LOGIN~ أليستير ~لم تتأثر ملامح أمي في اللحظة التي ألقيتُ فيها بتلك الكلمات. ظلت محافظاً على هدوئها، ترمقني بتلك النظرة المرتبكة ذاتها التي تطالعني بها كلما أرادت لعب دور البريئة.. لكن لم تفُتني تلك الرفة الخفيفة في عينيها؛ انكماشةٌ خاطفة في حدقتَيها أسرعتْ بإخفائها.وكانت تلك ردة الفعل الضئيلة هي كل الجواب الذي أحتاجه.تساءلت بنبرة تغلفها حدة دفاعية قاطعة: «وما علاقتي أنا بموت تلك الفتاة؟ ولماذا تأتي على ذكر امرأة ميتة في غرفة نومي؟»أجبتُها بصوتٍ متزن تماماً: «ظننتُكِ تهتمين لأمرها.. بالنظر إلى أن العلاقة بينكما كانت وثيقة بما يكفي لإبرام صفقات مشتركة في شركة (بايوجين).»انقبض فكها لأقل من ثانية، لكنها لم تعترف بشيء. لم تتظاهر بالحيرة، وبالتأكيد لم تُبْدِ ذرّة رحمة أو شفقة على رحيل "ليندسي".هزت يدها باستهانة وهي تصيح بنزق: «لا أعلم أي شائعات حمقاء تستمع إليها، لكنني لا أملك أدنى اهتمام بتلك الفتاة أو شركتها!»نحّت موضوع "ليندسي" جانباً، وصبت جام غضبها عليّ مجدداً.كان صوتها يتردد بين الجدران وهي تذرع الغرفة جيئة وذهاباً بثورة عارمة: «انظر إلى ما تفعله بي! مَن منحك الحق لتعامل أمك بهذه ا
~ أليستير ~«ليست ريبيكا من دمرت العائلة التي كان يفترض بك أن تحظى بها.. بل أنانية والدتك.»ترددت كلمات "فيتالي" في رأسي كأنها وجعٌ ثقيل متمكن، يأبى أن يرحل.حدقتُ في السائل الذهبي المتبقي في كأسي، وشعورٌ بالحقيقة المرة يتسلل إلى أعماقي. طوال حياتي، ألقيت باللوم على ريبيكا لأنها شتت شمل عائلتي، ومقتُّها لأنها جعلتني ابناً غير شرعي لآل "مونتغمري".. لكن أن أكتشف أن أمي هي من دبرت هذه القطيعة كاملة بدافع حقدٍ أعمى وهوسٍ مدمر.. جعل الدماء تتجمد في عروقي.لم أطق البقاء في الحانة أكثر من ذلك. نهضتُ، وتركتُ بضعة أوراق نقدية على الطاولة، ثم خرجتُ إلى هواء الليل البارد. وكان سائقي يوقف السيارة عند الرصيف محركُها يعمل وفقاً لتعليماتي. صعدتُ إلى مقعد السائق وتوليتُ القيادة بنفسي، متجهاً وسط زحام "مانهاتن" نحو المشفى حيث تستريح "إيسلا". كان جهدي قد نفد وذهني مشتتاً، وقبل أن أقطع بضعة شوارع، اتصل هاتفي بشاشة السيارة عبر البلوتوث. أومض اسم "إيفان" على الشاشة، فضغطتُ الزر الموجود على عجلة القيادة.أمرتُه بنبرة جافة: «تكلم.»جاءني صوت "إيفان" عبر مكبرات الصوت مشدوداً يغلفه الجد: «سيدي، لدينا مشكلة..
~ أليستير ~كانت الكلمات التي خرجت من فم فيتالي تملأ الغرفة، كثيفة لدرجة أنها كادت تخنقني.لم أقل شيئًا في البداية.اكتفيت بوضع كأسي على الطاولة ببطء، بينما اصطدمت مكعبات الثلج ببعضها برنين خافت داخل الكريستال الثقيل، ثم حدقت فيه بنظرة حادة كحد السكين.اجتاحتني موجة قوية من عدم التصديق والشك، صاعدة في داخلي كمدٍّ عاتٍ.لماذا كان يعيد فجأة الحديث عن أمي؟في الحال، عاد ذهني إلى ما حدث قبل بضعة أسابيع.كان أنطونيو يجلس في مكتبي التنفيذي ليعرض استثمارًا ضخمًا عالي المخاطر في مشروع مانهاتن، عندما دخلت أمي من دون سابق إنذار.انخفضت حرارة الغرفة في اللحظة التي التقت فيها عيناهما.أتذكر الصمت الخانق الذي سقط بينهما فجأة، ذلك التاريخ غير المعلن، والتوتر الحاد، والعداء المرير الذي كان يشع بين شخصين من الواضح أنهما لم يكونا غريبين عن بعضهما.لم يبدُ الأمر كاجتماع بين شخصين من معارف مجتمع الصفوة.بدوا كناجين من ماضٍ عنيف دُفن منذ زمن.كنت قد شككت في وجود شيء ما حينها.لكنني وأنا أجلس أمامه الآن، أراقب الخطوط القاسية المحفورة في وجهه، أدركت أن الحقيقة كانت على وشك أن تخرج أخيرًا.اتكأت إلى الخلف ف
~ أليستير ~بقيت جالسًا، والمفتاح الفضي مستقرًا في راحة يدي.كان تركيزي منصبًا بالكامل على الصورة الأكبر.لم يكن بوسعي أن أسمح بوجود ثغرة واحدة.مددت يدي إلى هاتفي في جيبي واتصلت بإيفان."تعال إلى هنا. الآن."انقطع الخط فورًا.وبعد أقل من دقيقة، فُتح باب المكتب ودخل إيفان.أغلق الباب بإحكام خلفه، وكانت ملامحه حادة ويقظة، تحمل بقايا تركيز رجل قضى الساعات القليلة الماضية في إسقاط إمبراطورية دوائية بأكملها."سيدي."قال إيفان وهو يتقدم نحو المكتب."لا يزال مجلس إدارة بيونجين في حالة تأهب قصوى للسيطرة على الأضرار. هل نبقي سلسلة البيع على المكشوف فعالة، أم آمر الفريق بإيقافها؟""ليس بعد. أبقِ الضغط ثابتًا لساعة أخرى لضمان الامتثال الكامل، ثم ابدأ بسحب تدريجي."أمرت، وقد انخفض صوتي إلى نبرة منخفضة ومدروسة.حتى لو كانت ليندسي قد استسلمت، فإن القطع التي أحتاج إليها لم تصبح بحوزتي بعد.كانت ليندسي موريس قد أثبتت بالفعل أنها ليست امرأة يمكن الاستهانة بها.مددت يدي، وفتحت راحتي لأريه المفتاح الفضي الثقيل وقطعة الورق المطوية التي تحتوي على بيانات البنك.هبطت عينا إيفان إلى المفتاح، وانعقد حاجباه ع
~ أليستير ~بقيت في مكاني حتى اختفت سيارة فيتالي عن أنظاري.لقد شلّت أطرافي دهشة مطلقة ممزوجة بشك عميق وأنا أشهد أمرًا مستحيلًا.أنطونيو فيتالي، ذلك العملاق القاسي الذي يحكم إمبراطورية دولية بقبضة من حديد، كان يرتجف جسديًا.بعد أن خرجنا من جناح آيلا، تلقيت اتصالًا من الخارج تطلب مني كامل انتباهي، لذلك ابتعدت وتركته في صالة المستشفى.لكن عندما كنت على وشك العودة، رأيته يحاصر أليس بالقرب من موقف السيارات.كان قابضًا على ذراعها وكأنها شبح يتسرب من بين أصابعه.أما أليس، التي بدت متماسكة تمامًا عند وصولها، فقد شحب وجهها حتى الموت، وظهرت ومضة من الذعر على ملامحها قبل أن تنتزع ذراعها منه بقوة وتختفي بين متاهة السيارات.أليسون.كان ذلك الاسم هو ما انتُزع من حنجرة أنطونيو فيتالي كاستغاثة مبحوحة، بنبرة من الضعف الخام واليأس الذي بدا غريبًا تمامًا عليه.لقد نطق به وكأن وراءه عمرًا كاملًا من الألم.استقر شك حاد ومدروس في أعماق أحشائي.لطالما كنت أعرف أن أنطونيو فيتالي أنفق الملايين لأكثر من عقدين وهو يبحث عن والدة آيلا.هل يمكن أن تكون أليس هي أليسون؟وإذا كانت هي فعلًا...فلماذا نظرت إلى أنطونيو
~ أنطونيو ~كانت يداي ترتجفان.لم أعد أتذكر آخر مرة ارتجفت فيها يداي بهذا الشكل.في عالمي، حيث أحكم إمبراطورية تجارية ضخمة تمتد من قلب إيطاليا إلى عالم الشركات الشرس في لوس أنجلوس، كان الضعف عبئًا لا يُحتمل.لكنني وأنا أقف في موقف السيارات، كان هواء الصيف الحار الذي اصطدم بوجهي يبدو وكأنه ثقل مادي يضغط على صدري ويحطم تماسكِي.لقد وجدت أليسون أخيرًا.كان الاسم وحده ندبة في روحي، وتذكيرًا دائمًا ومؤلمًا بأكبر خطأ ارتكبته في حياتي.على مدى ستة وعشرين عامًا، بحثت عنها.أنفقت الملايين، وأرسلت أفضل رجال التتبع لديّ إلى كل بقعة في العالم، ونبشت في عدد لا يحصى من الطرق المسدودة، ولم أجد في النهاية سوى صمت خانق.وبمرور الوقت، بدأت أستسلم للاعتقاد المؤلم بأنها رحلت إلى الأبد، وأنها نجحت في محو نفسها من عالمي بسبب ما فعلته بها.ثم دخلت فجأة إلى غرفة ابنتي في المستشفى.بشكل غير متوقع تمامًا.كانت لا تزال تشبه المرأة التي التقيتها للمرة الأولى قبل سنوات طويلة.كانت بسيطة، تفتقر إلى أناقة مجتمع الصفوة، لكنها بقيت جميلة ورقيقة بشكل مؤلم.ورغم أن السنوات لا بد أنها غيرتها، فإن عينيها اللوزيتين العميق







