INICIAR SESIÓNالبطل "ياسين" رجل في الثلاثينيات، فقد أباه منذ سنوات ويعيش في ظل إرث عائلي ثقيل، يعمل مهندساً معمارياً. تتقاطع حياته مع "لمى"، امرأة غامضة تحمل أسراراً تخص ماضي عائلته.
Ver másلم أكن أتخيل أن العودة إلى "مرسى الضياء" ستكون بهذا الثقل. المدينة نفسها لم تتغير كثيراً؛ الأزقة الضيقة ما زالت تتسلق التلة نحو الميناء القديم، ورائحة الملح ما زالت تتسلل من البحر لتختلط برائحة الخبز الطازج من أفران الصباح. لكنني أنا من تغيّرت. عدت رجلاً يحمل حقيبة سفر خفيفة، وقلباً مثقلاً بذكريات لا أعرف كيف أتخلص منها.
كان أبي قد توفي منذ خمس سنوات، وتركني وحيداً في مواجهة إرث لم أطلبه يوماً: بيت قديم على أطراف المدينة، ومكتب هندسي يحمل اسم العائلة منذ ثلاثة أجيال، وسمعة لا بد أن أكون على قدرها. غادرت "مرسى الضياء" بعد الجنازة مباشرة، هرباً لا أدري من ماذا بالضبط، وقضيت السنوات الخمس في مدينة بعيدة، أبني لنفسي حياة أخرى، بلا جذور، بلا أسئلة. لكن الرسالة التي وصلتني قبل أسبوعين غيّرت كل شيء. كانت رسالة من محامي العائلة، السيد كمال، يخبرني فيها أن هناك أمراً يخص وصية أبي لم يُكشف عنه بعد، وأن حضوري إلى المدينة بات ضرورياً "لأسباب قانونية وشخصية"، على حد تعبيره. لم يوضح أكثر من ذلك، مهما ألححت عليه بالهاتف. وحين سألته إن كان الأمر يتعلق بالمال أو بالممتلكات، صمت قليلاً ثم قال جملة ما زالت تتردد في رأسي: "الأمر يتعلق بشخص، ياسين، لا بشيء." وهكذا وجدت نفسي، بعد سنوات من الغياب، أقف أمام باب المكتب الهندسي القديم، أحمل مفتاحاً لم أستخدمه منذ زمن طويل، أتردد قبل أن أديره في القفل. الداخل بدا كما تركته تماماً، وكأن الزمن توقف عند لحظة رحيل أبي. الطاولة الخشبية الكبيرة، اللوحات المعمارية المعلقة على الجدران، رائحة الورق القديم والحبر. جلست خلف المكتب للمرة الأولى منذ سنوات، وشعرت بغرابة أن هذا المكان الذي طالما هربت منه، بات الآن ملاذي الوحيد. في اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب المحامي كمال، رجل في الستينيات يعرف عائلتي منذ عقود، عيناه الهادئتان تحملان دائماً شيئاً من الحزن القديم. جلس أمامي، فتح ملفاً سميكاً، ثم رفع نظره إليّ وقال: "والدك، رحمه الله، ترك وصية خاصة لم يشأ أن تُفتح إلا بعد مرور خمس سنوات على وفاته. اليوم هو الموعد." فتح المغلف بحذر شديد، وكأنه يتعامل مع شيء هش قد ينكسر. أخرج ورقة واحدة، بخط يد أبي الذي أعرفه جيداً، وبدأ يقرأ: "إلى ابني ياسين، إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني رحلت، وأنك عدت أخيراً إلى المدينة التي هربت منها. ثمة أمر لم أخبرك به طوال حياتي، خوفاً من أن يغيّر نظرتك إليّ، أو إلى نفسك. لديك أخت، ياسين. أخت لم تعرف بوجودك، كما لم تعرف أنت بوجودها." توقفت الكلمات في مكانها، وشعرت وكأن الغرفة بأكملها بدأت تدور من حولي. نظرت إلى كمال بحثاً عن تفسير، عن أي شيء يخفف وقع هذه الجملة، لكنه فقط أومأ برأسه بهدوء، وكأنه كان يعرف هذا منذ زمن طويل، وينتظر اللحظة التي سأعرف فيها أنا أيضاً. "اسمها لمى"، أكمل كمال بصوت هادئ، "وهي تعيش هنا، في المدينة، منذ سنوات. تعمل في المكتبة القديمة قرب الميناء. والدك كان يتابع أخبارها من بعيد، دون أن يكشف لها الحقيقة أبداً." خرجت من المكتب ذلك المساء وأنا أشعر أن المدينة التي ظننت أنني أعرف كل زواياها، باتت فجأة مكاناً غريباً مليئاً بالأسرار. مشيت باتجاه الميناء بلا وجهة محددة، والأفكار تتصارع في رأسي: كيف أواجه امرأة لا تعرف أنني أخوها؟ وهل من حقي أصلاً أن أكشف لها سراً أخفاه أبي عمداً طوال حياته؟ وبينما كنت أقترب من المكتبة القديمة، رأيتها تغلق الباب الزجاجي خلفها، تلف وشاحها حول رقبتها استعداداً لبرد المساء. توقفت خطواتي فجأة. لم أكن أعرف ملامحها من قبل، لكن شيئاً في داخلي، ربما حدسٌ غريب لا أستطيع تفسيره، جعلني متأكداً تماماً أن هذه هي لمى. رفعت عينيها فجأة، والتقت نظراتنا للحظة عابرة. ابتسمت ابتسامة مجاملة عابرة لغريب يقف في طريقها، ثم واصلت سيرها. وقفت هناك، في منتصف الشارع، أراقب ظهرها يبتعد، وأنا أدرك أن حياتي في "مرسى الضياء" لن تكون كما كانت أبداً.مع اقتراب الأسبوع الأخير قبل موعد الزفاف، غمر المنزل القديم لأسرة بن رحال نشاط غير معتاد، بعد سنوات طويلة من الصمت الذي خيّم عليه منذ وفاة عبد الرحمن. بدأت لمى تقضي معظم أوقاتها هناك، تساعد في ترتيب التفاصيل الأخيرة، بينما تحول المنزل تدريجياً من مكان يحمل ذكريات ثقيلة إلى بيت ينبض بالحياة والأمل من جديد.في أحد الأمسيات، وبينما كانت لمى تساعد ياسين في ترتيب بعض الأغراض القديمة في العلية، عثرت على صندوق خشبي صغير لم يكن قد انتبه له من قبل، مخبأ خلف أكوام من الكتب القديمة والأوراق المهملة. فتحته بفضول، ووجدت بداخله مجموعة من الصور العائلية القديمة لم يرها ياسين من قبل، صور لوالده في شبابه، بعضها مع إدريس نفسه في لحظات مرح بدت بعيدة كل البعد عن الثقل الذي حملته قصتهما لاحقاً.جلسا معاً على أرضية العلية، يتصفحان الصور بحنان مختلط بحزن هادئ. كانت هناك صورة لاثنين من الشبان، عبد الرحمن وإدريس، يقفان أمام قطعة أرض فارغة، يبتسمان بحماس واضح، وخلف الصورة كتب بخط يد شاب: "بداية حلمنا الكبير، مشروع النخيل، صيف عام...""لم أكن أتخيل يوماً أنني سأرى صورة تجمع بينهما بهذه البساطة والفرح"، قالت لمى
بينما كانت التحضيرات لحفل الزفاف تسير بخطى ثابتة، وصل خبر غير متوقع هزّ استقرار الأسابيع الهادئة التي عاشها ياسين ولمى مؤخراً. اتصل بهما كمال ذات صباح، صوته يحمل قلقاً مهنياً معتاداً كلما تعلق الأمر بأي تطور جديد في قضية زهير. "تقدم محامي زهير باستئناف رسمي على الحكم"، أخبرهما بحذر، "مستنداً هذه المرة إلى طعن في إجراءات جمع الأدلة، تحديداً في كيفية حصول الشرطة على بيانات الموقع الجغرافي للهاتف المستخدم في التهديدات. يدّعي المحامي أن هناك خللاً إجرائياً في الحصول على إذن قضائي بذلك التتبع."شعرت لمى بموجة من القلق القديم تعود إليها رغم محاولاتها المستمرة للتحرر من ظلال تلك الفترة المظلمة. "هل يمكن أن ينجح هذا الاستئناف في تخفيف الحكم أو إلغائه؟"طمأنها كمال بحذر: "من الناحية الفنية، هذا احتمال ضعيف جداً، فالأدلة الأخرى، من شهادة عادل الموثقة إلى اعتراف فراس المسجل رسمياً، تكفي وحدها لإدانة قوية بغض النظر عن مسألة تتبع الهاتف. لكن هذا يعني أن ملف القضية سيبقى مفتوحاً قانونياً لفترة إضافية، وقد نحتاج لحضور جلسة استئناف قصيرة خلال الأشهر القادمة."حاول ياسين أن يخفف من قلق لمى، مذكّراً إي
مرّ شهر تقريباً على لقاء لمى بعمتها فاطمة، شهر حمل استقراراً نادراً في حياة الاثنين، بين تحضيرات الزفاف المتزايدة وزيارات متكررة لفاطمة التي أصبحت جزءاً أساسياً من دائرة العائلة الصغيرة المتنامية حول ياسين ولمى. لكن ياسين لم ينسَ ذلك التفصيل الذي ذكره كمال قبل أسابيع، عن شريك رابع محتمل ظهر اسمه بشكل غامض في مستندات مشروع النخيل القديمة.في أحد الأيام، وبينما كان ياسين يراجع بعض المخططات في مكتبه، اتصل به كمال بصوت يحمل جدية متجددة. "ياسين، عدت للتحقيق في تلك الإشارة الغامضة عن الشريك الرابع، ووجدت شيئاً مثيراً للاهتمام. يبدو أن هناك مستثمراً رابعاً كان جزءاً من المفاوضات الأولية لمشروع النخيل، رجل يُدعى كريم الوزاني، لكنه انسحب من الصفقة في اللحظات الأخيرة قبل توقيع العقد النهائي، لأسباب غير موثقة بوضوح في الأوراق التي لدي.""هل تظن أن لهذا أي تأثير على وضعنا القانوني الحالي؟" سأل ياسين بحذر، بدأ يشعر بنوع من الإرهاق من الاكتشافات المتلاحقة التي بدت وكأنها لن تتوقف أبداً."من الناحية القانونية الصرفة، لا، فقد انسحب رسمياً قبل توقيع العقد، ولا يملك أي حق قانوني في المشروع الحالي. لكن
اتفقت لمى مع فاطمة على اللقاء في اليوم التالي، في نفس المقهى الهادئ قرب الميناء الذي كان قد شهد لقاءها الحاسم مع عادل قبل أشهر. أصرّ ياسين على مرافقتها هذه المرة، بعد كل ما مرّا به من مفاجآت غير متوقعة، ولم تعترض لمى على ذلك، بل شعرت بارتياح لوجوده بجانبها في مواجهة أي حقيقة جديدة قد تنكشف.وصلت فاطمة في الموعد المحدد، امرأة في أواخر الستينيات من عمرها، ترتدي ملابس بسيطة أنيقة، وتحمل حقيبة يد قديمة تمسك بها بإحكام كما لو كانت تحتوي على كنز ثمين. جلست أمامهما بحذر، عيناها تتفحصان ملامح لمى بتمعن شديد، وكأنها تبحث عن شبه عائلي تعرفه جيداً."سامحيني على هذا اللقاء المفاجئ"، بدأت فاطمة حديثها بصوت مرتجف قليلاً من التأثر. "لكن حين سمعت قصتك من ابنة أختي، التي تعمل ممرضة في المستشفى وسمعت الحديث عن قضيتك المشهورة في المدينة مؤخراً، شعرت أن عليّ واجباً أخلاقياً لا يمكنني تجاهله."سألتها لمى بلطف: "كيف تربطك القرابة بوالدي بالضبط؟"أخرجت فاطمة من حقيبتها صورة قديمة مهترئة الأطراف، ووضعتها بحذر على الطاولة أمامهما. كانت الصورة لعائلة كاملة تقف أمام منزل قديم، من بينهم طفل صغير بدا وكأنه في الع





