LOGIN~ أليسون ~استطال الصمت بيننا، ثقيلاً ومحمولاً بتوترٍ حاد وخطير.كانت الوقاحة البالغة وسافرة الحد في سؤاله قد ألجمت لساني لبرهة؛ فمِن أين أتت لهذه الرجل كل هذه الجرأة ليقتحم ملكيتي بعد عقودٍ من الغياب، ينكأ كل طيفٍ مدفون من ماضيّ، ثم يملك الوقاحة الكاملة ليطالبني ببيان عن حياتي الشخصية؟!تداعت في عروقي موجة سوداء وساخنة من الغضب، أحرقت ما تبقى في داخلي من أسى.بصقتُ كلماتي ونبرتي تقطر بجفاءٍ جليدي: «هذا.. ليس من شأنك اللعين.»لم يتراجع "أنطونيو" أمام ردي اللادغ؛ بل انتصب بقوامه ببطء شديد، وعيناه الداكنتان تتثبتان بعينيّ وهو يمد يده بهدوءٍ يثير الجنون ليتفقد طيتَي سترة بذلته الأنيقة.قال بنبرة جاءت سلسة بنحوٍ صادم، وكأنه يتحدث بعفوية عابرة: «بما أن "ريتشارد" كان كريمًا بما يكفي ليدعوني للوجبة، فأعتقد أنني سأقبل الدعوة.. لم أتطعم بوجبة لائقة منذ الأمس.»وقبل أن أتمكن حتى من استيعاب سخافة ما تفوه به، خطا خطوة إلى الأمام، متجاوزاً إياي عند العتبة، وليخطو بلا خجل إلى داخل بيتي!تجمدتُ في مكاني، مشلولة ب مزيجٍ من الذهول التام والمقت؛ كيف يجرؤ؟! غلت الدماء في عروقي وأنا أستدير بحدة، أراقب قا
~ أليسون ~في اللحظة التي التفت فيها ذراعاه حول خصري، انحشرت الأنفاس في صدري كأنها ثقلٌ من رصاص.التصق جسده بجسدي، عريضاً يفيض ب دفءٍ آسر ومألوف قضيتُ سنوات طويلة أحاول تناسيه. وتدفق أثر عطره الخافت ليعصف بحواسي، جارفاً إياي بقسوة نحو حياة ظننتُ أنني نجحتُ في دفنها كلياً.كرر اعتذاره بنبرة مخنوقة عند انحناءة عنقي، وصوته ينكسر بأسلوب لم أعهده منه طوال السنين التي عرفته فيها: «أنا آسف.. أنا آسف جداً يا أليسون.. سامحيني.»وجعٌ مرير وأليم برعم بين أضلعي. «آسف».. مجرد كلمة واحدة تحاول التغطية على ستة وعشرين عاماً من الفوضى، والصمت، والخيانة!كانت علاقتنا في الماضي عاصفة كالهوجاء؛ سامة، متشابكة، ومحتدمة بلا نهاية بسبب انغماسه مع "هارييت". كانت "هارييت" صديقتي المقربة، ومع ذلك وجدتُ نفسي محاصرة في شباكٍ من الافتراءات، متهمة بجرائم لم أقترفها يوماً—بما في ذلك التهمة البشعة بأنني من قامت بتسميمها. لم أكن أملك دليلاً قاطعاً يبرئ ساحتي، ولا قوة متبقية للقتال، ولا رغبة في التسبب بمزيد من الدمار. لم يكن رحيلي استسلاماً، بل كان خياري لاستعادة سلامي الروحي. وحلفتُ ألا أرى أياً منهما مجدداً ما حييت.
~ أنطونيو ~انزلقت السلة القصبية الصغيرة من بين أصابع "أليس". هوت على الألواح الخشبية للرضة بارتطامٍ خفيف، لتتطاير أزهار الخزامى والبابونج المجففة على طول عتبة بابها.لم تنظر إلى الأسفل؛ بل ظلت عيناها متسمرتين بعينيّ، وفي لمح البصر، رأيت ذهولها الأولي يتحول إلى موجة صريحة من الغضب العارم.ورغم ذلك الغضب المتأجج، لم تفُتني تلك الرفة الخفيفة والمعتمة في أصابعها، أو ذلك الشدّ المباغت والسريع في صدرها.. كانت تتعرض لربكة عاصفة في الداخل. كان الأمر خفياً، يكاد لا يُلمح—شيءٌ لا يدركه إلا رجلٌ حفظ كل تفصيلة في جسدها قبل ستة وعشرين عاماً. كانت تحاول دفن ذلك الذعر خلف جدارٍ من النار، أملًا في أن أرى غضبها فقط وأتراجع.ابتلعت الغصة المقيمة في حلقي، وصعدتُ درجات الممثى الخشبي؛ فبدا صدري منقبضاً بألمٍ يعتصر الروح. لعقود طويلة، كنتُ أنظر إليها عبر عدسة مريرة كرجلٍ يؤمن بأنه تعرض للهجر، وتُرك وحيداً وسط رماد حياة مهدمة. كنتُ أمني نفسي بأنها مجرد طيف، ذكرى حلوة ومريرة لم تعد تملك أي سلطة عليّ.لكن رؤيتها تقف هنا اليوم—حية، تتنفس، وتحرس بضراوة ذلك العالم الآمن والهادئ الذي بنته من دوني—قد دمر كل كذبة
~ إيسلا ~استيقظتُ على ثقلٍ دافئ يلتف حول خصري.لبرهة، كان ذهني مشوشاً، يطفو في تلك المساحة الضبابية والغريبة بين النوم والواقع. رفعتُ جفنيّ ببطء أقاوم الضوء الخافت لغرفة المشفى، قبل أن أنقل نظري نحو الساعة بجوار السرير. كانت أرقامها الرقمية تضيء بخفوت: ١٠:١٤ مساءً.أدرتُ رأسي لأكتشف أن "أليستير" يضطجع بجانبي تماماً على السرير الضيق؛ كان ممتداً على جانبه، وقد ألقى إحدى ساقيه الطويلتين فوق ساقي، بينما تحيط ذراعه الثقيلة بخصري بحماية فائقة. كان يبدو عليه الإرهاق الدفين، يستشفه المرء من غضون جبهته المنكمشة حتى وهو نائم.تحركتُ بخفة محاولة الدوران دون إزعاجه، لكن تلك الحركة الضئيلة كانت كافية لتنفتح عيناه في التو واللحظة.خرج صوته خفيضاً، متحشرجاً يغلفه التعب: «هل أيقظتُكِ؟»وقبل أن أجيبه، انزلقت يده أعلى خصري ل تحتضن وركي، وبحنوٍ يخلو من المجهود، جذبني إليه حتى صرتُ أواجهه مباشرة على الفراش.همستُ وأنا أهز رأسي: «لا.»وعندما التقت عيناي بعينيه، خفق قلبي قفزةً مفاجئة. كان يحدق بي بتركيزٍ شديد—عيناه الرماديتان ناعمتان على غير العادة، خاليتان من ذلك الجدار البارد والبعيد الذي يرفعه عادة في
~ أليستير ~لم تتأثر ملامح أمي في اللحظة التي ألقيتُ فيها بتلك الكلمات. ظلت محافظاً على هدوئها، ترمقني بتلك النظرة المرتبكة ذاتها التي تطالعني بها كلما أرادت لعب دور البريئة.. لكن لم تفُتني تلك الرفة الخفيفة في عينيها؛ انكماشةٌ خاطفة في حدقتَيها أسرعتْ بإخفائها.وكانت تلك ردة الفعل الضئيلة هي كل الجواب الذي أحتاجه.تساءلت بنبرة تغلفها حدة دفاعية قاطعة: «وما علاقتي أنا بموت تلك الفتاة؟ ولماذا تأتي على ذكر امرأة ميتة في غرفة نومي؟»أجبتُها بصوتٍ متزن تماماً: «ظننتُكِ تهتمين لأمرها.. بالنظر إلى أن العلاقة بينكما كانت وثيقة بما يكفي لإبرام صفقات مشتركة في شركة (بايوجين).»انقبض فكها لأقل من ثانية، لكنها لم تعترف بشيء. لم تتظاهر بالحيرة، وبالتأكيد لم تُبْدِ ذرّة رحمة أو شفقة على رحيل "ليندسي".هزت يدها باستهانة وهي تصيح بنزق: «لا أعلم أي شائعات حمقاء تستمع إليها، لكنني لا أملك أدنى اهتمام بتلك الفتاة أو شركتها!»نحّت موضوع "ليندسي" جانباً، وصبت جام غضبها عليّ مجدداً.كان صوتها يتردد بين الجدران وهي تذرع الغرفة جيئة وذهاباً بثورة عارمة: «انظر إلى ما تفعله بي! مَن منحك الحق لتعامل أمك بهذه ا
~ أليستير ~«ليست ريبيكا من دمرت العائلة التي كان يفترض بك أن تحظى بها.. بل أنانية والدتك.»ترددت كلمات "فيتالي" في رأسي كأنها وجعٌ ثقيل متمكن، يأبى أن يرحل.حدقتُ في السائل الذهبي المتبقي في كأسي، وشعورٌ بالحقيقة المرة يتسلل إلى أعماقي. طوال حياتي، ألقيت باللوم على ريبيكا لأنها شتت شمل عائلتي، ومقتُّها لأنها جعلتني ابناً غير شرعي لآل "مونتغمري".. لكن أن أكتشف أن أمي هي من دبرت هذه القطيعة كاملة بدافع حقدٍ أعمى وهوسٍ مدمر.. جعل الدماء تتجمد في عروقي.لم أطق البقاء في الحانة أكثر من ذلك. نهضتُ، وتركتُ بضعة أوراق نقدية على الطاولة، ثم خرجتُ إلى هواء الليل البارد. وكان سائقي يوقف السيارة عند الرصيف محركُها يعمل وفقاً لتعليماتي. صعدتُ إلى مقعد السائق وتوليتُ القيادة بنفسي، متجهاً وسط زحام "مانهاتن" نحو المشفى حيث تستريح "إيسلا". كان جهدي قد نفد وذهني مشتتاً، وقبل أن أقطع بضعة شوارع، اتصل هاتفي بشاشة السيارة عبر البلوتوث. أومض اسم "إيفان" على الشاشة، فضغطتُ الزر الموجود على عجلة القيادة.أمرتُه بنبرة جافة: «تكلم.»جاءني صوت "إيفان" عبر مكبرات الصوت مشدوداً يغلفه الجد: «سيدي، لدينا مشكلة..