زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب

زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب

last updateLast Updated : 2026-08-20
By:  زهرة الأوركيد Updated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
21Chapters
14views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في مدينة لا تحكمها سوى سلطة العشيرة وقوة الدم، تتبدل الأقدار في ليلة مشؤومة واحدة. حادث سير غير متوقع يرتكبه شقيق (إليف) الطائش يودي بحياة شقيقة الملياردير الصارم وزعيم العشيرة (جاسر السيوفي). ولأن الدم لا يُغسل إلا بالدم أو بالدية، تُساق إليف كـ كفارة حية لإنقاذ عنق شقيقها من حبل المشنقة، مجبرة على دخول قصر السيوفي كزوجة تحت رحمة رجل لا يعرف قلبه سوى الرغبة في الانتقام. بين جدران قصر بارد كالجحيم، تنطلق شرارة مواجهة حارقة؛ فجاسر أقسم على كسر كبريائها وتذويقها الويلات، بينما إليف تقسم على ألا تنحني رأسها المرفوعة أبداً. فهل ستنجح قسوة جاسر في تحطيم كبرياء ابنة الراوي؟ أم أن صفقة الدم هذه ستتحول تدريجياً إلى صفقة العمر التي تأسر قلوبهما المتمردة؟"

View More

Chapter 1

الفصل الأول: ثمن الدم

في تلك المدينة القاسية التي لا تعترف بالقوانين الوضعية بقدر ما تعترف بقوة النفوذ وسلطة الدم، كانت عائلتا "الراوي" و"السيوفي" بمثابة القطبين اللذين يتحكمان في كل شيء. هما أكبر عشيرتين تتقاسمان السيطرة والهيبة، ورجالهما لا تنحني رؤوسهم لأحد.

في قصر عائلة الراوي، كان الهدوء الخادع يلف الأركان، هدوء يشبه تماماً ذلك الذي يسبق العواصف المدمرة. كانت "إليف" تقف خلف نافذة غرفتها الواسعة في الطابق العلوي، تراقب انعكاس ضوء القمر على الأشجار الشاهقة المحيطة بالباحة. إليف، تلك الفتاة التي وهبها الله جمالاً نادراً يمتزج بكبرياء العشيرة وقوة شخصيتها المستمدة من جذورها العريقة، كانت تشعر بانقباض مفاجئ في صدرها، وكأن هواء الليلة يحمل بين طياته نذير شؤم يوشك أن يقتلع استقرار حياتها من جذوره.

قطع هذا السكون المميت صوت فرملة سيارة عنيفة واحتكاك إطاراتها بالحصى في الباحة الخارجية، تلاه صوت اصطدام قوي بجدار البوابة الداخلية. لم تمر دقائق معدودة حتى انفتح باب القصر الرئيسي بعنف يرتعد له الحجر، واندلع صراخ وهلع لم تعهده العائلة من قبل.

نزلت إليف الدرج بسرعة البرق وأنفاسها تتلاحق برعب، لتنصدم بالمشهد الذي تجمعت حوله العائلة: شقيقها الأكبر يرتملي على الأرض بملابس ممزقة، يرتجف بهستيرية وتفوح منه رائحة الخمر الكريهة، ويداه الملطختان بالدماء ترتعشان وهو يصرخ بجنون: "لقد ماتت... لم أقصد ذلك! كانت تخرج من سيارتها وصدمتها... لقد ماتت!". ساد صمت مرعب شل أركان الجميع، وخاصة عندما نطق الشقيق بالاسم الذي جعل الدماء تجف تماماً في عروق والده: "الفتاة التي صدمتها... هي شقيقة جاسر السيوفي... أميرة عائلة السيوفي المدللة".

على الجانب الآخر من المدينة، وفي قصر عائلة "السيوفي"، تحول السكون فجأة إلى جحيم مستعر ونار لا تنطفئ. كان "جاسر" يقف في منتصف قاعة القصر الكبرى، بجسده الضخم الذي يشبه الصخر المنيع، ملامحه الحادة تجمدت وصارت كالموت نفسه من شدة الصدمة والغضب. أمامه، كان جسد شقيقته الصغرى ونبض قلبه مسجى بلا حراك، بعد أن غادرت روحها الحياة في ذلك الحادث المشؤوم.

صراخ والدته ونحيب نساء العشيرة كان يمزق جدران المكان، لكن صمت جاسر كان هو الشيء الأكثر رعباً، صمت كالعاصفة التي تجمع قواها لتبيد الأخضر واليابس. برزت عروق عنقه بعنف، واشتدت قبضته على سلاحه وهو ينظر إلى كبار رجاله وعيونه تشتعل شراً قائلاً بنبرة تقطر قسوة: "دم شقيقتي لن يذهب هدراً... عائلة الراوي ستدفع الثمن حرقاً، وسأبيد نفوذهم بيدي هاتين، ولن ينام لي جفن حتى أرى رؤوسهم تحت قدمي!"

كادت المدينة أن تنزلق نحو حرب شوارع طاحنة وبحر من الدماء لا نهاية له بين أكبر قوتين، لولا تدخل حكماء البلاد ووجهاء العشائر الأخرى الذين هرعوا على وجه السرعة لإيقاف الكارثة قبل فوات الأوان.

وفي ديوان عائلة السيوفي، وتحت ضغط الوجهاء لمنع الفتنة، تقدم كبير عائلة الراوي برأس منكسر يملؤه الخزي، يعرض أي فدية، أو أموال، أو أراضٍ تطلبها عشيرة السيوفي مقابل العفو عن ابنه المستهتر وحمايته من القتل. وهنا، ساد صمت رهيب وضاغط في القاعة، وتقدم جاسر بخطوات ثابتة وثقيلة، ونظراته حادة كالصقر تخترق الحاضرين، ثم قال بصوت هز أرجاء الديوان وهو يضع شرطه الوحيد والصادم: "لا نريد أموالكم، وأرواحنا لا تُشترى بالذهب. شقيقتي ذهبت تحت التراب، ولن يخرج ابنكم من السجن إلى الموت إلا بشرط واحد لا ثانٍ له... تقدمون لي ابنتكم (إليف) لتكون دية وزوجة لي، تدخل قصري برأس منكسر، وتعيش تحت رحمتي وطوع أمري لتدفع ثمن ذنب شقيقها... وإلا، فليستعد ابنكم للموت، ولتستعد عشيرتكم للحرب!"

وصل الخبر الصادم إلى قصر الراوي كالصاعقة التي هدمت كل شيء. دخل الأب إلى غرفة ابنته إليف، وعيونه مليئة بدموع العجز والهزيمة التي لم تره بها من قبل. ارتمى على المقعد وأخبرها بالشرط الرهيب الذي وضعه جاسر السيوفي لإنقاذ عنق شقيقها من حبل المشنقة ومن رصاصات الانتقام.

في تلك اللحظة، شعرت إليف وكأن الأرض تدور بها، وضاق التنفس في صدرها. نظرت إلى والدها العاجز، ثم إلى والدتها التي تبكي بحرقة في الزاوية مستنجدة بها لإنقاذ ابنها. وقعت إليف في صراع داخلي مرير؛ فإما أن ترفض وتحافظ على حريتها ومستقبلها وتترك شقيقها لمصيره المحتوم وتشتعل الحرب، وإما أن تضحي بنفسها وتدخل بكبرياء عائلتها إلى عرين الأسد، لتصبح زوجة مجبرة تحت رحمة رجل لا يعرف قلبه سوى الرغبة في الانتقام. مسحت دمعة تمردت على وجنتها، ورفعت رأسها بكبرياء قائلة بصوت متحشرج لكنه ثابت: "سأوافق يا أبي... سأذهب إلى قصر جاسر السيوفي، لكنني لن أدخله منكسرة الرأس أبداً".

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
21 Chapters
الفصل الأول: ثمن الدم
في تلك المدينة القاسية التي لا تعترف بالقوانين الوضعية بقدر ما تعترف بقوة النفوذ وسلطة الدم، كانت عائلتا "الراوي" و"السيوفي" بمثابة القطبين اللذين يتحكمان في كل شيء. هما أكبر عشيرتين تتقاسمان السيطرة والهيبة، ورجالهما لا تنحني رؤوسهم لأحد. في قصر عائلة الراوي، كان الهدوء الخادع يلف الأركان، هدوء يشبه تماماً ذلك الذي يسبق العواصف المدمرة. كانت "إليف" تقف خلف نافذة غرفتها الواسعة في الطابق العلوي، تراقب انعكاس ضوء القمر على الأشجار الشاهقة المحيطة بالباحة. إليف، تلك الفتاة التي وهبها الله جمالاً نادراً يمتزج بكبرياء العشيرة وقوة شخصيتها المستمدة من جذورها العريقة، كانت تشعر بانقباض مفاجئ في صدرها، وكأن هواء الليلة يحمل بين طياته نذير شؤم يوشك أن يقتلع استقرار حياتها من جذوره. قطع هذا السكون المميت صوت فرملة سيارة عنيفة واحتكاك إطاراتها بالحصى في الباحة الخارجية، تلاه صوت اصطدام قوي بجدار البوابة الداخلية. لم تمر دقائق معدودة حتى انفتح باب القصر الرئيسي بعنف يرتعد له الحجر، واندلع صراخ وهلع لم تعهده العائلة من قبل. نزلت إليف الدرج بسرعة البرق وأنفاسها تتلاحق برعب، لتنصدم بالمشهد الذي
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل الثاني: عرين الأسد
لم يكن زفافاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كان أشبه بجنازة مهيبة وصامتة تماماً. لم تكن هناك زغاريد ملونة تملأ الأفق لتعلن عن فرحة قلبين، ولا أضواء مبهجة تتراقص على الجدران لتسر الناظرين وتطرد وحشة المكان، ولا حتى معازيم يبتسمون ويباركون هذا القران الموعود بالبؤس والدموع. كان الحاضرون جميعاً مجرد شهود جامدين، ملامحهم خالية من أي تعاطف إنساني، يجلسون كالتماثيل الصخرية لينظروا إلى "صفقة دم" عُقدت بين أكبر وأقوى عائلتين في هذه المدينة الضخمة. صفقة كُتبت بنبرات التهديد والوعيد، ودُفع ثمنها غالياً ومقدماً من حريتها المستلبة وروحها النقية التي لم تقترف ذنباً. ارتدت "إليف" فستاناً أبيض بسيطاً للغاية، تفاصيله هادئة وخالية تماماً من أي مظاهر فرح أو بهجة برّاقة تليق بعروس، وكأنها ترتدي كفن أحلامها بيديها المستسلمتين للقدر المحتوم. وضعت طرحتها البيضاء الثقيلة المصنوعة من الدانتيل الناعم على وجهها بعناية فائقة، لا لتبدو كعروس خجولة في ليلة العمر، بل لتخفي وراء نسيجها السميك ملامح صمود غريبة وقاسية. كانت ملامح مصطنعة تحاول جاهدة رسم القوة والثبات أمام أعين الشامتين والخصوم، لكنها في الحقيقة كانت تخ
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل الثالث: قوانين القصر و القلوب الباردة
الفصل الثالث: قوانين القصر والقلوب الباردة مع خيوط الفجر الأولى التي تسللت عبر ستائر الجناح الداكنة، فتحت "إليف" عينيها لتجد نفسها في عالم غير عالمها. لم تكن هذه غرفتها الدافئة في قصر عائلتها، بل كانت جدراناً باردة تحيط بها من كل جانب لتذكرها بمصيرها الجديد كـ "دية" دم. استقامت في فراشها والوجع يعتصر قلبها، لكنها سرعان ما نفضت عنها آثار الضعف، ونهضت لتغسل وجهها بالماء البارد، مستجمعة كل قواها وكبريائها لمواجهة اليوم الأول في قصر "جاسر السيوفي". ارتدت فستاناً بسيطاً وأنيقاً، ورفعت شعرها الأسود الطويل بثبات، مؤكدة لنفسها أنها لن تسمح لأحد في هذا المكان بأن يرى انكسارها أو يسمع أنينها. فتحت باب الجناح ونزلت السلالم الرخامية الضخمة بخطوات واثقة وهادئة، صدى حذائها كان يتردد في أرجاء القصر الصامت كالجنازة. عندما وصلت إلى الصالة الرئيسية، قادتها خطواتها نحو قاعة الطعام الكبرى حيث تجتمع العائلة. هناك، كانت الطاولة الطويلة مليئة بأصناف الطعام، وتجلس في صدرها والدة جاسر، السيدة "أمينة"، وبجانبها شقيقاته. كانت علامات الحزن الشديد والوشاح الأسود يكسو السيدة الكبيرة التي لم تجف دموعها بعد على رح
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل الرابع: خيوط الصراع المشتعلة
مرت الأيام الأولى على "إليف" داخل قصر عائلة السيوفي وكأنها دهر كامل. كانت الجدران العالية المحيطة بالمكان تبدو لها كقضبان سجن غير مرئي، لكنها حافظت على عهدها الصارم مع نفسها؛ لا دموع، لا شكوى، ولا انحناء. التزمت بقرار جاسر وتناولت وجباتها بمفردها داخل جناحها المعزول، بعيداً عن نظرات الكراهية والغل التي كانت تملأ أعين العائلة في الطابق السفلي. ومع ذلك، لم يكن هذا السكون ليدوم طويلًا في قصر يملؤه الغضب المكتوم والأسرار الحارقة. في ليلة عاصفة وشديدة البرودة، حيث كانت حبات المطر الغزيرة تضرب زجاج النوافذ الضخمة بعنف أصاب أركان القصر بالوحشة، لم تستطع إليف النوم. شعرت باختناق شديد يحبس أنفاسها، وصراع داخلي يعصف بذهنها وهي تفكر في مستقبلها الضائع وعائلتها التي حُرمت منها. قررت النزول إلى المطبخ الرئيسي في الطابق السفلي لتجلب كوباً من الماء البارد، لعله يهدئ من روع أفكارها المشتعلة. نزلت السلالم الرخامية بخطوات خفيفة وهادئة كشبح يتحرك في عتمة الليل، وكان القصر غارقاً في ظلام دامس لا يكسره سوى وميض البرق الذي يضيء الردهات بين الحين والآخر عبر النوافذ الطويلة. عندما دخلتإلى المطبخ وسكبت الم
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل الخامس: إختبار الكبرياء
في صباح اليوم التالي، انطلقت حركة غير عادية في قصر عائلة السيوفي. كان الخدم يتحركون بسرعة البرق بتوجيهات صارمة من رئيسة الخدم، فالقصر يستعد لاستقبال حدث هام الليلة؛ عشاء رسمي كبير يجمع كبار وجهاء العشائر ورجال الأعمال في البلاد، وهو اجتماع يعقده جاسر سنوياً لتأكيد نفوذه وسيطرته فرضاً لهيبته وسطوته في السوق. وجد جاسر في هذا الحدث فرصة ذهبية لوضع كبرياء إيليف تحت اختبار حقيقي وقاسٍ أمام الجميع، فأمر رئيسة الخدم بطلب حضورها إلى مكتبه الخاص فوراً دون أي تأخير لتواجه مصيرها الجديد في هذا البيت. دخلت إيليف إلى المكتب بخطواتها الواثقة المعتادة، لتجده يجلس خلف مكتبه الخشبي الفخم وعيونه تحاصرها ببرود مريب كعاصفة صامتة. وضع القلم من يده وقال بنبرة تحمل تحدياً مبطناً: "الليلة سيجتمع كبار رجال البلاد في هذا القصر. وبما أنكِ تحملين اسمي كزوجة أمام المجتمع، فلن أسمح بأي تقصير يمس هيبة عائلتي ومكانتي. أمرتُ بأن تكوني أنتِ المشرفة الكاملة على تفاصيل هذا العشاء، من تنسيق القاعة الكبرى إلى اختيار أصناف الضيافة الفاخرة التي تليق بعشيرة السيوفي العريقة. أريد أن أرى إن كانت ابنة الراوي تجيد شيئاً آخر غي
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل السادس: مواجهة خلف الأبواب المغلقة
لم يكن جاسر معتاداً على الهزيمة، ولم يسبق لأحد في هذه المدينة أن تحدى سطوته أو وقف في وجه قراراته كما فعلت "إليف" الليلة الماضية في العشاء الرسمي. كلمات كبريائها الأخيرة كانت لا تزال تتردد في مسامعه كالنيران، تشعل في قلبه مزيجاً غامضاً من الغيظ الشديد والفضول القاتل. ومع بزوغ شمس اليوم الجديد، قرر جاسر اتخاذ خطوة أخرى لإخضاع هذه الروح المتمردة وإجبارها على تذكر مكانتها الحقيقية في قصره. أرسل جاسر حارسه الشخصي ليطلب من إليف الحضور فوراً إلى جناحه الخاص في الطابق العلوي، وهو مكان لم تطأه قدمها من قبل ويُعد بمثابة محرابه السري الصارم. تركت إليف ما في يدها، وعدلت من وقفتها وصعدت السلالم بهدوء، ونبضات قلبها تتسارع مع كل خطوة تقترب فيها من عرينه، لكن ملامح وجهها ظلت جامدة وقوية كعادتها. طرقت الباب طرقة واحدة وثابتة، وجاءها صوته الرجولي العميق والآمر من الداخل: "ادخلي". فتحت الباب وخطت إلى الداخل لتجد الجناح واسعاً جداً، تسوده الألوان الرمادية والسوداء، ويخلو من أي مظاهر رفاهية باستثناء مكتبة خشبية ضخمة تمتد على طول الجدار. كان جاسر يقف خلف نافذته الزجاجية الكبيرة يراقب الأرض الشاسعة، وم
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل السابع: رماد الصمت و الندم الخفي
مرت الساعات التي تلت توقيع عقد الأرض المشؤوم ثقيلة كالجبال على قصر عائلة السيوفي. دخلت "إليف" إلى جناحها وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح، وسمحت لأول مرة لدموعها المحبوسة أن تنهمر بحرقة على وجنتيها. لم تكن تبكي ضعفاً، بل كان بكاء كبرياء مجروح، بكاء فتاة وجدت نفسها مجبرة على التوقيع على صك انكسار عائلتها وهدم هيبة والدها لحماية عنق شقيقها الطائش. جلست على الأرض الباردة خلف الباب، وسندت رأسها للخلف وأقسمت في سرها ألا تظهر أمام هذا الرجل مجدداً إلا ووجهها كقناع من جليد لا ينبض بأي مشاعر. في المكتب السفلي، لم تكن الأجواء أفضل حالاً. كان "جاسر" يجلس خلف مكتبه، والأوراق الموقعة أمامه، لكنه لم يشعر بلذة الانتصار التي كان يخطط لها. كلمات إليف الأخيرة وهي تقول له: "لقد أخذت الأرض، لكنك خسرت فرصة أن ترى فيّ زوجة حقيقية"، كانت تتردد في عقله كضربات ناقوس مستمرة. نظر إلى القلم الذي رمته بعنف، وشعر لأول مرة بضيق غريب في صدره، وشيء يشبه الندم تسلل إلى قلبه الصلب، فهو لم يرغب في أن يظهر أمامها كـ "سارق" يستخدم التهديد، بل كان يحاول فقط إرضاء كبرياء عشيرته الجريحة بدم شقيقته. في صباح اليوم التالي، طرقت
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل الثامن: رماد الهدنة و ثورة العتاب
— "لم أكسر أحداً يا أمي. التوقيع كان ضرورياً لتوثيق الصفقة بشكل قانوني ونهائي، حتى لا يفكر شقيقها الطائش بالتمرد مجدداً. أنا أحمي حقنا فحسب". كانت نبرة جاسر حاسمة كالعادة، يحاول إخفاء التخبط الداخلي الذي يعيشه خلف درع الواجب وحماية العائلة، إلا أن ملامح والدته لم تقتنع بكلماته المبررة، بل كانت تقرأ ما بين السطور وتدرك أن وليدها قد أقحم نفسه في معركة خاسرة لن يخرج منها معافى أبداً، معركة يكون الخصم فيها امرأة لا تملك ما تخسره سوى كرامتها الجريحة. نظرت إليه السيدة أمينة بنظرة عتاب طويلة ومحملة بنبرات اللوم، قبل أن تستدير وتغادر المكتب وهي تهمس بصوت واهن يحمل ثقل السنين والخيبة: — "لقد وثقت الصفقة بقوانين الأرض يا جاسر.. لكنك خسرت زوجتك قبل أن تبدأ حياتكما". تركت كلماتها خلفها كقنبلة موقوتة تتشظى في أرجاء المكتب الصامت، مغلقة الباب خلفها بهدوء، تاركةً إياه وحيداً يحدق في الفراغ، والورقة الموقعة أمامه تبدو فجأة بلا قيمة أمام حجم الخسارة غير المرئية التي تغلغلت في أركان قصر السيوفي. في الجناح العلوي، كانت "إيف" تقف أمام المرآة الكبيرة، تتأمل انعكاس صورتها بغرابة وكأنها ترى امرأة أخ
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل التاسع: شرارة خلف قناع الجليد
مرت أيام ثلاثة على ليلة توقيع العقد المشؤوم، أيام عاشها قصر عائلة السيوفي في صمت مطبق، أشبه بالهدوء الذي يعقب العواصف المدمرة. كان قناع الجليد الذي ارتدته "إيف" بمثابة حصن منيع لم يفلح كبرياء "جاسر" في اختراقه. لم تعد تنظر إليه، ولم تعد تجيب على استفزازاته إلا بإيماءات باردة أثارت جنونه أكثر من أي وقت مضى. شعر جاسر أنه رغم امتلاكه للأوراق والسيادة، إلا أنه بات الطرف الأضعف في هذه الهدنة الهشة. لكن ذلك الهدوء المصطنع كان على وشك الانهيار تمامًا في ذلك المساء. استيقظ القصر على حركة غير معتادة، فقد أصرت السيدة "أمينة" على إقامة مأدبة عشاء عائلية مصغرة، دعت إليها بعض الأقارب والمقربين من العشيرة لإضفاء مظهر طبيعي على هذا الزواج أمام مجتمعهم، ولتخفيف الاحتقان المستمر بين الجدران. لم يكن لجاسر أو إيف رغبة في هذه الواجهة المزيفة، لكن احترام السيدة أمينة فرض على الجميع الحضور. عند حلول السادسة مساءً، هبطت إيف درجات السلم بخطواتها الواثقة، وكانت ترتدي فستاناً مخملياً باللون الكحلي الداكن، يبرز شحوب بشرتها الأسطوري وجمالها النقي. لم تضع أي مساحيق، بل تركت شعرها ينسدل ببساطة على كتفيها، وكأن
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
الفصل العاشر : جنون التملك
انتهت مأدبة العشاء وغادر معظم الضيوف، لكن النيران التي اشتعلت في صدر "جاسر" لم تنطفئ، بل كانت تزداد سعيراً مع كل دقيقة تمر. كان يبحث عن "طارق" بعينين يشع منهما الغضب؛ فلم يكن رجلاً يمرر الأمور بسلام، خاصة إذا تعلق الأمر بـ "إيف" وبقناع الجليد الذي تكسر من أجل رجل آخر. في الرواق الخلفي المؤدي إلى حديقة القصر المظلمة، وجد جاسر ضالته. كان طارق يقف وحده يستنشق الهواء البارد، ممسكاً بهاتفه. تقدم جاسر بخطوات ثقيلة مدروسة، تحدث وراءها صوتاً عميقاً يقطع سكون الليل: — "يبدو أنك لم تفهم رسالتي جيداً في الداخل يا طارق.. أم أن سنوات الغربة أنستك كيف تحترم حدود غيرك؟". استدار طارق ببطء، ورغم المفاجأة، إلا أنه لم يظهر الخوف هذه المرة. تنهد بضيق مصلحاً سترة بدلتها، ورد بنبرة تحمل نوعاً من التحدي الهادئ: — "أنا لم أتجاوز حدودي يا ابن عمي. كل ما في الأمر أنني حييت زوجتك بتقدير تستحقه.. امرأة مثل إيف، بذكائها، وشموخها، وجمالها النقي، هي جوهرة مميزة لا تليق بأي رجل. لقد لفتت نظري منذ اللحظة الأولى". توقفت أنفاس جاسر لثانية، وضاقت عيناه الحادتان كصقر يوشك على الانقضاض، لكن طارق تابع وكأنه يلقي حطبا
last updateLast Updated : 2026-08-18
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status