Home / المدينة / زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب / الفصل السابع: رماد الصمت و الندم الخفي

Share

الفصل السابع: رماد الصمت و الندم الخفي

last update publish date: 2026-08-18 07:10:10

مرت الساعات التي تلت توقيع عقد الأرض المشؤوم ثقيلة كالجبال على قصر عائلة السيوفي. دخلت "إليف" إلى جناحها وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح، وسمحت لأول مرة لدموعها المحبوسة أن تنهمر بحرقة على وجنتيها. لم تكن تبكي ضعفاً، بل كان بكاء كبرياء مجروح، بكاء فتاة وجدت نفسها مجبرة على التوقيع على صك انكسار عائلتها وهدم هيبة والدها لحماية عنق شقيقها الطائش. جلست على الأرض الباردة خلف الباب، وسندت رأسها للخلف وأقسمت في سرها ألا تظهر أمام هذا الرجل مجدداً إلا ووجهها كقناع من جليد لا ينبض بأي مشاعر.

في المكتب السفلي، لم تكن الأجواء أفضل حالاً. كان "جاسر" يجلس خلف مكتبه، والأوراق الموقعة أمامه، لكنه لم يشعر بلذة الانتصار التي كان يخطط لها. كلمات إليف الأخيرة وهي تقول له: "لقد أخذت الأرض، لكنك خسرت فرصة أن ترى فيّ زوجة حقيقية"، كانت تتردد في عقله كضربات ناقوس مستمرة. نظر إلى القلم الذي رمته بعنف، وشعر لأول مرة بضيق غريب في صدره، وشيء يشبه الندم تسلل إلى قلبه الصلب، فهو لم يرغب في أن يظهر أمامها كـ "سارق" يستخدم التهديد، بل كان يحاول فقط إرضاء كبرياء عشيرته الجريحة بدم شقيقته.

في صباح اليوم التالي، طرقت السيدة "أمينة" (والدة جاسر) باب مكتبه ودخلت بملامحها الحزينة والوقورة. نظرت إلى ابنها المجهد وقالت بنبرة حنونة ولكن حازمة: "سمعتُ بما حدث البارحة يا جاسر، وسمعتُ أنك أجبرت بنت الراوي على التنازل عن أرض عائلتها. يا بني، نحن أصحاب حق، والدم الذي سُفك هو دم ابنتي ونبض قلبي، لكن الأعراف والعشائر تعرف أن الفتاة دخلت بيتنا كدية وحقناً للدماء، والضغط عليها بهذا الشكل لسلب أملاك والدها قد يجعل الوجهاء ينظرون إلينا بنظرة ظلم، ونحن عائلة السيوفي لا نقبل أن يقال عنا ظالمين". صمت جاسر قليلاً، ثم وضع يده على جبهته وقال بصوت متحشرج: "أنا لم أفعل هذا طمعاً في الأرض يا أمي، كنت أريدهم أن يشعروا بحجم الخسارة التي عشناها، أردت كسر كبريائهم الذي يتبجحون به".

أخذت إليف قراراً بالعزلة التامة؛ فلم تعد تنزل إلى المطبخ حتى في الليل، وصارت تطلب من الخدم وضع طعامها عند باب غرفتها وتتناوله بصمت. مرت ثلاثة أيام وجاسر لم يلمح طيفها في القصر، وهو الأمر الذي جعله يفقد تركيزه تماماً في عمله ويشعر بالجنون من هذا الصمت المرعب الذي فرضته عليه. وفي المساء الرابع، وبينما كان يقف في ردهة الطابق العلوي، رأى رئيسة الخدم وهي تحمل صينية الطعام كما هي دون أن تلمسها إليف. أوقفها جاسر بغضب وسألها: "لماذا يعود الطعام كما هو؟". ردت الخادمة بخوف: "يا جاسر بيه، السيدة إليف لم تذق الطعام منذ يومين، وتكتفي بشرب الماء فقط، ورفضت فتح الباب لنا".

اشتعل الغضب والقلق في قلعب جاسر دفعة واحدة. أخذ صينية الطعام من يد الخادمة وأمرها بالانصراف، ثم تقدم نحو جناح إليف بخطوات ثقيلة وعنيفة. ضرب الباب بيده عدة مرات وصاح بآمر: "إليف! افتحي الباب فوراً!". لم يأته أي رد، بل ساد صمت مطبق زاد من جنونه. لم يتحمل جاسر هذا التحدي والصمت، فضغط على مقبض الباب بعنف واكتشف أنه مغلق من الداخل، فراجع خطوتين للخلف ودفع الباب بكتفه الضخم القوي مرة وتلو الأخرى حتى انكسر القفل الخشبي وانفتح الباب بعنف يرتعد له المكان.

دخل جاسر الغرفة وعيونه تبحث عنها، ليجدها مستلقية على المقعد الطويل بجانب النافذة، وجهها شاحب كالموت، وعيونها الواسعة ذابلة وتنظر إلى الفراغ في الخارج دون أن تلتفت إليه حتى بعد كسر الباب. تقدم منها وجلس على ركبتيه أمامها ليصبح بمستوى نظرها، ووضع صينية الطعام جانباً ثم قال بنبرة دمجت بين الغضب الباقي والقلق الخفي: "ما الذي تظنين نفسكِ فاعلة؟ هل تحاولين الانتحار جوعاً في قصري لكي تلصقي بي تهمة تعذيبكِ؟ خوضكِ لمعركة الأمعاء الخاوية هذه لن يعيد الأرض ولن يغير من الواقع شيئاً، قومي وتناولي طعامكِ فوراً!".

التفتت إليف إليه ببطء شديد، ونظرت في عينيه بنظرة باردة جداً خالية من أي خوف أو حياة، وقالت بصوت خافت وضعيف لكنه حاد كالشفرة: "جسدي ملكك بقوة قوانينك وعقودك يا جاسر بيه، يمكنك أن تأمر الحراس بإجباري على الأكل، أو يمكنك تركي أموت، فهذا الأمر لم يعد يهمني مطلقاً. أنت سلبتني حريتي، وسلبت عائلتي أرضها وكبرياءها، ولم يتبقَ لي شيء أخسره سوى هذه الروح، وإن خرجت من جسدي فستكون أنت القاتل أمام الله وأمام العشائر، وحينها لن ينفعك نفوذك ولا سلاحك لغسل هذه الوصمة". صدمت الكلمات جاسر في مقتل، ونظر إلى وجهها الشاحب وعلم أنها لا تمثل بل تعني كل كلمة تقولها، وفي تلك اللحظة، شعر الحصن المنيع لقلبه وهو يتصدع بالكامل أمام تضحيتها وكبريائها الأسطوري.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل الحادي والعشرون و الأخير: فجر العهد الجديد

    مرت الشهور ثقيلة كالعواصف، لكنها حملت في طياتها التطهير الكامل لقصر عائلة السيوفي. بعد إحباط المكيدة الدنيئة، لم يرحم "جاسر" أحداً ممن تلطخت أيديهم بقطرة حقد ضد زوجته وطفله المنتظر؛ فقد استأصل جذور الفتنة وقضى على نفوذ عمه الخائن ورجاله تماماً، فارضاً سيادة مطلقة لا تجرؤ أي قوة في العشيرة على زلزلتها. وبقدر ما كان وحشاً كاسراً في مواجهة أعدائه، كان مع "إيف" واحة من الحنان والهوس الدافئ، يحيطها برعاية مفرطة ويعد الأيام والدقائق ليرى ثمرة حبهما. وجاءت ليلة المخاض في شتاء قارص، ليلة حبس فيها القصر أنفاسه مجدداً. كان جاسر يذرع الرواق المؤدي إلى الغرفة بخطوات مضطربة، وعروق عنقه بارزة من فرط الخوف والتوتر، بينما السيدة "أمينة" في الداخل تشرف على الولادة. لأول مرة، شعر الرجل الطاغية بالضعف أمام القدر، يدعو بكل جوارحه أن تخرج حبيبته سالمة. ومع بزوج الفجر، شق سكون القصر صوت بكاء حاد ونقي، صوت أعلن ولادة وريث العشيرتين. اندفع جاسر إلى الداخل كالإعصار، متجاوزاً الجميع، ليتسمر في مكانه وعيناه تلمعان بدموع حبسها لسنوات. كانت إيف تستلقي على الفراش الأبيض، شاحبة ولكنها تشع بجمال ونبل أسطوري،

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل الثامن عشر: اقتلاع الأنياب

    لم تكد تمر ساعات قليلة على فضيحة ليلة عشاء الصلح وإحباط مكيدة العصير المسموم، حتى تحول قصر عائلة السيوفي إلى ثكنة عسكرية يملأها الرعب. لم يكن "جاسر" رجلاً ينام على إهانة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمحاولة إنهاء حياة وريثه وتسميم زوجته "إيف"؟ كان هوسه بها يتغذى على هذا الخطر، محولاً إياه إلى إعصار مدمر لا يبقي ولا يذر. في قبو القصر المظلم، حيث لا يصل شعاع الشمس، كان العم الأكبر "أبو طارق" يجلس مقيداً إلى كرسي حديدي، والذعر قد أكل ما تبقى من كبريائه الزائف بعد أن حاصره رجال جاسر واعتقلوه مع رجاله في عتمة الليل. انفتح الباب الحديدي الثقيل ليدخل جاسر بخطوات بطيئة ومنتظمة، تُحدث ضربات حذائه على الأرض رنيناً مرعباً في السكون. كان قميصه الأسود مفتوحاً عند العنق، وعيناه تشعان بنور أحمر قاتم يشبه جمر الجحيم. لم ينطق بكلمة؛ بل تقدم وعلامات الجبروت تعلو ملامحه الشامخة، وسحب كرسياً وجلس قبالة عمه، واضعاً يديه القويتين على ركبتيه. قال أبو طارق بنبرة ترتجف محاولاً استجداء العاطفة العشائرية: — "جاسر.. أنا عمك، وكبير العائلة بعد والدك الراحل! لا يمكنك معاملتي كخائن من أجل فتاة غريبة.. الدم ل

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل العشرون: مواسم الفرح الشامل

    لم يكن قصر عائلة السيوفي قادراً على استيعاب كل هذه الفيضانات من البهجة؛ فعواصف السنين تلاشت في أيام معدودة، وحلّ مكانها ربيع دافئ طال انتظاره. كان قرار "جاسر" حاسماً ومزلزلاً للبلدة بأكملها: إقامة أكبر احتفال شهده تاريخ العشائر، ليس فقط للاحتفال بقرب وصول وريثه من زوجته المحبوبة "إيف"، بل لإعلان المعجزة الكبرى أمام الملأ.. عودة شقيقته "نور" حية ترزق، وسقوط كل قطرة ثأر أو دم قديم بين العائلتين للأبد. في بهو القصر والحدائق الشاسعة التي زُينت بالأنوار المبهجة والأقمشة الحريرية الفاخرة، اجتمع كبار العشائر من كل حدب وصوب. وكان على رأس الحاضرين "ساهر"، شقيق إيف، الذي أقبل وعلى وجهه ابتسامة ارتياح عارمة؛ فقد زال عن كاهل عائلته عبء ذنب لم يقترفوه، وصار وقوفه بجانب جاسر وقوف حليف وصهر مخلص، لا أسير صكوك وأوراق. تقدم جاسر بجسده الضخم الشامخ ممسكاً بيد إيف التي كانت تبدو كحورية هاربة من الأساطير بفستانها المخملي الذي يبرز معالم حملها المتقدم بشكل ساحر ومتألق. وقف جاسر وسط الديوان الكبير، ورفع يده معلناً الصمت، ثم قال بصوت جهوري هز القلوب: — "يا كبار عشيرتنا وأهلنا.. جئنا اليوم لنعلن أن ر

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل التاسع عشر: عودة الروح

    بعد العاصفة التي اقتلع فيها "جاسر" أنياب الفتنة وطرد عمه الخائن، حلّ على قصر عائلة السيوفي هدوء دافئ لم يعهده أحد من قبل. كانت أشهر الحمل تمر بسلام، و"إيف" تشع جمالاً ونبلًا وهي تتحرك بين جدران القصر كملكة متوجة، يحيطها جاسر بهوس وحماية مفرطة يوماً بعد يوم. لكن القدر كان يخبئ لهما مفاجأة تفوق كل الخيالات، مفاجأة ستغسل رماد الندم القديم بالكامل. في صباح أحد الأيام المشمسة، توقفت سيارة سوداء فاخرة غريبة أمام البوابة الرئيسية للقصر. ترجل منها شاب وقور ذو ملامح هادئة ببدلة رسمية، لكن المفاجأة الصادمة كانت في من خرجت خلفه من السيارة؛ فتاة في مقتبل العمر، ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً، وتمشي بخطوات بطيئة مستندة على ذراعه. كانت السيدة "أمينة" تقف في الشرفة العلوية برفقة إيف، وبمجرد أن وقعت عيناها على ملامح الفتاة، سقط كوب الشاي من يدها ليتناثر زجاجاً على الأرض، وشحب وجهها كالرماد وهي تهمس بصوت واهن يرتجف: — "غير معقول.. مستحيل! إنها.. إنها ابنتي (نور)؟!". نزلت السيدة أمينة وإيف ركضاً نحو البهو السفلي، وفي نفس اللحظة خرج جاسر من مكتبه على إثر جلبة الحراس. تجمّدت الدماء في عروق جاسر، وات

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل السابع عشر: أنياب تحت عباءة الود

    لم تكن انحناءة شيوخ العشيرة أمام خبر حمل "إيف" سوى هدنة مؤقتة، ورداء مزيف من الفرح والسرور ارتداه البعض ليفسحوا المجال لمؤامرة أكثر دهاءً وقسوة. فبينما كانت السيدة "أمينة" غارقة في ترتيبات استقبال حفيدها القادم، وكان "جاسر" يحيط زوجته بهوس وحماية لم يسبق لها مثيل، كانت هناك أعين مظلمة تراقب هذا الاستقرار بحقد يغلي. لقد أدرك الطامعون في نفوذ عائلة السيوفي، وعلى رأسهم "أبو طارق" (العم الأكبر لجاسر)، أن ولادة هذا الطفل تعني شيئاً واحداً: نهاية صراع الدم والعشائر للأبد، وتوحد عائلتي الراوي والسيوفي تحت راية وريث واحد. هذا الاتحاد كان سيقضي تماماً على أحلام العم في السيطرة على مجلس العشيرة واقتسام أراضي الحدود المتنازع عليها، لذا قرر أن يُحبط هذا السلام بمكيدة دنيئة تصيب جاسر في مقتل.. عبر إيف وجنينها. استغلت الأيدي الخفية ليلة "عشاء الصلح الكبرى" التي أقامتها العشيرة في ديوان العائلة لإعلان انتهاء الخلافات رسمياً. كان الديوان يغص بالحضور، والابتسامات المنافقة تعلو الوجوه. جلس جاسر بجانب إيف التي كانت تشع وداً ورقة وهي ترتدي ثوباً مخملياً فضفاضاً يخفي معالم حملها الأولي، بينما عيون ج

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل السادس عشر: مهد السلام الجديد

    وقع خبر الحمل على شيوخ العشيرة كالصاعقة التي شلت حركتهم وألجمت ألسنتهم. تحول بهو قصر عائلة السيوفي من ساحة حرب تغلي بالوعيد والتهديد بمقتل طارق، إلى صمت مهيب ومطبق. كانت النظرات تتركز بذهول على يد "إيف" المستقرة بحنو فوق بطنها، ثم تنتقل إلى "جاسر" الذي كان يقف كالجبل الشامخ، محيطاً خصر زوجته بذراعه القوية في مشهد تملك واضح يعلن فيه للجميع أن المساس بها أو بطفلها هو مساس بحياته شخصياً. بدأت همسات الشيوخ تتعالى، فالأعراف العشائرية الصارمة التي يحكمون بها تنص على أن وريث القصر القادم يحمل حصانة مطلقة، وأن مجرد التفكير في إشعال حرب دم قد تؤذي الأم أو الجنين يُعد خطيئة لا تغفرها العائلات. تقدم كبير الشيوخ بخطوات وقورة، ونظر إلى جاسر ثم إلى إيف، وتنهد بعمق قائلاً بنبرة تلاشت منها العدائية وحل مكانها التسليم: — "لقد حسمتِ الأمر يا سيدة إيف.. وجئتِ بما يخرس الألسن ويحقن الدماء. طارق أخطأ في حق العرض والدم، وموته كان نتيجة طيشه وخيانته للأعراف. واليوم، هذا الطفل القادم يحمل دماء عائلة السيوفي وعائلة الراوي معاً.. إنه مهد السلام الجديد بيننا، ولن يسمح أحد منا بأن تمسه يد بسوء". أومأ بقي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status