Masukتردّدت خديجة قليلًا قبل أن تسأل:
— هل يمكن أن تفقد ذاكرتها؟ أومأ الطبيب برأسه: — نعم، هذا ممكن. في بعض الحالات، يحاول العقل أن يحمي نفسه، فيُغلق أبوابًا معيّنة مؤقّتًا. الذاكرة قد تعود مع الوقت، لكن قد تظهر أعراض أخرى خلال هذه المرحلة. قالت السيّدة خديجة بصوت منخفض، وقد بدت عليها الحيرة: — ماذا تقصد؟ أجاب الطبيب بهدوء مهني: — بعد أن تبدأ الذاكرة بالعودة، قد تتعرّض لصدمة ثانية. من الممكن أن تنعزل، أو يقلّ كلامها، أو تفقد شهيتها. انتبهي جيّدًا في الأيام القادمة. أنصحك بالبدء في العلاج النفسي في أقرب وقت. توقّف لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدّية: — والأهم… يجب معرفة السبب الحقيقي لما حدث. فهم الدافع ضروري لتحليل المشكلة ومنع تكرارها. غادر الطبيب المكان، وبقيت خديجة واقفة وحدها في الممرّ، تتقاذفها الأفكار. لم تكن تعرف من أين تبدأ، ولا أي قرار هو الصحيح. بعد تردّد، عادت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، وتوجّهت نحو الدرج. أخرجت ورقة مطويّة بعناية. كانت تعرفها جيّدًا، لكنها لم تمتلك الشجاعة لقراءتها مرة أخرى… إلى الآن. فتحتها بيدٍ مرتجفة، وبدأت تقرأ: "أمي، أعرف أنّك تعذّبتِ كثيرًا بعد طلاقك من والدي. كنتُ أراكِ تبكين دون أن تشعري، وأفهم صمتك أكثر مما تظنّين. أعرف أيضًا عن عروض الزواج التي جاءت، والتي رفضتِها من أجلي. أعرف تعبك، وألمك في العمل، وثِقَل الحياة عليك. لذلك قرّرت أن أرحل، لأترك لكِ مساحة لتتنفّسي، ولئلّا تتحمّلي همّي بعد الآن. تزوّجي، أنجبي أطفالًا أذكياء، عيشي حياة تليق بسيدة مثلك، مع رجلٍ يعتني بك. أعلم أنّ العيش في هذه الحياة صعب علينا، ولهذا اخترت أن أضحّي من أجلك، لتجدي راحتك. سامحيني يا أمي… أنا أحبّك." انتهت من القراءة، وبقيت الورقة بين يديها. الكلمات لم تكن اتهامًا، بل كانت وداعًا مكتوبًا بحبّ موجع. جلست بصمت، والمرّة الأولى التي شعرت فيها أنّها لم تكن ترى ابنتها كما يجب… كانت بعد فوات الأوان. وفي الغرفة الأخرى، كانت سارة لا تعرف شيئًا عن هذه الرسالة، لكنّها كانت تفكر في ما يحدث ثم مسحت دموعها سيدة خديجة بكفّها وكأنّها ترفض أن يراها أحد ضعيفة. أخذت نفسًا عميقًا، وخرجت متّجهة نحو غرفة ابنتها دفعت الباب بهدوء. كان جسد لين مستلقي على فراشها، عيناها مفتوحتان تحدّقان في السقف بلا تركيز. اقتربت منها، لكن قبل أن تنطق، جلست سارة فجأة وكأنّها كانت تنتظرها. قالت بصوت متردّد، صادق، يحمل خوفًا أكثر من ارتباك: — سيدتي… أعتذر. ربما هناك خطب ما. أعرف أنّ ما سأقوله غريب، لكن… أنا لا أعرفك، ولا أعرف هذه الغرفة، ولا هذا الجسد… توقّفت، ثم أدارت رأسها نحو المرآة القريبة، نظرت إلى انعكاسها وكأنّها تبحث عن دليل، وأكملت بصوت أخفض: — وهذا الوجه ليس لي. لا أعرفكم… اسمي سارة، وعمري ثلاثون سنة، و— لم تتركها خديجة تكمل. اقتربت بسرعة، أمسكت كتفيها بكلتا يديها، ليس بعنف، بل بحزمٍ خائف. أجبرتها برفق على الجلوس من جديد على الفراش، وعيناها تملؤهما الدهشة والإنكار معًا. قالت بنبرة حاولت أن تجعلها ثابتة: — أنتِ ابنتي، اسمك لين. عمرك خمس عشرة سنة، وستُكملين السادسة عشرة قريبًا. وأنا والدتك… خديجة. توقّفت لحظة، خفّضت صوتها، وأضافت: — أعرف أنّ ما حدث كان صعبًا، وصادمًا. لكننا سنتجاوزه. فقط… ساعديني. ابقي هنا. لا تحاولي الهرب من الواقع. نظرت سارة إليها بصمت. الاسم لا يعني لها شيئًا. العمر لا يشبهها. الكلمة «أمي» تمرّ في ذهنها دون أن تجد مكانًا تستقرّ فيه. ومع ذلك، هناك شيء في صوت خديجة، في ارتجاف يديها، يجعلها تشعر بثِقَل مسؤولية لا تفهمها… لكنها تحسّ بها. كانت سارة ما تزال مستغرِبة ممّا يحدث. الكلمات علقت في صدرها، لا تعرف ماذا تقول، ولا كيف تشرح شيئًا لا تفهمه أصلًا. حين اقتربت خديجة منها واحتضنتها، بقي جسد سارة جامدًا، بلا ردّة فعل. لم تُبعدها، لكنّها لم تحتضنها أيضًا، وكأنّ المشاعر لم تصل بعد إلى مكانها. قالت خديجة وهي تحاول أن تبدو مطمئنّة: — سأُعدّ لكِ الطعام، وسأطلب من المدرسة بعض الأيام لتستريحي. تعودين بعدها للدراسة بهدوء. ومن الغد سنبدأ بالذهاب إلى طبيب نفسي. كلّ شيء سيكون على ما يرام. نهضت، مسحت على شعرها بحركة سريعة، ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء. بقيت سارة وحدها. تقدّمت ببطء نحو المرآة. وقفت أمامها طويلًا، تتفحّص الوجه مرّة أخرى، تحاول أن تحفظ تفاصيله العينان، الأنف، الفم… لا شيء يشبهها، ومع ذلك يحدّق بها بثبات. التفتت نحو الصور المعلّقة على الجدار، الوجوه نفسها في أعمار مختلفة، حياة كاملة لا تتذكّر منها لحظة واحدة. همست لنفسها بصوتٍ خافت، كأنّها تثبّت حقيقة قبل أن تضيع: — أنا سارة. عمري ثلاثون سنة. أعمل في شركة «إي كي» الخاصة بتصوير الإعلانات. توقّفت، تنفّست بعمق، ثم أكملت بقلقٍ ظاهر: — ما الذي يحدث لي؟ هل أفقد عقلي؟ كيف يمكن لهذا أن يكون حقيقيًا؟ وضعت كفّيها على حافّة المغسلة، أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما مجددًا: — يجب أن أهدأ… يجب أن أفهم ما يحدث. المرآة لم تُجب. لكنّها شعرت، للمرّة الأولى منذ استيقاظها، أنّ الخوف لن يساعدها… وأنّ البقاء واعية، هادئة، هو الشيء الوحيد الذي تملكه الآن. وفي هذا الجسد الغريب، وفي هذه الغرفة التي لا تعرفها، قرّرت أن تبدأ بالملاحظة… جلست سارة على الفراش، تنظر حولها، وتحاول أن تفهم ما يحدث. فجأة، شعرت بأن شيء ما يسحبها بعيدًا، الي ذكرى قديمة جدا وكأنها تعود بالزمن إلى مكان آخر… إلى عام 2010. العالم من حولها كان يزدهر بالحياة والألوان، مختلفًا تمامًا عن غرفة الصمت والارتباك التي استيقظت فيها للتو. موسيقى البوب كانت في كل مكان: ليدي غاغا، جاستن بيبر، وان دايركشن… كانت الأغاني تتسلل إلى كل زاوية، تصنع جواً من الطاقة والدهشة. هاتف بلاك بيري كان رمز الهيبة بين طلاب الثانوية، والـ iPhone 3GS/4 بدأ يغزو العالم بهدوءه الساحر. ألعاب الهاتف الشهيرة مثل Angry Birds وFruit Ninja كانت تستحوذ على ساعات الانتظار بين الحصص. الجدران مليئة بصور النجوم، ودفاترها مزينة بأيقونات البوب، والألوان زاهية، صاخبة، وكأن كل شيء ينبض بالحياة. في الممرات، كانت سماعات كبيرة معلّقة على الرقاب، والطلاب يتبادلون رسائل البلاك بيري عبر PIN، يكتبون اقتباسات درامية على Facebook، ويلتقطون صور Mirro r Selfie بفلاش الكاميرا الصغيرة، يتباهون بها بين الأصدقاء.ثم نظرت إلى القبر:ـ ريان خرج من مركز الأحداث… لا أعرف ما الذي سيفعله لاحقًا… سليم في السجن بسبب شجار… سيلين أصبحت طبيبة.. سمر تعمل في مطعم أهلها وتدرس في الجامعة.ـ يزن سيتزوج أسماء… وقد دعوني للزفاف هل ستحضر لزفاف اخوك يا استاذابتسمت بخفة:ـ مايا أصبحت مصممة أزياء. وأنا… أعمل على معرضي الخاص. وعصام… وأنا مرتبطان.تنهدت:ـ والدتك بخير… وأنا أعتني بها. تعتبرني ابنتها… لكنني لم آخذ مكانك.سكتت لحظة ثم أضافت:ـ وأمي… تزوجت من جديد. لم أعد تلك الفتاة التي تحتاج أن تكون امها سبب بقائها ام عزباء لاني تخليت عن كوني ان اصبح طبيبة وهي فعلت المثلنظرت إلى السماء:ـ صديقاتك تزوجنا وانجبو الجميع مضى في حياته… تزوج… كبر… أنجب… حتى جمال … ذلك الغبي… تزوج.ثم خفّت نبرتها:ـ لا أعرف ماذا فعل الباقون… اقصد اصدقائك الفتيانابتسمت بحزن:ـ آسفة… الأخبار مملة هذا العام… لكنني سعيدة أنني أتيت لأخبركِ ولتقيتي بالاستاذثم وقفت، وقال عادل:ـ سأذهب الآن.ثم قالت لين بصوت أخير:ـ والغبي… عادل… ترك حياته أيضًا.تجمد عادل لم يتحرك لم
أجابت لين بهدوء بارد، وكأنها حسمت أمرها: ـ سارة… لو عادت لحياتها التي تظنين أنني أصلحتها… لن تستطيع أن تكمل بها. ـ وأنا… لن أستطيع أن أعود إلى منزل والدتي. ثم نظرت لها مباشرة: ـ لذلك… سأكمل ما أفعله سأجمع المال… لأبتعد عنها نهائيًا. هزت سمر رأسها بعدم تصديق: ـ سارة وجدت حلًا مع والدتك… كل شيء أصبح جيدًا في المنزل! ابتسمت لين بسخرية خفيفة: ـ لكن أنا… لست بخير. تنهدت، ثم أكملت: ـ عندما تبدلنا… فهمت شيئًا. ـ الجميع يرى أن أمي تعطيني كل شيء… مستوى جيد… دراسة… حياة مريحة… توقفت لحظة… ثم همست: ـ لكن في منزل سارة… كان هناك شيء لم أعرفه يومًا. رفعت عينيها، وصوتها بدأ يضعف: ـ كان هناك من يسألني إن كنت بخير… حتى إن لم أتكلم. كان هناك حياة… اهتمام… دفء… ثم شدّت قبضتها: ـ أما أنا… كنت أعيش في جحيم. نظرت لها ببرو
بهدوء، أخرجت الشرطية هاتفها، وشغلت مقطع فيديو ، ظهرت فيه أسماء… منهارة، فاقدة السيطرة، ويزن بجانبها. ثم قالت: ـ هذا يزن… لا تنكري. تجمدت أسماء مكانها. اتسعت عيناها…والكلمات اختفت…زولأول مرة، لم تجد كذبة تنقذها ، عند عصام… كان مستلقيًا، يده في جبيرة، وملامحه متعبة… لكن عينيه ممتلئتان بشيء أعمق من الألم… الغضب اقترب منه الشرطي، وقال بنبرة أخف قليلًا: ـ ألم يكن من المفترض أن ترتاح اليوم؟ لقد تعرضت لحادث قوي. لم يرد عصام. تابع الشرطي، هذه المرة بوضوح: ـ هل كامل هو من فعل هذا بك؟ رفع عصام عينيه ببطء… تجمعت الدموع فيهما… لكنه لم يبكِ. وقال بصوت ثابت رغم كل شيء: ـ نعم. وعقله مع الاسعاف الذي اخد جسم سارة وبه روح لين ، نظر الشرطي إلى عصام بتركيز، ثم قال: ـ نحن نعلم أن بينكما عداوة… ونعلم أنه حاول إيذاءك أكثر من مرة… لكن لماذا فعل بك هذا اليوم؟ تنفس عصام بصعوبة… وكأن كل كلمة ستخرج منه تحتاج قوة ، ثم قال: ـ لأنني حاولت أن أنقذها منه… توقف لحظة… ثم أكمل:
خفضت لين نظرها قليلًا…ـ وماذا بعد؟تنهد الطبيب:ـ هناك إجراءات. إذا كان الشجار داخل المدرسة فسيتم التعامل معه إداريًا… وإذا ثبت أنه اعتداء خارج الإطار المدرسي، سيتم استدعاء الشرطة لأنه اعتداء على قاصر.صمت.ثم اترى الاستاذ عادل وقال :ـ ايها طبيب لا تقلق نحن سنتكلف بكل شيئلين لم تتكلم مباشرة… لكن ملامحها تغيرت قليلاً، وكأنها بدأت تدرك أن الأمور خرجت عن السيطرة أكثر مما توقعت.ثم يغادر الطبيب… تلتفت سارة نحو عادل وتقول بحدة:ـ كامل يجب أن يُحاسب.عادل يقول بهدوء:ـ أولًا… يجب أن نعرف ماذا يحدث، ولماذا فعل كامل هذا بعصام.تنظر له ببرود وتقول:ـ سمعت من الطلاب أن لين لها علاقة بكامل… وأن عصام عارض علاقتهم وتشاجرا من أجلها.ثم تتابع:ـ أنا وأنت نعلم أن هذه القصة التي يروجون لها لا أساس لها… سأعرف ما يحدث، وسأتكفل أنا بعقاب كامل.يمسكها عادل ويوقفها:ـ أولًا، نحن أساتذة… وأنتِ لم تعودي مراهقة. ثانيًا… أعلم أن عصام عزيز عليك. ثالثًا… أنتِ لستِ سارة، أنتِ لين… وهذا جسدها، أي شيء ستفعلينه سيؤذي سارة، كوني حذرة.ثم يضي
ضحكت أسماء… وضحك هو معها لكن خلف هذه الضحكة كان هناك شيء غير مريح.سكتت فجأة… ثم نظرت له بجدية:ـ يزن…توقف عن الضحك:ـ ماذا؟قالت بصوت أخفض:ـ أنا أحاول أن أتغير… فعلًا.نظرت بعيدًا:ـ لا أريد أن أعود لنقطة الصفر اقصد المخدراتثم عادت تنظر له:ـ فلا تجعلني أندم… أني وثقت بك.نظرات يزن تغيّرت قليلًا… ليست مزاح هذه المرة اقترب خطوة منها:ـ أنا أيضًا… أحاول أن أنهي كل هذا المخدرات… المشاكل… كل شيء.أسماء ضيّقت عينيها:ـ اعلم تتكلم عن مدرسة لكن انت طالب ولست المدير لتحل الامورسكت لحظة…ثم قال بصراحة نادرة:ـ لا أعرف.تقدمت خطوة نحوه:ـ إذًا لا تكذب علي إن كنت ستغرق… لا تأخذني معك.ابتسم يزن… لكن هذه المرة كانت ابتسامة هادئة:ـ لن أسمح لكِ بالغرق.يزن نظر إلى أسماء… وكأنه يريد قول شيء لكن بدلاً من ذلك قال:ـ لدينا حفلة الليلة.أسماء:ـ أعلم.يزن:ـ لا تبتعدي عني.رفعت حاجبها:ـ تخاف عليّ؟قال بهدوء:ـ لا…ثم اقترب وهمس:ـ أخاف أن تفعلي شيئًا مجنونًا… بدوني
لين… في غرفتها الصغيرة، داخل الشقة التي استأجرتها بنفسها كانت تجلس أمام لوحاتها ألوان… تفاصيل… إبداع ترسم وكأنها تهرب أو… تبني عالمًا خاصًا بها كل لوحة تبيعها تقترب خطوة من الحرية وضعت المال في علبة صغيرة… وأغلقتها بعناية.هذه المرة… لن يأخذ أحد منها حريتها ، كانت تسلمها كامل ليتم بيه المخدراتفي ساحة المدرسة اندلع شجار سليم… كعادته.لكن هذه المرة لم تكن مثل السابق.دفع… صراخ… سقوط صرخة ألملاحظ الفريق الازرق ان سليم يتمدى وان ما يفعله عنف وليس كرة قدم وهذا سيجعل الفريق يخسر وكان اتفاق جماعي عليه.أحد طلاب الأزرق… سقط أرضًا… وسليم… لم يتحرك ، لكن بعدها حادث ، انكسرت رجله ، جلس على الأرض… يتنفس بصعوبة… ثم جاء الخبر تم استبعاده من مسابقة كرة القدم.نظر بعيدًا… لأول مرة العنف… لم ينقذه بل جعله يخسرفي زاوية هادئة كانت سارة مع يزن أخرجت هاتفها… ونظرت إليه مباشرة:ـ لدي شيء أخبرك به.رفع حاجبه:ـ ماذا؟قالت بهدوء:ـ أنا أملك… حساب الهمس.تغيرت ملامحه قليلًا ، اقترب منها:ـ إذًا… أريد أن أعرف من هو الخائن.سارة:ـ كل ما أ