Home / المدينة / زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب / الفصل السادس: مواجهة خلف الأبواب المغلقة

Share

الفصل السادس: مواجهة خلف الأبواب المغلقة

last update publish date: 2026-08-18 07:09:57

لم يكن جاسر معتاداً على الهزيمة، ولم يسبق لأحد في هذه المدينة أن تحدى سطوته أو وقف في وجه قراراته كما فعلت "إليف" الليلة الماضية في العشاء الرسمي. كلمات كبريائها الأخيرة كانت لا تزال تتردد في مسامعه كالنيران، تشعل في قلبه مزيجاً غامضاً من الغيظ الشديد والفضول القاتل. ومع بزوغ شمس اليوم الجديد، قرر جاسر اتخاذ خطوة أخرى لإخضاع هذه الروح المتمردة وإجبارها على تذكر مكانتها الحقيقية في قصره.

أرسل جاسر حارسه الشخصي ليطلب من إليف الحضور فوراً إلى جناحه الخاص في الطابق العلوي، وهو مكان لم تطأه قدمها من قبل ويُعد بمثابة محرابه السري الصارم. تركت إليف ما في يدها، وعدلت من وقفتها وصعدت السلالم بهدوء، ونبضات قلبها تتسارع مع كل خطوة تقترب فيها من عرينه، لكن ملامح وجهها ظلت جامدة وقوية كعادتها. طرقت الباب طرقة واحدة وثابتة، وجاءها صوته الرجولي العميق والآمر من الداخل: "ادخلي".

فتحت الباب وخطت إلى الداخل لتجد الجناح واسعاً جداً، تسوده الألوان الرمادية والسوداء، ويخلو من أي مظاهر رفاهية باستثناء مكتبة خشبية ضخمة تمتد على طول الجدار. كان جاسر يقف خلف نافذته الزجاجية الكبيرة يراقب الأرض الشاسعة، وما إن شعر بوجودها حتى التفت بكامل جسده الضخم، ونظر إليها بنظرات حادة كالسيف، ثم أشار بيده إلى عقد ورقي موضوع على منضدة صغيرة في المنتصف قائلاً ببرود: "وقعّي هنا يا بنت الراوي".

تقدمت إليف بخطوات بطيئة وعيونها معلقة به، ثم نظرت إلى الأوراق وسألته بنبرة واضحة: "ما هذه الأوراق؟ أنا وقعتُ على عقد الزواج وانتهى الأمر، فما الذي تريده الآن؟". تحرك جاسر من مكانه بخطوات ثقيلة واقترب منها حتى حاصرها بظله، وقال بنبرة تقطر حزماً: "هذا ملحق لعقد الزواج، بند خاص يتعلق بأملاك عائلتكِ. والدكِ وافق على التنازل عن قطعة الأرض الحدودية المتنازع عليها بين عشائرنا منذ سنوات كجزء من دية شقيقتي، والآن بصفتكِ زوجتي وكفارة لعائلتكِ، يجب أن يحمل هذا التنازل توقيعكِ أيضاً لتوثيق الصفقة بشكل قانوني ونهائي".

أحست إليف بصدمة عنيفة هزت كيانها؛ فتلك الأرض لم تكن مجرد تراب، بل كانت رمزاً لهيبة عائلتها وتاريخ أجدادها، والتنازل عنها يعني انكساراً كبيراً لعشيرتها أمام عشيرة السيوفي. تراجعت خطوة إلى الوراء، ورفعت رأسها بعيون تشتعل غضباً وقالت بصوت قوي يهز أركان الغرفة: "لن أوقع يا جاسر بيه! جئتُ إلى هنا بجسدي وحريتي فداءً لعنق شقيقي وحقناً لدماء العائلتين، وهذا كان شرطك الصادم ووافقتُ عليه. أما أن تستغل العقد لتسلب أملاك أجدادي وتهدم هيبة والدي في السوق، فهذا أمر لا علاقة له بالدية، بل هي سرقة علنية مغلفة بالقانون، ولن أكون شريكة في إذلال عائلتي!".

برزت عروق عنق جاسر بعنف، واشتدت قبضته على ذراعها بخشونة أجبرتها على الوقوف أمامه مباشرة، وقال من بين أسنانها بصوت مرعب كالعاصفة: "إياكِ وأن تنطقي بكلمة سرقة في قصري! عائلتكِ قتلت أميرة هذا البيت، والأرض والذهب وكل أملاك الراوي لا تساوي قطرة دم واحدة من دم شقيقتي الراحلة. تظنين أن لديكِ خيار الرفض؟ إن لم توقّعي الليلة، سأتصل فوراً بحلفائي في الشرطة، وسيتم إلغاء التهدئة وسيساق شقيقكِ إلى المشنقة قبل أن تشرق شمس الغد، وستشتعل النيران في كل مصانع والدكِ. توقيعكِ هذا هو السد الوحيد الذي يمنع دمار عشيرتكِ بالكامل!".

تلاقت عيونهما المشتعلة في مواجهة حبست الأنفاس خلف الأبواب المغلقة؛ صراع بين غضب رجل مجروح يسعى لفرض سطوته بكامل نفوذه، وكبرياء فتاة تواجه جحيم التضحية بمفردها. شعرت إليف بمرارة العجز تخنق حلقها، فمصير عائلتها بأكمله بات معلقاً بقطرة حبر من يدها. سحبت ذراعها من قبضته بقوة، ونظرت إليه بنظرة حقد وخذلان لم يرها في عينيها من قبل، ثم أمسكت بالقلم وبيد ترتجف لكن بعزيمة صلبة، وقعت اسمها على الأوراق بعنف رمى بالقلم على المكتب بعد انتهائها.

نظرت إليف في عينيه وقالت بصوت يقطر ألماً ممزوجاً بالتحدي: "لقد وقعتُ وسلبتك ما أردت بالقوة والتهديد يا جاسر بيه. لكن تذكر جيداً... الأرض يمكن تعويضها، والقصور يمكن بناؤها، لكن الاحترام الذي خسرته الليلة في نظري لا يمكن أن يشترى بنفوذك كله. لقد أخذت الأرض، لكنك خسرت فرصة أن ترى فيّ زوجة حقيقية، وسأبقى في هذا القصر بمثابة اللعنة التي تذكرك كل يوم بقسوتك وظلمك!". استدارت إليف وتحركت نحو الباب بخطوات سريعة متجهة لغرفتها، تاركة جاسر يقف بجانب مكتبه، ممسكاً بالأوراق الموقعة بيد، بينما قلبه ينبض بعنف

غريب لم يعهده من قبل، وكأن صرخات كبريائها قد تركت جرحاً عميقاً في أسوار حصنه المنيع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل الحادي والعشرون و الأخير: فجر العهد الجديد

    مرت الشهور ثقيلة كالعواصف، لكنها حملت في طياتها التطهير الكامل لقصر عائلة السيوفي. بعد إحباط المكيدة الدنيئة، لم يرحم "جاسر" أحداً ممن تلطخت أيديهم بقطرة حقد ضد زوجته وطفله المنتظر؛ فقد استأصل جذور الفتنة وقضى على نفوذ عمه الخائن ورجاله تماماً، فارضاً سيادة مطلقة لا تجرؤ أي قوة في العشيرة على زلزلتها. وبقدر ما كان وحشاً كاسراً في مواجهة أعدائه، كان مع "إيف" واحة من الحنان والهوس الدافئ، يحيطها برعاية مفرطة ويعد الأيام والدقائق ليرى ثمرة حبهما. وجاءت ليلة المخاض في شتاء قارص، ليلة حبس فيها القصر أنفاسه مجدداً. كان جاسر يذرع الرواق المؤدي إلى الغرفة بخطوات مضطربة، وعروق عنقه بارزة من فرط الخوف والتوتر، بينما السيدة "أمينة" في الداخل تشرف على الولادة. لأول مرة، شعر الرجل الطاغية بالضعف أمام القدر، يدعو بكل جوارحه أن تخرج حبيبته سالمة. ومع بزوج الفجر، شق سكون القصر صوت بكاء حاد ونقي، صوت أعلن ولادة وريث العشيرتين. اندفع جاسر إلى الداخل كالإعصار، متجاوزاً الجميع، ليتسمر في مكانه وعيناه تلمعان بدموع حبسها لسنوات. كانت إيف تستلقي على الفراش الأبيض، شاحبة ولكنها تشع بجمال ونبل أسطوري،

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل الثامن عشر: اقتلاع الأنياب

    لم تكد تمر ساعات قليلة على فضيحة ليلة عشاء الصلح وإحباط مكيدة العصير المسموم، حتى تحول قصر عائلة السيوفي إلى ثكنة عسكرية يملأها الرعب. لم يكن "جاسر" رجلاً ينام على إهانة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمحاولة إنهاء حياة وريثه وتسميم زوجته "إيف"؟ كان هوسه بها يتغذى على هذا الخطر، محولاً إياه إلى إعصار مدمر لا يبقي ولا يذر. في قبو القصر المظلم، حيث لا يصل شعاع الشمس، كان العم الأكبر "أبو طارق" يجلس مقيداً إلى كرسي حديدي، والذعر قد أكل ما تبقى من كبريائه الزائف بعد أن حاصره رجال جاسر واعتقلوه مع رجاله في عتمة الليل. انفتح الباب الحديدي الثقيل ليدخل جاسر بخطوات بطيئة ومنتظمة، تُحدث ضربات حذائه على الأرض رنيناً مرعباً في السكون. كان قميصه الأسود مفتوحاً عند العنق، وعيناه تشعان بنور أحمر قاتم يشبه جمر الجحيم. لم ينطق بكلمة؛ بل تقدم وعلامات الجبروت تعلو ملامحه الشامخة، وسحب كرسياً وجلس قبالة عمه، واضعاً يديه القويتين على ركبتيه. قال أبو طارق بنبرة ترتجف محاولاً استجداء العاطفة العشائرية: — "جاسر.. أنا عمك، وكبير العائلة بعد والدك الراحل! لا يمكنك معاملتي كخائن من أجل فتاة غريبة.. الدم ل

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل العشرون: مواسم الفرح الشامل

    لم يكن قصر عائلة السيوفي قادراً على استيعاب كل هذه الفيضانات من البهجة؛ فعواصف السنين تلاشت في أيام معدودة، وحلّ مكانها ربيع دافئ طال انتظاره. كان قرار "جاسر" حاسماً ومزلزلاً للبلدة بأكملها: إقامة أكبر احتفال شهده تاريخ العشائر، ليس فقط للاحتفال بقرب وصول وريثه من زوجته المحبوبة "إيف"، بل لإعلان المعجزة الكبرى أمام الملأ.. عودة شقيقته "نور" حية ترزق، وسقوط كل قطرة ثأر أو دم قديم بين العائلتين للأبد. في بهو القصر والحدائق الشاسعة التي زُينت بالأنوار المبهجة والأقمشة الحريرية الفاخرة، اجتمع كبار العشائر من كل حدب وصوب. وكان على رأس الحاضرين "ساهر"، شقيق إيف، الذي أقبل وعلى وجهه ابتسامة ارتياح عارمة؛ فقد زال عن كاهل عائلته عبء ذنب لم يقترفوه، وصار وقوفه بجانب جاسر وقوف حليف وصهر مخلص، لا أسير صكوك وأوراق. تقدم جاسر بجسده الضخم الشامخ ممسكاً بيد إيف التي كانت تبدو كحورية هاربة من الأساطير بفستانها المخملي الذي يبرز معالم حملها المتقدم بشكل ساحر ومتألق. وقف جاسر وسط الديوان الكبير، ورفع يده معلناً الصمت، ثم قال بصوت جهوري هز القلوب: — "يا كبار عشيرتنا وأهلنا.. جئنا اليوم لنعلن أن ر

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل التاسع عشر: عودة الروح

    بعد العاصفة التي اقتلع فيها "جاسر" أنياب الفتنة وطرد عمه الخائن، حلّ على قصر عائلة السيوفي هدوء دافئ لم يعهده أحد من قبل. كانت أشهر الحمل تمر بسلام، و"إيف" تشع جمالاً ونبلًا وهي تتحرك بين جدران القصر كملكة متوجة، يحيطها جاسر بهوس وحماية مفرطة يوماً بعد يوم. لكن القدر كان يخبئ لهما مفاجأة تفوق كل الخيالات، مفاجأة ستغسل رماد الندم القديم بالكامل. في صباح أحد الأيام المشمسة، توقفت سيارة سوداء فاخرة غريبة أمام البوابة الرئيسية للقصر. ترجل منها شاب وقور ذو ملامح هادئة ببدلة رسمية، لكن المفاجأة الصادمة كانت في من خرجت خلفه من السيارة؛ فتاة في مقتبل العمر، ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً، وتمشي بخطوات بطيئة مستندة على ذراعه. كانت السيدة "أمينة" تقف في الشرفة العلوية برفقة إيف، وبمجرد أن وقعت عيناها على ملامح الفتاة، سقط كوب الشاي من يدها ليتناثر زجاجاً على الأرض، وشحب وجهها كالرماد وهي تهمس بصوت واهن يرتجف: — "غير معقول.. مستحيل! إنها.. إنها ابنتي (نور)؟!". نزلت السيدة أمينة وإيف ركضاً نحو البهو السفلي، وفي نفس اللحظة خرج جاسر من مكتبه على إثر جلبة الحراس. تجمّدت الدماء في عروق جاسر، وات

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل السابع عشر: أنياب تحت عباءة الود

    لم تكن انحناءة شيوخ العشيرة أمام خبر حمل "إيف" سوى هدنة مؤقتة، ورداء مزيف من الفرح والسرور ارتداه البعض ليفسحوا المجال لمؤامرة أكثر دهاءً وقسوة. فبينما كانت السيدة "أمينة" غارقة في ترتيبات استقبال حفيدها القادم، وكان "جاسر" يحيط زوجته بهوس وحماية لم يسبق لها مثيل، كانت هناك أعين مظلمة تراقب هذا الاستقرار بحقد يغلي. لقد أدرك الطامعون في نفوذ عائلة السيوفي، وعلى رأسهم "أبو طارق" (العم الأكبر لجاسر)، أن ولادة هذا الطفل تعني شيئاً واحداً: نهاية صراع الدم والعشائر للأبد، وتوحد عائلتي الراوي والسيوفي تحت راية وريث واحد. هذا الاتحاد كان سيقضي تماماً على أحلام العم في السيطرة على مجلس العشيرة واقتسام أراضي الحدود المتنازع عليها، لذا قرر أن يُحبط هذا السلام بمكيدة دنيئة تصيب جاسر في مقتل.. عبر إيف وجنينها. استغلت الأيدي الخفية ليلة "عشاء الصلح الكبرى" التي أقامتها العشيرة في ديوان العائلة لإعلان انتهاء الخلافات رسمياً. كان الديوان يغص بالحضور، والابتسامات المنافقة تعلو الوجوه. جلس جاسر بجانب إيف التي كانت تشع وداً ورقة وهي ترتدي ثوباً مخملياً فضفاضاً يخفي معالم حملها الأولي، بينما عيون ج

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل السادس عشر: مهد السلام الجديد

    وقع خبر الحمل على شيوخ العشيرة كالصاعقة التي شلت حركتهم وألجمت ألسنتهم. تحول بهو قصر عائلة السيوفي من ساحة حرب تغلي بالوعيد والتهديد بمقتل طارق، إلى صمت مهيب ومطبق. كانت النظرات تتركز بذهول على يد "إيف" المستقرة بحنو فوق بطنها، ثم تنتقل إلى "جاسر" الذي كان يقف كالجبل الشامخ، محيطاً خصر زوجته بذراعه القوية في مشهد تملك واضح يعلن فيه للجميع أن المساس بها أو بطفلها هو مساس بحياته شخصياً. بدأت همسات الشيوخ تتعالى، فالأعراف العشائرية الصارمة التي يحكمون بها تنص على أن وريث القصر القادم يحمل حصانة مطلقة، وأن مجرد التفكير في إشعال حرب دم قد تؤذي الأم أو الجنين يُعد خطيئة لا تغفرها العائلات. تقدم كبير الشيوخ بخطوات وقورة، ونظر إلى جاسر ثم إلى إيف، وتنهد بعمق قائلاً بنبرة تلاشت منها العدائية وحل مكانها التسليم: — "لقد حسمتِ الأمر يا سيدة إيف.. وجئتِ بما يخرس الألسن ويحقن الدماء. طارق أخطأ في حق العرض والدم، وموته كان نتيجة طيشه وخيانته للأعراف. واليوم، هذا الطفل القادم يحمل دماء عائلة السيوفي وعائلة الراوي معاً.. إنه مهد السلام الجديد بيننا، ولن يسمح أحد منا بأن تمسه يد بسوء". أومأ بقي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status