Compartir

الفصل الثالث

Autor: إيكو
بعد ساعة دخلت مكتب ماركو امرأة شقراء فاتنة.

تظاهرت بترتيب بعض الملفات بالقرب من مكتبه، وأرهفت السمع.

عاد صوت ماركو يفيض بحلاوةٍ متكلَّفة أثارت غثياني، وقال: "حبيبتي، اشتقت إليك".

تغنجت المرأة قائلة: "تبدو اليوم أوسم من كل يوم".

قال ماركو: "ارتديت البذلة الجديدة، وزِرَّي الأكمام اللذين تحبينهما. أريد أن أترك انطباعًا حسنًا حين ألتقي والديكِ الليلة".

قالت: "يا حبيبي، أنت كامل كما أنت. سيحبك أبي حتمًا".

سيلتقي والديها؟ وبذلة جديدة؟ وزِرَّا الأكمام اللذان تحبهما؟

هوت الحقيقة عليَّ بثقل الصاعقة.

لم أكن سوى نزوة جانبية؛ سرًّا صغيرًا يتلهى به، ويستعين بصاحبته في اختيار زينة مواعيده الغرامية. عشيقة إلكترونية يستطيع أن يبقيها في ظلام الجهل.

أما الشقراء، فهي التي يرتبط بها بجدية؛ هي التي سيقابل والديها الليلة.

تحطم قلبي، واجتاحتني موجة من الغثيان.

كل تلك الرسائل العذبة طوال ثلاثة أشهر، وكل الكلمات التي كانت تورد وجنتيَّ... لم تكن إلا أكاذيب. لم أكن عنده إلا لعبة يلهو بها ثم يلقيها متى شاء.

أخرجت هاتفي بيدين مرتجفتين، وبعثت إلى ريكس برسالة أخيرة:

"أنت وغد حقير. انتهى كل ما بيننا".

ثم حظرته ومحوت حسابه من غير أن أتردد لحظة واحدة.

انتهى الأمر. أسندت ظهري إلى الجدار، وأخذت أتنفس بعمق، أكابد الغضب والمهانة لئلا يغلباني.

وبعد دقائق خرج ماركو ممسكًا بيد حبيبته، ورافقها حتى الباب.

ولم يبدُ عليه أدنى اضطراب.

امتلأ فمي بمرارة، ولكني حاولت أن أعزي نفسي. على الأقل لا يعلم أحد بسرّي الصغير المثير للرثاء.

وإذا فاتني الحب، فلن أُضيِّع مسيرتي المهنية.

أنا امرأة عاقلة، ولن ألقي بوظيفة عالية الأجر من النافذة من أجل رجل.

وفي اليوم التالي استدعاني ماركو إلى قاعة الاجتماعات لأعرض خطة عمل على الدون أليساندرو.

وكانت تلك أول مرة أرى فيها الدون الذي نسجت حوله الأساطير عن قرب.

جلس أليساندرو فالكوني على الأريكة، فلم يكن ذلك الشيخ الأشيب الذي تخيلته. كان شابًّا، له عينان رماديتان غائرتان كأنهما تنتزعان عن المرء كل ستر.

وكان يرتدي بذلة زرقاء داكنة صُنعت له خصيصًا، فزادته وسامة وهيبة.

مكث بصري عند البذلة لحظة.

تذكرت أنني أخبرت ريكس مرة أنني أحب الرجل في البذلة الزرقاء الداكنة، وأنها في نظري أشد غموضًا من السوداء.

قلت لنفسي: مصادفة لا أكثر.

قال بصوت جهير خفيض، ذي رنين يجتذب الانتباه ويستأثر به: "آنسة ليليانا! يمكنكِ أن تبدئي".

أكرهت نفسي على الهدوء، وشرعت أعرض تقريري عن البيانات المالية وتحليل السوق.

وطوال العرض ظل أليساندرو يستمع في صمت؛ يومئ برأسه أحيانًا، أو يلقي سؤالًا نافذًا يدل على فطنة.

جلس ماركو إلى جواره، يضيف تعليقًا هنا أو هناك، ولكنه ظل في أكثر الوقت مطأطئ الرأس يدون الملاحظات، شارد الذهن.

لا بد أنه يفكر في حبيبته الشقراء. فطعنتني وخزة جديدة من الألم.

ولما فرغت، أومأت باحترام وهممت أن أنصرف، غير أن أليساندرو أوقفني فجأة.

"ليليانا! انتظري".

نهض من الأريكة على مهل، وأقبل نحوي.

دفعتني غريزتي إلى التراجع خطوة، لكنني أرغمت نفسي على الثبات.

وقف أمامي مباشرة، وثبت عينيه الرماديتين على موضع عند ترقوتي.

كانت هناك شامة واحدة، وهي الوحمة الوحيدة التي وُلدت بها. وكان موضعها غير مألوف، تسترها ثيابي في العادة، إلا أنها تظهر حين أرتدي قميصًا أوسع عند العنق.

قال أليساندرو بغتة: "تلك العلامة عند ترقوتك... مميزة جدًّا". وكان في صوته شيء من الألفة المقلقة، يخالف كل المخالفة جمود الرجل الذي ظل يصغي إلى تقريري.

تملَّكني الهلع.

كنت قد أرسلت إلى ريكس مرة صورة تظهر ترقوتي، فأجابني: "أريد أن أقبّل تلك الشامة وأنت تصرخين باسمي".

التفتُّ إلى ماركو بحركة غريزية، لكن الحيرة وحدها كانت ترتسم على وجهه.

وتلعثمت وأنا أستر الموضع بيدي: "أهي... مميزة إلى هذا الحد؟ أظن أن كثيرًا من الناس لديهم مثلها".

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • راسلتُ دون المافيا رسائل حميميّة بالخطأ   الفصل التاسع

    جاءت كلمات أليساندرو، فوضعت كل شيء في موضعه.وحدقت فيه، وصوتي يرتعش. "أنت... أنت ريكس؟"وقال ساخرًا: "لقد استغرقتِ وقتًا طويلًا يا حبيبتي". ثم أخرج هاتفه من جيب سترته ومده إليّ.تناولته بيد مرتجفة؛ فإذا على الشاشة محادثتنا، محادثتي مع ريكس. غير أن شريطًا أحمر كان يمتد الآن في أعلاها، وقد كُتب فيه: "لقد حظرك هذا المستخدم".وهمست: "لا... لا يمكن أن تكون أنت..."فأجابني من بين أسنانه، وفكه مشدود: "ولمَ لا؟ هل لأنني واحد من رجال العصابات الخطرين الذين ترتعدين خوفًا منهم؟"وكان ماركو لا يزال من ورائي يحاول الدفاع عن نفسه، لكن أليساندرو أشار بيده إشارة واحدة؛ فظهر حارسان وجرّا ماركو خارج الغرفة.وساد الصمت أرجاء المكتب.وسألته، وما كان صوتي ليجاوز الهمس: "متى؟ متى عرفت أنني أنا؟"ودنا أليساندرو مني، وأخذت أصابعه الطويلة تتبع خط ترقوتي. "منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها".فنظرت إلى الشامة الصغيرة.وتمتم، وإبهامه يمر على العلامة: "فأنا، بعد كل شيء، أحفظ هذا الموضع عن ظهر قلب، وكم حلمت أن أتذوقه".وعمت الفوضى ذهني. "إذن فالمأدبة وهذه الرحلة... كانتا مدبّرتين عن عمد؟ لماذا لم تخبرني وحسب؟" واش

  • راسلتُ دون المافيا رسائل حميميّة بالخطأ   الفصل الثامن

    استيقظت في صباح اليوم التالي، ورأسي يكاد ينفلق من الألم.وجلست أحاول أن أجمع شتات ما جرى في الليلة الماضية، لكن كل شيء كان ضبابًا.ومددت يدي إلى معصمي، فتوقف قلبي؛ كان سوار اللؤلؤ الذي ورثته عن جدتي قد اختفى.فهو أعز ما أملك، ولم أخلعه عن معصمي قط.وهبطت إلى الطابق الأسفل مذعورة، أفتش غرفة الجلوس وغرفة الطعام والشرفة، فلم أعثر له على أثر.وخطر لي أن أليساندرو ربما رآه، فأسرعت إلى مكتبه.ولكنني، حين رفعت يدي لأطرق الباب، سمعت من الداخل صوتًا أعرفه."يا دون، لا أدري ما أفعل!" كان ماركو يتكلم بصوت مضطرب. "كادت أنجلينا تطلق عليّ النار ليلة أمس، لمجرد أنني رددت على رسالة من حبيبة سابقة!"توقفت يدي في الهواء.فأجابه أليساندرو بلهجة ضجرة: "لعلك إذن بحاجة إلى أن تتعلم ضبط نفسك".وأوشك ماركو أن ينتحب وهو يقول: "أقسم لك أن الأمر لا يعني شيئًا! لكنها لا تصدقني، وتهدد بفسخ الخِطبة. يا دون، لقد ضاقت بي السبل".وهنا بلغ بي الغضب منتهاه، وغلى الدم في عروقي.فأثر الثمالة والسوار المفقود، ثم هذا الذي أسمعه الآن؛ اجتمعت كلها فانفجرت في صدري دفعة واحدة.ودفعت الباب بقوة حتى ارتطم بالحائط.وصحت وأنا أشير

  • راسلتُ دون المافيا رسائل حميميّة بالخطأ   الفصل السابع

    حين استيقظت في صباح اليوم التالي، كانت ذكريات ليلة البارحة مشوشة في ذهني.ومسست جبهتي بيدي.وقلت لنفسي: لا بد أنه كان حلمًا.وفي الطابق الأسفل، كان أليساندرو يتناول فطوره، وليس في مظهره ما يخرج عن المألوف.وبذلك انحسم الأمر عندي؛ لم يكن سوى حلم غريب. فما كان لذلك الدون الجافي المتعالي أن يتسلل إلى غرفتي ليقبّلني.لكنني لم ألحظ تلك النظرات المحتدمة التي كان يرمقني بها كلما حسب أنني لا أراه.وفي مساء ذلك اليوم، قال أليساندرو: "ما زال الشرود باديًا عليكِ. دعيني آخذكِ إلى مكان يصفو فيه ذهنك".فقلت: "لا حاجة إلى ذلك يا دون، أنا..."لكنه أصر قائلًا: "تعالي معي".وقادني إلى الشرفة القائمة فوق سطح القصر. وكان المنظر آية في الروعة؛ تمتد من تحتنا ميامي بأسرها، وقد أخذ الليل يرخي عليها سدوله.وقال وهو يقف إلى جواري: "المنظر جميل من هنا، ولا سيما هذه الليلة".فاكتفيت بإيماءة مهذبة.وأخرج هاتفه، وألقى فيه كلمات معدودات، ثم أنهى المكالمة.وقال وهو ينظر في ساعته: "دقيقة واحدة؛ فقد أوشك الموعد".فسألته: "أيّ موعد؟"ولم يجبني، بل فرقع أصابعه فرقعة خفيفة.وفي اللحظة التالية، أضاء الأفق كله فوق ميامي.وا

  • راسلتُ دون المافيا رسائل حميميّة بالخطأ   الفصل السادس

    بعدما خمدت الفوضى، ظل وجه أليساندرو جامدًا كالصخر.وقال لحارسه: "لم يعد المكان آمنًا. أحضر السيارة؛ سنذهب إلى القصر".وشرعت أقول: "أيها الدون! أستطيع العودة إلى الفندق..."فقاطعني: "لا. ستبقين معي حتى أقول إن الخطر قد زال. انتهى الكلام".وبعد عشرين دقيقة، دخلنا بالسيارة إلى قصرٍ خاص تحيط به أراضٍ مترامية الأطراف. وكان البيت الرئيس في ظلمة الليل قصرًا مشيدًا على الطراز المعماري لمنطقة البحر المتوسط، يرتفع ثلاثة طوابق ويقوم بهيئته المهيبة قبالة ضوء القمر.أوضح أليساندرو وهو يقودني إلى الداخل: "هذا مسكني الخاص في ميامي، ولا يعرف مكانه إلا نفر قليل من رجالي الذين أثق بهم".صب لي كأسًا من النبيذ الأحمر، وأخذ لنفسه كأسًا أخرى. ثم جلسنا في ردهة واسعة ذات نوافذ تمتد من الأرض إلى السقف، وتشرف على شاطئ خاص يغمره ضوء القمر.وسألني بصوت ألين من عادته: "هل أفزعك ما جرى الليلة؟ لا تقلقي، سأحميك".أحسست الدفء ينتشر في صدري.لكنني ذكّرت نفسي بأن أحتكم إلى العقل؛ فما يفعل إلا ما يفعله الدون حين يحمي واحدة من مقدّراته.وسألته، محاوِلة أن أخفف وقع الحديث: "هل تهتم بجميع موظفيك بهذه الدرجة؟"فاكتفى بأن أم

  • راسلتُ دون المافيا رسائل حميميّة بالخطأ   الفصل الخامس

    بعد المأدبة، أصر أليساندرو على أن يوصلني بنفسه إلى منزلي.قلت في أدب: "يمكنني أن أستقل سيارة أجرة".فأجاب بنبرة لا تدع مجالًا للاعتراض: "الوقت متأخر، وأنت معي".وفي سيارته الفارهة، عبق الجو برائحة عطره الخفيفة. وألقى الضوء الخافت ظلالًا على قسمات وجهه المنحوتة، فزاده غموضًا على غموض.ومضينا صامتين برهة.ثم ناداني فجأة، وقد انخفض صوته في ذلك الحيّز الضيق: "ليليانا".فالتفت إليه. "دون؟"واستهل كلامه على مهل، وعيناه المعتمتان تنظران إليّ: "إذا أنهت امرأة... علاقتها برجل، فماذا ينبغي له أن يفعل؟"أذهلني السؤال.أيطلب مني ذلك الدون القاسي الذي لا يعرف الرحمة نصيحة في شؤون الحب؟قلت أحاول استرضاءه: "أنت الدون، ومقاليد العائلة كلها في يدك. ولا أتصور أن امرأة تجرؤ على أن تصنع بك ذلك".فاستدار إليّ وأطال النظر، وعلى شفتيه ابتسامة غريبة. "قد يُفاجئكِ الأمر".وأقلقني تحديقه.فقلت، ألتمس جوابًا مأمون العاقبة: "حسنًا... لعل تلك المرأة لم تعرف حقيقة قلبها بعد".فتمتم، وفي صوته إحساس لم أهتد إلى كنهه: "حقًّا؟"ولم تلبث السيارة أن بلغت البناية التي أسكنها.قلت وأنا أتهيأ للنزول: "شكرًا لك على هذه اللي

  • راسلتُ دون المافيا رسائل حميميّة بالخطأ   الفصل الرابع

    انعقد حاجبا أليساندرو وهو يراني أنظر إلى ماركو. ولم يزد كلمة، بل أخذ يسحب نظره عني على مهل.وعاد فجلس على الأريكة، يقلب صفحات تقريري."هذا عمل جيد؛ بل كامل لا مأخذ عليه".ابتهج وجه ماركو، وقال: "حقًّا يا دون؟"قال أليساندرو بصوت هادئ يفيض استحسانًا: "هذا أدق تحليل للسوق وقع عليه بصري قط. وللمهارة التي تتمتع بها الآنسة ليليانا ما يبعث على الإعجاب".غمرتني زهوة اعتزاز؛ فما ثناء الدون نفسه بالأمر الهيّن.وانفرج جو المجلس، حتى جرؤ ماركو على المزاح فقال: "أيها الدون! هذه أول مرة أراك فيها تلاطف امرأة إلى هذا الحد. فأنت في العادة لا تطيق النساء..."وانقطع صوته حين رماه أليساندرو بنظرة باردة جامدة، فانكمش ماركو في مقعده.وألقيت على أليساندرو نظرة يملؤها الفضول.هل يكره الدون النساء؟فلماذا وقف مني على ذلك القرب منذ لحظات؟قال أليساندرو ملتفتًا إليّ: "ليليانا! أحتاج إلى رفيقة تصحبني الليلة في مأدبة عشاء مهمة للعمل، وستأتين معي".لم يكن يسألني؛ بل كان يأمرني.فأسرعت أقول: "بالطبع، يشرفني ذلك".قال أليساندرو وهو ينهض: "حسنًا. سيتولى مساعدي إعداد كل شيء لك. لاقيني في البهو عند السادسة".وبعد ساعت

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status