا. اقتربت من الطاولة حيث توجد علبة الدواء. يدها ترتجف وهي تفتحها، ليس لأنها قررت شيئًا… بل لأنها فقدت القدرة على اتخاذ أي قرار. جلست على الأرض، ضمت ركبتيها إلى صدرها، وأطلقت تنهيدة طويلة. ثم همست في الظلام: ـ "أنا تعبت… تعبت من الشغل… من الفشل… من الوحدة… تعبت من نفسي." نوبة بكاء أخرى انفجرت، لكن هذه المرة لم تكن كالنوبات السابقة ، كانت مختلفة… هادئة، عميقة، وكأنها وداع أخير لروح متعبة. وضعت رأسها على السرير وأغمضت عينيها. كان قلبها يدق ببطء شديد… ببطء يخيف. وبين نبضة و أخرى… شعرت بشيء ينسحب منها، شيء خفيف… ثم ساد صمت طويل. سقط جسدها إلى الجانب، والليل ابتلع آخر نفس خرج منها. كانت تلك لحظة موت سارة… لحظة لا يشعر بها أحد، ولا يسمعها أحد، ولا يودّعها أحد. لكن شيئًا غير مرئي تحرّك… كأن روحها لم توافق على الرحيل بهدوء. في نفس الدقيقة… مكان آخر في مدينة أخرى، في ثانوية لين كانت لين واقفة في مكتبة تطل على الارض ، تنظر إلى الأضواء البعيدة. الأفكار تضرب رأسها بقسوة التنمر، الصراخ، الوحدة، نظرات الناس، قسوة أمها… وكل سؤال سألته ولم تجد له جوابًا الهواء كان باردًا الليل ثقيلًا والقلب منهك. همست بصوت مرتجف: ـ "هل سينتهي هذا يومًا؟ من أنا أصلًا؟ ولماذا أحس أني غريبة حتى داخل نفسي؟" عينان ممتلئتان بالدموع… خطوة واحدة إلى الأمام… وذكرى آخر ضحكة مزيفة سمعَتها من صديقاتها تسقط على قلبها كحجر. من الخلف تسمع لين صوت سمر يقول : ـ نحن صديقتان لا تتركيني في تلك اللحظة، في مكان أخر برق ضوء خفيف ضوء لا يراه البشر ضوء خرج من مكان بعيد، من غرفة سارة، من روح كانت تبحث عن مخرج. هذا الضوء اندفع بسرعة نحو السماء، وكأن شيئًا ما يجذبه… حدث نفس شيئ ثم اختفى. ثانية واحدة فقط… ثم شعرت لين بانقباض حادّ في صدرها، عينها تتسع، قدماها ترتجفان… ثم هوى جسدها. في اللحظة نفسها التي توقفت فيها حياة سارة… توقفت حياة لين أيضًا. لكن ما حدث بعدها… لم يكن موتًا. كان تبدّلًا. كان خطأً أو حكمة لا تُفهم الآن. روحٌ خرجت من جسدها تبحث عن شيء يشبهها، وروحٌ أخرى وجدت نفسها تائهة، تبحث عن مكان جديد تنجو فيه. وفي غضون لحظات… فتحت عينا لين، لكن التي استيقظت داخل الجسد… لم تكن لين بل كانت سارة. استيقظ جسد لين… لكنّ الروح لم تكن روحها فتحت عينيها ببطء، وفي اللحظة الأولى شعرت بدهشة صامتة، لا شيء كان مألوفًا. حرّكت أصابعها بحذر، راقبت يدها وكأنّها تراها للمرّة الأولى الجسد يطيع، يتنفّس، يتحرّك، لكن الإحساس به كان بعيدًا كأنّها مستيقظة داخل شخصٍ آخر. كانت الغرفة البيضاء هادئة بشكل يثير القلق. ضوء خافت يتسلّل من خلف الستار، وصوت أجهزة طبية يقطع الصمت بنبض منتظم. فتحت لين عينيها… أو بالأصح، فتحت سارة عينيها. لكن سارة شعرت وكأنها تنهض داخل جسدٍ لا ينتمي إليها. كل شيء كان غريبًا شكل اليد، طول الأصابع، رقة الجلد… حتى طريقة التنفس لم تشبهها. مدّت يدها لتلمس وجهها، فارتجف إصبعها. كان الوجه ناعمًا، صغيرًا… أصغر من عمرها الحقيقي بسنوات طويلة. همست بشفاه ليست شفاها: ـ “هذا… ليس أنا.” كانت الكلمات تخرج بصوت لين، لكن داخل صدرها كان صوت سارة يصرخ. قلبها يضرب بسرعة، والهواء يضيق. لم تعرف أين هي، ولا كيف وصلت. شعرت بانفصال تام عن نفسها… كأن روحها معلقة فوق الجسد، تشاهده من بعيد.ثم نظرت إلى القبر:ـ ريان خرج من مركز الأحداث… لا أعرف ما الذي سيفعله لاحقًا… سليم في السجن بسبب شجار… سيلين أصبحت طبيبة.. سمر تعمل في مطعم أهلها وتدرس في الجامعة.ـ يزن سيتزوج أسماء… وقد دعوني للزفاف هل ستحضر لزفاف اخوك يا استاذابتسمت بخفة:ـ مايا أصبحت مصممة أزياء. وأنا… أعمل على معرضي الخاص. وعصام… وأنا مرتبطان.تنهدت:ـ والدتك بخير… وأنا أعتني بها. تعتبرني ابنتها… لكنني لم آخذ مكانك.سكتت لحظة ثم أضافت:ـ وأمي… تزوجت من جديد. لم أعد تلك الفتاة التي تحتاج أن تكون امها سبب بقائها ام عزباء لاني تخليت عن كوني ان اصبح طبيبة وهي فعلت المثلنظرت إلى السماء:ـ صديقاتك تزوجنا وانجبو الجميع مضى في حياته… تزوج… كبر… أنجب… حتى جمال … ذلك الغبي… تزوج.ثم خفّت نبرتها:ـ لا أعرف ماذا فعل الباقون… اقصد اصدقائك الفتيانابتسمت بحزن:ـ آسفة… الأخبار مملة هذا العام… لكنني سعيدة أنني أتيت لأخبركِ ولتقيتي بالاستاذثم وقفت، وقال عادل:ـ سأذهب الآن.ثم قالت لين بصوت أخير:ـ والغبي… عادل… ترك حياته أيضًا.تجمد عادل لم يتحرك لم
أجابت لين بهدوء بارد، وكأنها حسمت أمرها: ـ سارة… لو عادت لحياتها التي تظنين أنني أصلحتها… لن تستطيع أن تكمل بها. ـ وأنا… لن أستطيع أن أعود إلى منزل والدتي. ثم نظرت لها مباشرة: ـ لذلك… سأكمل ما أفعله سأجمع المال… لأبتعد عنها نهائيًا. هزت سمر رأسها بعدم تصديق: ـ سارة وجدت حلًا مع والدتك… كل شيء أصبح جيدًا في المنزل! ابتسمت لين بسخرية خفيفة: ـ لكن أنا… لست بخير. تنهدت، ثم أكملت: ـ عندما تبدلنا… فهمت شيئًا. ـ الجميع يرى أن أمي تعطيني كل شيء… مستوى جيد… دراسة… حياة مريحة… توقفت لحظة… ثم همست: ـ لكن في منزل سارة… كان هناك شيء لم أعرفه يومًا. رفعت عينيها، وصوتها بدأ يضعف: ـ كان هناك من يسألني إن كنت بخير… حتى إن لم أتكلم. كان هناك حياة… اهتمام… دفء… ثم شدّت قبضتها: ـ أما أنا… كنت أعيش في جحيم. نظرت لها ببرو
بهدوء، أخرجت الشرطية هاتفها، وشغلت مقطع فيديو ، ظهرت فيه أسماء… منهارة، فاقدة السيطرة، ويزن بجانبها. ثم قالت: ـ هذا يزن… لا تنكري. تجمدت أسماء مكانها. اتسعت عيناها…والكلمات اختفت…زولأول مرة، لم تجد كذبة تنقذها ، عند عصام… كان مستلقيًا، يده في جبيرة، وملامحه متعبة… لكن عينيه ممتلئتان بشيء أعمق من الألم… الغضب اقترب منه الشرطي، وقال بنبرة أخف قليلًا: ـ ألم يكن من المفترض أن ترتاح اليوم؟ لقد تعرضت لحادث قوي. لم يرد عصام. تابع الشرطي، هذه المرة بوضوح: ـ هل كامل هو من فعل هذا بك؟ رفع عصام عينيه ببطء… تجمعت الدموع فيهما… لكنه لم يبكِ. وقال بصوت ثابت رغم كل شيء: ـ نعم. وعقله مع الاسعاف الذي اخد جسم سارة وبه روح لين ، نظر الشرطي إلى عصام بتركيز، ثم قال: ـ نحن نعلم أن بينكما عداوة… ونعلم أنه حاول إيذاءك أكثر من مرة… لكن لماذا فعل بك هذا اليوم؟ تنفس عصام بصعوبة… وكأن كل كلمة ستخرج منه تحتاج قوة ، ثم قال: ـ لأنني حاولت أن أنقذها منه… توقف لحظة… ثم أكمل:
خفضت لين نظرها قليلًا…ـ وماذا بعد؟تنهد الطبيب:ـ هناك إجراءات. إذا كان الشجار داخل المدرسة فسيتم التعامل معه إداريًا… وإذا ثبت أنه اعتداء خارج الإطار المدرسي، سيتم استدعاء الشرطة لأنه اعتداء على قاصر.صمت.ثم اترى الاستاذ عادل وقال :ـ ايها طبيب لا تقلق نحن سنتكلف بكل شيئلين لم تتكلم مباشرة… لكن ملامحها تغيرت قليلاً، وكأنها بدأت تدرك أن الأمور خرجت عن السيطرة أكثر مما توقعت.ثم يغادر الطبيب… تلتفت سارة نحو عادل وتقول بحدة:ـ كامل يجب أن يُحاسب.عادل يقول بهدوء:ـ أولًا… يجب أن نعرف ماذا يحدث، ولماذا فعل كامل هذا بعصام.تنظر له ببرود وتقول:ـ سمعت من الطلاب أن لين لها علاقة بكامل… وأن عصام عارض علاقتهم وتشاجرا من أجلها.ثم تتابع:ـ أنا وأنت نعلم أن هذه القصة التي يروجون لها لا أساس لها… سأعرف ما يحدث، وسأتكفل أنا بعقاب كامل.يمسكها عادل ويوقفها:ـ أولًا، نحن أساتذة… وأنتِ لم تعودي مراهقة. ثانيًا… أعلم أن عصام عزيز عليك. ثالثًا… أنتِ لستِ سارة، أنتِ لين… وهذا جسدها، أي شيء ستفعلينه سيؤذي سارة، كوني حذرة.ثم يضي
ضحكت أسماء… وضحك هو معها لكن خلف هذه الضحكة كان هناك شيء غير مريح.سكتت فجأة… ثم نظرت له بجدية:ـ يزن…توقف عن الضحك:ـ ماذا؟قالت بصوت أخفض:ـ أنا أحاول أن أتغير… فعلًا.نظرت بعيدًا:ـ لا أريد أن أعود لنقطة الصفر اقصد المخدراتثم عادت تنظر له:ـ فلا تجعلني أندم… أني وثقت بك.نظرات يزن تغيّرت قليلًا… ليست مزاح هذه المرة اقترب خطوة منها:ـ أنا أيضًا… أحاول أن أنهي كل هذا المخدرات… المشاكل… كل شيء.أسماء ضيّقت عينيها:ـ اعلم تتكلم عن مدرسة لكن انت طالب ولست المدير لتحل الامورسكت لحظة…ثم قال بصراحة نادرة:ـ لا أعرف.تقدمت خطوة نحوه:ـ إذًا لا تكذب علي إن كنت ستغرق… لا تأخذني معك.ابتسم يزن… لكن هذه المرة كانت ابتسامة هادئة:ـ لن أسمح لكِ بالغرق.يزن نظر إلى أسماء… وكأنه يريد قول شيء لكن بدلاً من ذلك قال:ـ لدينا حفلة الليلة.أسماء:ـ أعلم.يزن:ـ لا تبتعدي عني.رفعت حاجبها:ـ تخاف عليّ؟قال بهدوء:ـ لا…ثم اقترب وهمس:ـ أخاف أن تفعلي شيئًا مجنونًا… بدوني
لين… في غرفتها الصغيرة، داخل الشقة التي استأجرتها بنفسها كانت تجلس أمام لوحاتها ألوان… تفاصيل… إبداع ترسم وكأنها تهرب أو… تبني عالمًا خاصًا بها كل لوحة تبيعها تقترب خطوة من الحرية وضعت المال في علبة صغيرة… وأغلقتها بعناية.هذه المرة… لن يأخذ أحد منها حريتها ، كانت تسلمها كامل ليتم بيه المخدراتفي ساحة المدرسة اندلع شجار سليم… كعادته.لكن هذه المرة لم تكن مثل السابق.دفع… صراخ… سقوط صرخة ألملاحظ الفريق الازرق ان سليم يتمدى وان ما يفعله عنف وليس كرة قدم وهذا سيجعل الفريق يخسر وكان اتفاق جماعي عليه.أحد طلاب الأزرق… سقط أرضًا… وسليم… لم يتحرك ، لكن بعدها حادث ، انكسرت رجله ، جلس على الأرض… يتنفس بصعوبة… ثم جاء الخبر تم استبعاده من مسابقة كرة القدم.نظر بعيدًا… لأول مرة العنف… لم ينقذه بل جعله يخسرفي زاوية هادئة كانت سارة مع يزن أخرجت هاتفها… ونظرت إليه مباشرة:ـ لدي شيء أخبرك به.رفع حاجبه:ـ ماذا؟قالت بهدوء:ـ أنا أملك… حساب الهمس.تغيرت ملامحه قليلًا ، اقترب منها:ـ إذًا… أريد أن أعرف من هو الخائن.سارة:ـ كل ما أ