ظل في المرآة

ظل في المرآة

last updateLast Updated : 2026-08-31
By:  ZikostrasUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
20Chapters
1views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

البطل "ياسين" رجل في الثلاثينيات، فقد أباه منذ سنوات ويعيش في ظل إرث عائلي ثقيل، يعمل مهندساً معمارياً. تتقاطع حياته مع "لمى"، امرأة غامضة تحمل أسراراً تخص ماضي عائلته.

View More

Chapter 1

العودة

لم أكن أتخيل أن العودة إلى "مرسى الضياء" ستكون بهذا الثقل. المدينة نفسها لم تتغير كثيراً؛ الأزقة الضيقة ما زالت تتسلق التلة نحو الميناء القديم، ورائحة الملح ما زالت تتسلل من البحر لتختلط برائحة الخبز الطازج من أفران الصباح. لكنني أنا من تغيّرت. عدت رجلاً يحمل حقيبة سفر خفيفة، وقلباً مثقلاً بذكريات لا أعرف كيف أتخلص منها.

كان أبي قد توفي منذ خمس سنوات، وتركني وحيداً في مواجهة إرث لم أطلبه يوماً: بيت قديم على أطراف المدينة، ومكتب هندسي يحمل اسم العائلة منذ ثلاثة أجيال، وسمعة لا بد أن أكون على قدرها. غادرت "مرسى الضياء" بعد الجنازة مباشرة، هرباً لا أدري من ماذا بالضبط، وقضيت السنوات الخمس في مدينة بعيدة، أبني لنفسي حياة أخرى، بلا جذور، بلا أسئلة.

لكن الرسالة التي وصلتني قبل أسبوعين غيّرت كل شيء.

كانت رسالة من محامي العائلة، السيد كمال، يخبرني فيها أن هناك أمراً يخص وصية أبي لم يُكشف عنه بعد، وأن حضوري إلى المدينة بات ضرورياً "لأسباب قانونية وشخصية"، على حد تعبيره. لم يوضح أكثر من ذلك، مهما ألححت عليه بالهاتف. وحين سألته إن كان الأمر يتعلق بالمال أو بالممتلكات، صمت قليلاً ثم قال جملة ما زالت تتردد في رأسي: "الأمر يتعلق بشخص، ياسين، لا بشيء."

وهكذا وجدت نفسي، بعد سنوات من الغياب، أقف أمام باب المكتب الهندسي القديم، أحمل مفتاحاً لم أستخدمه منذ زمن طويل، أتردد قبل أن أديره في القفل.

الداخل بدا كما تركته تماماً، وكأن الزمن توقف عند لحظة رحيل أبي. الطاولة الخشبية الكبيرة، اللوحات المعمارية المعلقة على الجدران، رائحة الورق القديم والحبر. جلست خلف المكتب للمرة الأولى منذ سنوات، وشعرت بغرابة أن هذا المكان الذي طالما هربت منه، بات الآن ملاذي الوحيد.

في اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب المحامي كمال، رجل في الستينيات يعرف عائلتي منذ عقود، عيناه الهادئتان تحملان دائماً شيئاً من الحزن القديم. جلس أمامي، فتح ملفاً سميكاً، ثم رفع نظره إليّ وقال:

"والدك، رحمه الله، ترك وصية خاصة لم يشأ أن تُفتح إلا بعد مرور خمس سنوات على وفاته. اليوم هو الموعد."

فتح المغلف بحذر شديد، وكأنه يتعامل مع شيء هش قد ينكسر. أخرج ورقة واحدة، بخط يد أبي الذي أعرفه جيداً، وبدأ يقرأ:

"إلى ابني ياسين، إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني رحلت، وأنك عدت أخيراً إلى المدينة التي هربت منها. ثمة أمر لم أخبرك به طوال حياتي، خوفاً من أن يغيّر نظرتك إليّ، أو إلى نفسك. لديك أخت، ياسين. أخت لم تعرف بوجودك، كما لم تعرف أنت بوجودها."

توقفت الكلمات في مكانها، وشعرت وكأن الغرفة بأكملها بدأت تدور من حولي. نظرت إلى كمال بحثاً عن تفسير، عن أي شيء يخفف وقع هذه الجملة، لكنه فقط أومأ برأسه بهدوء، وكأنه كان يعرف هذا منذ زمن طويل، وينتظر اللحظة التي سأعرف فيها أنا أيضاً.

"اسمها لمى"، أكمل كمال بصوت هادئ، "وهي تعيش هنا، في المدينة، منذ سنوات. تعمل في المكتبة القديمة قرب الميناء. والدك كان يتابع أخبارها من بعيد، دون أن يكشف لها الحقيقة أبداً."

خرجت من المكتب ذلك المساء وأنا أشعر أن المدينة التي ظننت أنني أعرف كل زواياها، باتت فجأة مكاناً غريباً مليئاً بالأسرار. مشيت باتجاه الميناء بلا وجهة محددة، والأفكار تتصارع في رأسي: كيف أواجه امرأة لا تعرف أنني أخوها؟ وهل من حقي أصلاً أن أكشف لها سراً أخفاه أبي عمداً طوال حياته؟

وبينما كنت أقترب من المكتبة القديمة، رأيتها تغلق الباب الزجاجي خلفها، تلف وشاحها حول رقبتها استعداداً لبرد المساء. توقفت خطواتي فجأة. لم أكن أعرف ملامحها من قبل، لكن شيئاً في داخلي، ربما حدسٌ غريب لا أستطيع تفسيره، جعلني متأكداً تماماً أن هذه هي لمى.

رفعت عينيها فجأة، والتقت نظراتنا للحظة عابرة. ابتسمت ابتسامة مجاملة عابرة لغريب يقف في طريقها، ثم واصلت سيرها.

وقفت هناك، في منتصف الشارع، أراقب ظهرها يبتعد، وأنا أدرك أن حياتي في "مرسى الضياء" لن تكون كما كانت أبداً.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
20 Chapters
العودة
لم أكن أتخيل أن العودة إلى "مرسى الضياء" ستكون بهذا الثقل. المدينة نفسها لم تتغير كثيراً؛ الأزقة الضيقة ما زالت تتسلق التلة نحو الميناء القديم، ورائحة الملح ما زالت تتسلل من البحر لتختلط برائحة الخبز الطازج من أفران الصباح. لكنني أنا من تغيّرت. عدت رجلاً يحمل حقيبة سفر خفيفة، وقلباً مثقلاً بذكريات لا أعرف كيف أتخلص منها.كان أبي قد توفي منذ خمس سنوات، وتركني وحيداً في مواجهة إرث لم أطلبه يوماً: بيت قديم على أطراف المدينة، ومكتب هندسي يحمل اسم العائلة منذ ثلاثة أجيال، وسمعة لا بد أن أكون على قدرها. غادرت "مرسى الضياء" بعد الجنازة مباشرة، هرباً لا أدري من ماذا بالضبط، وقضيت السنوات الخمس في مدينة بعيدة، أبني لنفسي حياة أخرى، بلا جذور، بلا أسئلة.لكن الرسالة التي وصلتني قبل أسبوعين غيّرت كل شيء.كانت رسالة من محامي العائلة، السيد كمال، يخبرني فيها أن هناك أمراً يخص وصية أبي لم يُكشف عنه بعد، وأن حضوري إلى المدينة بات ضرورياً "لأسباب قانونية وشخصية"، على حد تعبيره. لم يوضح أكثر من ذلك، مهما ألححت عليه بالهاتف. وحين سألته إن كان الأمر يتعلق بالمال أو بالممتلكات، صمت قليلاً ثم قال جملة ما ز
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more
المكتبة القديمة
قضيت تلك الليلة بلا نوم يُذكر. جلست في غرفتي القديمة، في البيت الذي تركه لي أبي، أحدّق في السقف وأستعيد كل التفاصيل التي قالها كمال. أخت. كلمة واحدة قلبت كل موازين حياتي. حاولت أن أتذكر، أن أبحث في ذاكرتي عن أي إشارة، أي حديث عابر لأبي قد يكون لمّح فيه إلى وجودها، لكنني لم أجد شيئاً. كان أبي رجلاً صامتاً، يحمل أسراره كما يحمل المهندس مخططاته: مطويةً بعناية، بعيداً عن أعين الآخرين.في الصباح، فتحت الخزانة الخشبية التي كان أبي يحتفظ فيها بأوراقه الخاصة. لم أكن قد لمستها منذ الجنازة. وجدت بين الأوراق صوراً قديمة، بعضها يعود إلى عشرين عاماً أو أكثر. توقفت عند صورة لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة، الصورة مهترئة الأطراف، وخلفها بخط يد أبي: "لمى، سنتان."جلست على حافة السرير، أتأمل الصورة طويلاً. الطفلة في الصورة لا تشبهني في شيء، لكن هناك شيئاً في نظرة عينيها جعلني أشعر بألفة غريبة، وكأن الدم يعرف الدم حتى قبل أن يعرف العقل.لم أستطع مقاومة الرغبة في رؤيتها مرة أخرى. لم يكن لدي خطة واضحة، لم أكن أنوي أن أكشف لها الحقيقة في ذلك اليوم، لكنني وجدت قدميّ تقودانني نحو المكتبة القديمة قرب الميناء، بح
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more
الحقيقة المؤجلة
مرّ أسبوعان على أول لقاء بيني وبين لمى، وأصبحت زياراتي للمكتبة عادة يومية لا أستطيع الاستغناء عنها. كنت أصل عادة قبيل المغرب، حين يخفّ الزوار وتبدأ لمى بترتيب الرفوف استعداداً للإغلاق، فأساعدها دون أن تطلب مني ذلك، ونجلس بعدها على الدرجات الحجرية أمام المكتبة، نراقب قوارب الصيادين العائدة، ونتحدث حتى يحلّ الظلام تماماً.اكتشفت في تلك الأسابيع أشياء كثيرة عن لمى. كانت قد تربّت عند خالتها بعد وفاة والدتها، وكبرت وهي تحمل سؤالاً لم يُجب عنه أحد: من هو والدها؟ كل ما كانت تعرفه أن أمها رفضت الحديث عن الموضوع طوال حياتها، وأن خالتها كانت تتهرب من الإجابة كلما سألتها."أحياناً أشعر أنني أعيش نصف حياة"، قالت لي ذات مساء، وهي تحتضن ركبتيها بذراعيها. "كأن هناك جزءاً مني ناقصاً، ولا أعرف حتى شكله."كانت كل كلمة تقولها تطعنني في مكان عميق، لأنني كنت أملك الإجابة التي تبحث عنها منذ سنوات، وكنت عاجزاً عن نطقها. حاولت مراراً أن أفتح الموضوع، أن أقول: "لمى، أظن أنني أعرف من هو والدك"، لكن الكلمات كانت تتحطم في حلقي في كل مرة.كان كمال، المحامي، يتصل بي بين الحين والآخر، يسألني إن كنت قد أخبرتها بعد.
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more
حكاية والدي
جلست، وقلبي يدق بعنف، بينما راح كمال يرتب أفكاره قبل أن يبدأ الحديث. سكب لنفسه كوباً من الماء، شرب منه رشفة، ثم بدأ:"والدك، رحمه الله، لم يكن أباً بيولوجياً للمى. الاسم المكتوب في شهادة ميلادها هو اسم رجل يُدعى إدريس الزاهي، صديق طفولة والدك، وشريكه في أول مشروع هندسي جمعهما قبل أن تنشأ مكاتبكما كل على حدة."توقف قليلاً، يراقب ردة فعلي، ثم أكمل: "إدريس توفي في حادث سيارة عندما كانت لمى في الثانية من عمرها. أمها، بعد وفاته، مرّت بظروف مالية صعبة جداً، ولم يكن لديها من يعينها. والدك، من باب الوفاء لصديقه، تكفّل بمصاريف لمى سراً طوال سنوات: تعليمها، علاجها حين مرضت وهي صغيرة، حتى إيجار المنزل الذي كبرت فيه. كل هذا دون أن تعرف أمها مصدر هذا الدعم الحقيقي، ظنّت أنه من جمعية خيرية."شعرت بارتباك يتصارع مع الراحة في داخلي. "إذاً هي ليست أختي فعلاً؟ لماذا كتب أبي في الوصية أنها أختي؟""لأنه، ببساطة، اعتبرها كذلك في قلبه"، قال كمال بصوت هادئ. "والدك لم يتزوج مرة أخرى بعد وفاة والدتك، كما تعرف، وكان دائماً يشعر بالذنب تجاه لمى، ذنب رجل يعرف الحقيقة ولا يستطيع البوح بها دون أن يهدم حياة أمها ال
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more
الرسائل
جلست بجانبها على الدرجات الحجرية، والبحر أمامنا يأخذ لونه الرمادي مع اقتراب الليل. لم أنطق بكلمة للحظات، أحاول أن أرتب في ذهني من أين أبدأ، بينما هي تمسك بالظرف الأصفر بيدين مرتجفتين، وكأنها تخشى أن تفتحه بمفردها."من أين حصلتِ على هذا؟" سألتها أخيراً."كنت أرتب صندوقاً قديماً في بيت خالتي، أشياء تخص أمي لم تُفتح منذ وفاتها"، قالت، وصوتها يتقطع. "وجدت هذا الظرف مخبأً بين ثيابها القديمة. عليه اسم: عبد الرحمن بن رحال."سمعت اسم أبي يخرج من فمها فارتجفت داخلياً. مددت يدي بلطف نحو الظرف. "هل تسمحين لي؟"أومأت برأسها، وفتحت الظرف بحذر. كانت بداخله رسائل عديدة، بعضها مؤرخ منذ أكثر من عشرين سنة، بخط يد أبي الذي أعرفه جيداً. بدأت أقرأ الأولى بصوت خافت، ولمى تستمع بجانبي، أنفاسها متسارعة.كانت الرسالة موجهة إلى أم لمى، يخبرها فيها أبي أنه أرسل مبلغاً لتغطية مصاريف علاج لمى الطبي بعد إصابتها بمرض في طفولتها، ويطلب منها ألا تخبر أحداً بمصدر المال، "حفاظاً على ذكرى إدريس، وعلى كرامتك أنتِ أيضاً." كانت الرسالة الثانية أكثر شخصية، يتحدث فيها أبي عن شعوره بالذنب لأنه لم يستطع إنقاذ صديقه إدريس من ال
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more
الزائر الغامض
لم أخبر لمى بأمر السيارة الغامضة في تلك الليلة. أقنعت نفسي أنه لا داعي لإقلاقها بعد كل ما مرت به من صدمات متتالية في أسبوع واحد، وأن الأمر ربما كان مجرد صدفة، جار جديد استأجر بيتاً في الحي، أو سائق ضلّ طريقه وتوقف ليستعيد اتجاهه. لكنني، رغم كل محاولاتي لإقناع نفسي بالطمأنينة، لم أستطع النوم تلك الليلة، وبقيت أراقب الشارع من نافذة غرفتي حتى الفجر، دون أن تعود السيارة مرة أخرى.في الأيام التالية، بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة أقلقتني أكثر فأكثر. رسائل بريد إلكتروني غريبة وصلت إلى المكتب الهندسي من عنوان مجهول، لا يحمل اسماً واضحاً، تسأل عن "ملفات قديمة تخص مشاريع الثمانينيات"، بأسلوب رسمي بارد لا يشبه استفسارات الزبائن المعتادين. حاولت أن أرد على العنوان بسؤال عن هوية المرسل، لكن الرسالة ارتدّت فوراً وكأن الحساب أُغلق بمجرد إرسالها. ثم جاءت مكالمة هاتفية من رقم غير معروف، أغلقت الخط فور أن رفعت السماعة وقلت "ألو"، وتكررت المكالمة نفسها في اليوم التالي بالتوقيت ذاته تقريباً، وكأن أحداً كان يتأكد من وجودي في المكتب دون أن يرغب في الحديث معي مباشرة.قررت أن أعود إلى أوراق أبي بحثاً عن أي تفسير.
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more
المواجهة الأولى
لم تكن الأيام التي أعقبت رؤية السيارة السوداء أمام المكتبة هادئة بأي حال من الأحوال. ذهبنا أنا ولمى في صباح اليوم التالي إلى كمال كما اتفقنا، وقضينا ساعات طويلة نوثّق كل الأوراق المتعلقة بالصندوق الائتماني رسمياً، ونحوّل الملكية باسمها بشكل قانوني كامل لا يقبل الطعن أو التأويل. وقّعت لمى على الأوراق بيد لا تزال ترتجف قليلاً، وكأنها توقّع على فصل جديد من حياتها لم تكن مستعدة له بعد، بينما كان كمال يشرح لها كل بند بصبر، ويؤكد لها مراراً أن حقها هذا موثّق ومحمي بالكامل منذ سنوات طويلة، وأن ما تبقى الآن هو مجرد إجراءات شكلية لإغلاق أي ثغرة محتملة.ظننت أن هذا الإجراء وحده كفيل بإنهاء أي تهديد محتمل، أن مجرد توثيق الحق قانونياً سيجعل أي محاولة من زهير للتدخل عبثاً لا طائل منه. لكن الأمور، كما تعلمت لاحقاً، لا تسير دائماً وفق منطق الأوراق والقوانين وحدها.بعد ثلاثة أيام من توثيق الأوراق، وبينما كنت جالساً في مكتبي الهندسي أراجع بعض المخططات لمشروع صغير كنت قد بدأت العمل عليه لأشغل ذهني عن كل هذا التوتر، سمعت طرقاً هادئاً على الباب، ثم دخل رجل في الخمسينيات من عمره، أنيق الملبس، يرتدي معطفاً
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more
آثار الاقتحام
انطلقت من بيتي دون أن أنتظر حتى ارتداء ملابسي بشكل كامل، تاركاً القميص الذي كنت أرتديه في الليل كما هو، وقدت السيارة بأقصى سرعة ممكنة عبر شوارع مرسى الضياء الفارغة في ذلك الصباح الباكر، وقلبي يدق بعنف يضاهي دقات محرك السيارة نفسها. وصلت إلى المكتبة في أقل من عشر دقائق، ووجدت لمى واقفة أمام الباب الزجاجي المكسور جزئياً، تحتضن نفسها بذراعيها، ووجهها شاحب كورقة بيضاء.اقتربت منها فوراً، وأحطتها بذراعيّ دون أن أفكر، فارتمت للحظة على صدري تبكي بصمت، قبل أن تتماسك وتشير إلى الداخل بيد مرتجفة. "انظر بنفسك"، قالت بصوت متقطع.دخلت خلفها، ووجدت المشهد أسوأ مما تخيلت. الرفوف القريبة من مكتبها الخاص كانت مقلوبة، الأوراق متناثرة على الأرض، والدرج الذي كانت تحتفظ فيه بالظرف الأصفر ورسائل والدها كان مفتوحاً بالقوة، أثر كسر واضح على قفله المعدني الصغير. كانت الرسائل والصور القديمة قد اختفت تماماً، لم يبقَ منها شيء سوى بضع أوراق متناثرة على الأرض، كأن اللص كان يبحث بسرعة ولم يكترث بترتيب ما تركه خلفه."لم يأخذوا شيئاً آخر"، قالت لمى بصوت لا يزال مرتجفاً، وهي تمسح دموعها بظهر يدها. "الصندوق النقدي كما
last updateLast Updated : 2026-08-29
Read more
صور من الماضي
وجدت لمى أخيراً الصور التي كانت تبحث عنها، ست لقطات فقط، ملتقطة بعجلة واضحة من زاوية غير مثالية وإضاءة خافتة، لكنها كانت كافية لتكون نقطة انطلاق. اقتربنا منها، أنا وكمال، ننظر إلى الشاشة الصغيرة بتوتر، بينما بدأت لمى تكبّر كل صورة بحذر لتتضح الكلمات المكتوبة بخط والدي القديم.كانت الرسالة الأولى في الصور مؤرخة قبل وفاة إدريس بأسابيع قليلة فقط، وهو ما جعلها مختلفة تماماً عن الرسائل التي قرأناها سابقاً، والتي كُتبت جميعها بعد الحادث. بدأ كمال يقرأها بصوت مرتفع ببطء، محاولاً فك بعض الكلمات التي طمستها زاوية التصوير غير الواضحة:"عزيزي إدريس، اجتماعنا الأخير مع زهير لم يعجبني إطلاقاً. أشعر أنه بدأ يتخذ قرارات بشأن تمويل مشروع النخيل دون الرجوع إلينا، وأخشى أنه يستخدم أموالاً من مصادر لا أثق بها لتغطية حصته في المشروع. تحدثت معه اليوم، وأخبرني بصراحة أنه اقترض مبلغاً كبيراً من رجل أعمال يُدعى منير الحاج، شخص له سمعة سيئة في أوساط العقارات، ويُقال إنه يتعامل بطرق ملتوية مع من يتأخر في السداد. أرجوك، تعال لنتحدث في هذا الأمر قبل أن نغرق جميعاً في مشكلة لسنا طرفاً حقيقياً فيها."توقف كمال عن
last updateLast Updated : 2026-08-29
Read more
الدعوى العاجلة
خرجنا من المكتبة تلك الليلة ونحن نحمل ثقلاً جديداً أضيف إلى كل الأثقال السابقة. توجهنا مباشرة إلى مكتب كمال، رغم تأخر الوقت، لأن ثلاثة أيام فقط كانت تفصلنا عن جلسة استماع قد تهدد كل ما وثّقناه بجهد كبير قبل أيام قليلة. جلس كمال خلف مكتبه، يتصفح بسرعة نسخة إلكترونية من لائحة الدعوى التي تمكن من الحصول عليها من صديقه في المحكمة، بينما وقفت أنا ولمى خلفه، نقرأ فوق كتفيه بقلق متزايد."هذا غريب جداً"، قال كمال أخيراً، بعد دقائق طويلة من القراءة المتأنية. "الدعوى تستند إلى ادعاء أن اتفاق الشراكة الأصلي لعام تأسيس مشروع النخيل كان يتضمن بنداً إضافياً، ملحقاً منفصلاً، ينص على أن أي حصة يتم توريثها لقاصر يجب أن تخضع لموافقة جميع الشركاء الباقين على آلية الإدارة والوصاية، وأن هذه الموافقة لم تُطلب رسمياً من زهير في حينه، مما يجعل قرار والدك بإنشاء الصندوق الائتماني منفرداً باطلاً من الناحية الإجرائية.""هل هذا البند موجود فعلاً؟" سألته لمى بقلق واضح. "هل يمكن أن يكون صحيحاً؟"هز كمال رأسه بتردد. "لم أرَ هذا الملحق من قبل في أي من الأوراق التي راجعتها عند تنفيذ الوصية، ولا في نسخة العقد الأصلي ا
last updateLast Updated : 2026-08-29
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status