LOGINفي مدينة لا تحكمها سوى سلطة العشيرة وقوة الدم، تتبدل الأقدار في ليلة مشؤومة واحدة. حادث سير غير متوقع يرتكبه شقيق (إليف) الطائش يودي بحياة شقيقة الملياردير الصارم وزعيم العشيرة (جاسر السيوفي). ولأن الدم لا يُغسل إلا بالدم أو بالدية، تُساق إليف كـ كفارة حية لإنقاذ عنق شقيقها من حبل المشنقة، مجبرة على دخول قصر السيوفي كزوجة تحت رحمة رجل لا يعرف قلبه سوى الرغبة في الانتقام. بين جدران قصر بارد كالجحيم، تنطلق شرارة مواجهة حارقة؛ فجاسر أقسم على كسر كبريائها وتذويقها الويلات، بينما إليف تقسم على ألا تنحني رأسها المرفوعة أبداً. فهل ستنجح قسوة جاسر في تحطيم كبرياء ابنة الراوي؟ أم أن صفقة الدم هذه ستتحول تدريجياً إلى صفقة العمر التي تأسر قلوبهما المتمردة؟"
View Moreمرت الشهور ثقيلة كالعواصف، لكنها حملت في طياتها التطهير الكامل لقصر عائلة السيوفي. بعد إحباط المكيدة الدنيئة، لم يرحم "جاسر" أحداً ممن تلطخت أيديهم بقطرة حقد ضد زوجته وطفله المنتظر؛ فقد استأصل جذور الفتنة وقضى على نفوذ عمه الخائن ورجاله تماماً، فارضاً سيادة مطلقة لا تجرؤ أي قوة في العشيرة على زلزلتها. وبقدر ما كان وحشاً كاسراً في مواجهة أعدائه، كان مع "إيف" واحة من الحنان والهوس الدافئ، يحيطها برعاية مفرطة ويعد الأيام والدقائق ليرى ثمرة حبهما. وجاءت ليلة المخاض في شتاء قارص، ليلة حبس فيها القصر أنفاسه مجدداً. كان جاسر يذرع الرواق المؤدي إلى الغرفة بخطوات مضطربة، وعروق عنقه بارزة من فرط الخوف والتوتر، بينما السيدة "أمينة" في الداخل تشرف على الولادة. لأول مرة، شعر الرجل الطاغية بالضعف أمام القدر، يدعو بكل جوارحه أن تخرج حبيبته سالمة. ومع بزوج الفجر، شق سكون القصر صوت بكاء حاد ونقي، صوت أعلن ولادة وريث العشيرتين. اندفع جاسر إلى الداخل كالإعصار، متجاوزاً الجميع، ليتسمر في مكانه وعيناه تلمعان بدموع حبسها لسنوات. كانت إيف تستلقي على الفراش الأبيض، شاحبة ولكنها تشع بجمال ونبل أسطوري،
لم تكد تمر ساعات قليلة على فضيحة ليلة عشاء الصلح وإحباط مكيدة العصير المسموم، حتى تحول قصر عائلة السيوفي إلى ثكنة عسكرية يملأها الرعب. لم يكن "جاسر" رجلاً ينام على إهانة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمحاولة إنهاء حياة وريثه وتسميم زوجته "إيف"؟ كان هوسه بها يتغذى على هذا الخطر، محولاً إياه إلى إعصار مدمر لا يبقي ولا يذر. في قبو القصر المظلم، حيث لا يصل شعاع الشمس، كان العم الأكبر "أبو طارق" يجلس مقيداً إلى كرسي حديدي، والذعر قد أكل ما تبقى من كبريائه الزائف بعد أن حاصره رجال جاسر واعتقلوه مع رجاله في عتمة الليل. انفتح الباب الحديدي الثقيل ليدخل جاسر بخطوات بطيئة ومنتظمة، تُحدث ضربات حذائه على الأرض رنيناً مرعباً في السكون. كان قميصه الأسود مفتوحاً عند العنق، وعيناه تشعان بنور أحمر قاتم يشبه جمر الجحيم. لم ينطق بكلمة؛ بل تقدم وعلامات الجبروت تعلو ملامحه الشامخة، وسحب كرسياً وجلس قبالة عمه، واضعاً يديه القويتين على ركبتيه. قال أبو طارق بنبرة ترتجف محاولاً استجداء العاطفة العشائرية: — "جاسر.. أنا عمك، وكبير العائلة بعد والدك الراحل! لا يمكنك معاملتي كخائن من أجل فتاة غريبة.. الدم ل
لم يكن قصر عائلة السيوفي قادراً على استيعاب كل هذه الفيضانات من البهجة؛ فعواصف السنين تلاشت في أيام معدودة، وحلّ مكانها ربيع دافئ طال انتظاره. كان قرار "جاسر" حاسماً ومزلزلاً للبلدة بأكملها: إقامة أكبر احتفال شهده تاريخ العشائر، ليس فقط للاحتفال بقرب وصول وريثه من زوجته المحبوبة "إيف"، بل لإعلان المعجزة الكبرى أمام الملأ.. عودة شقيقته "نور" حية ترزق، وسقوط كل قطرة ثأر أو دم قديم بين العائلتين للأبد. في بهو القصر والحدائق الشاسعة التي زُينت بالأنوار المبهجة والأقمشة الحريرية الفاخرة، اجتمع كبار العشائر من كل حدب وصوب. وكان على رأس الحاضرين "ساهر"، شقيق إيف، الذي أقبل وعلى وجهه ابتسامة ارتياح عارمة؛ فقد زال عن كاهل عائلته عبء ذنب لم يقترفوه، وصار وقوفه بجانب جاسر وقوف حليف وصهر مخلص، لا أسير صكوك وأوراق. تقدم جاسر بجسده الضخم الشامخ ممسكاً بيد إيف التي كانت تبدو كحورية هاربة من الأساطير بفستانها المخملي الذي يبرز معالم حملها المتقدم بشكل ساحر ومتألق. وقف جاسر وسط الديوان الكبير، ورفع يده معلناً الصمت، ثم قال بصوت جهوري هز القلوب: — "يا كبار عشيرتنا وأهلنا.. جئنا اليوم لنعلن أن ر
بعد العاصفة التي اقتلع فيها "جاسر" أنياب الفتنة وطرد عمه الخائن، حلّ على قصر عائلة السيوفي هدوء دافئ لم يعهده أحد من قبل. كانت أشهر الحمل تمر بسلام، و"إيف" تشع جمالاً ونبلًا وهي تتحرك بين جدران القصر كملكة متوجة، يحيطها جاسر بهوس وحماية مفرطة يوماً بعد يوم. لكن القدر كان يخبئ لهما مفاجأة تفوق كل الخيالات، مفاجأة ستغسل رماد الندم القديم بالكامل. في صباح أحد الأيام المشمسة، توقفت سيارة سوداء فاخرة غريبة أمام البوابة الرئيسية للقصر. ترجل منها شاب وقور ذو ملامح هادئة ببدلة رسمية، لكن المفاجأة الصادمة كانت في من خرجت خلفه من السيارة؛ فتاة في مقتبل العمر، ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً، وتمشي بخطوات بطيئة مستندة على ذراعه. كانت السيدة "أمينة" تقف في الشرفة العلوية برفقة إيف، وبمجرد أن وقعت عيناها على ملامح الفتاة، سقط كوب الشاي من يدها ليتناثر زجاجاً على الأرض، وشحب وجهها كالرماد وهي تهمس بصوت واهن يرتجف: — "غير معقول.. مستحيل! إنها.. إنها ابنتي (نور)؟!". نزلت السيدة أمينة وإيف ركضاً نحو البهو السفلي، وفي نفس اللحظة خرج جاسر من مكتبه على إثر جلبة الحراس. تجمّدت الدماء في عروق جاسر، وات