FAZER LOGIN677لم أكن أعرف كيف أتصرف، أو ماذا يمكنني أن أقول في تلك اللحظة. كان أسر لا يزال متشبثا بي بقوة، يدفن وجهه في جسدي وكأن ابتعاده عني سيعني فقداني إلى الأبد. كانت ذراعاه الصغيرتان تطوقانني بإصرار، وكلما حاولت التحرك شعرت بأصابعه تزداد تشبثًا بملابسي. لم أحتج إلى رؤية وجهه لأعرف أنه يبكي، فقد كانت شهقاته المتقطعة تصل إلى مسامعي، وتخترق قلبي مع كل نفس مضطرب يخرج منه. أما أنا، فلم أكن أفضل حالا منه. كنت أحاول التماسك أمامه، وأقاوم رغبتي في احتضانه بقوة أكبر، لأنني لم أكن أريد أن يشعر بأنني خائفة مثله. لكن الحقيقة أنني كنت مرعوبة. فكرة أن يُنتزع أطفالي مني مرة أخرى كانت تفوق قدرتي على الاحتمال، ولم أكن أعرف إن كنت سأتمكن من النجاة من ذلك إن حدث بالفعل. رفعت عيني نحو كايل. كان يقف أمامنا بملامح متصلبة، وفكه مشدود إلى درجة جعلتني ألاحظ التوتر الواضح في عضلات وجهه. بدا وكأنه يخوض صراعا داخليا لا يريد لأحد أن يراه، يحاول التمسك بقراره رغم المشهد الذي يقف أمامه. لم أستطع قراءة ما يدور في رأسه، لكنني رأيت عينيه تنتقلان بين أسر المتشبث بي ووجهي، وكأن بكاء طفلنا وضعه أمام شيء لم يكن مستعدا لمواجهته
676لم أعرف كيف خرجت الجملة من فمي. لكنني رأيت أثرها علي كايل بوضوح. تراجع وجهه قليلا، وكأن أحدهم سدد ضربة مباشرة إلى صدره. ظل ينظر إليّ دون أن يرمش، ثم هز رأسه ببطء، قبل أن ينفجر صوته فجأة:ــ تباضرب الحائط بقبضته، فارتج جسده من شدة الغضب، ثم عاد ينظر إليّ وعيناه محمرتان: ــ اللعنة عليكِ يا ليانكان صوته مكسورا هذه المرة، ولم يكن الغضب وحده ما أسمعه فيه حين تابع: ــ أربع سنوات.. أربع سنوات وأنا لم أرفع عيني على امرأة أخرى... لم أفكر في غيرك، ولم أسمح لنفسي حتى بالنظر إلى امرأة بطريقة قد تسيء إليكِ وأنتي بعيدة ، وفي النهاية أكتشف أنكِ كنتِ تحملين من رجل آخر؟!ارتجفت شفتاي، وشعرت بالدموع تتجمع في عيني، لكنني أجبرت نفسي على الثبات. تابع بصوت يزداد ارتفاعا:ــ كيف استطعتِ فعل ذلك؟! كيف عدتِ إليّ وكأن شيئا لم يحدث؟!لم أجد إجابة. ماذا كان بإمكاني أن أقول هل أخبره أنني كنت أتمنى لو أستطيع أن أعود بالزمن إلى تلك الأيام، وأن أمحو كل ما حدث؟ هل أخبره أنني أحمل من الأسرار ما يكفي لتدمير كل شيء، وأن الحقيقة التي يعرفها الآن ليست سوى جزء صغير مما أخفيه.. هل اخبره بالحقيقة حتي يشعل حربا لم يست
675لم أستطع استيعاب ما حدث. بقيت واقفة في مكاني، ويدي لا تزال ملتصقة بوجنتي التي اشتعلت ألما من أثر الصفعة، بينما كنت أحدق في كايل بعينين متسعتين. لم يكن الألم هو ما صعقني، بل حقيقة أنه هو من فعل ذلك. كايل، الرجل الذي عشت معه والذي لم أتخيل يوما أن يرفع يده عليّ، فعلها أمام الجميع دون أن يتردد. ساد صمت ثقيل في الممر، وكأن الجميع فقدوا القدرة على الحركة. حتى ألكسندر بدا للحظة عاجزا عن تصديق ما رآه، قبل أن تتبدل ملامحه فجأة، ويتقدم نحو كايل بغضب عارم: ــ أيها الوغدكان على وشك الانقضاض عليه، لكنني تحركت بسرعة وأمسكت بذراعه، أوقفته قبل أن يصل إليه: ــ ألكسندر، لاالتفت إليّ بحدة، وكانت عيناه تشتعلان غضبا، لكنه توقف عندما رأى حالتي. لم أكن أريد شجارا آخر، ولا مزيدا من الفوضى. كانت ابنتي خلف ذلك الباب، ولم أعد أحتمل أن يحدث شيء آخر قبل أن أطمئن عليها.لكن أمير لم يكن مستعدا للوقوف متفرجا. اندفع نحو كايل، وأمسكه من مقدمة قميصه بكلتا يديه، ثم جذبه نحوه بعنف، حتى كاد وجههما يتلامس: ــ كيف تجرؤ على رفع يدك عليها؟! كيف تجرؤ على فعل ذلك لم يبدُ أن كايل اهتم بتهديده، بل ظل ينظر إليه ببرود غ
674وفي هذا الوقت تغير وجه كايل فجأة، وكأن كلماتي لم تكن متوقعة على الإطلاق: ــ أي زوجة بحق الجحيم؟!نظرت إليه بصمت، فأمسك بذراعي مجددا لكن هذه المرة بدا وكأنه يحاول إجبار نفسه على فهم ما أقوله: ــ عمّن تتحدثين ؟ وكيف أصبحت زوجتي؟! أنتِ زوجتي، ولم أتزوج امرأة أخرىابتلعت ريقي بصعوبة، ثم قلت:ــ لقد رأيتها هناك، ولم أكن أريد أن أفتعل مشكلة أمامها. جئت لأتحدث إليك، لكنها كانت موجودة، لذلك غادرت.اشتد فكه، وأخذ يحدق بي وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه: ــ أنتِ تعمدتِ ألا تخبرينيــ لا، لم أتعمد ذلك.. أقسم لك أنني كنت سأخبرك. جئت أمس لأخبرك، لكنني لم أجد فرصة مناسبة، واليوم...انكسر صوتي، ولم أستطع إكمال الجملة. وضعت يدي على وجهي، وانفجرت بالبكاء: ــ اليوم فقدت ابنتي وعيها بين ذراعيّ يا كايل. هل تظن أنني كنت أفكر في أي شيء آخر؟ أنا خائفة عليها... لا أستطيع حتى تخيل أن يحدث لها مكروه.ظل واقفا أمامي، والغضب لا يزال واضحا على وجهه، لكن نظراته انتقلت إلى دموعي المرتجفة، ثم إلى يدي التي كنت أضغط بها على صدري محاوِلة تهدئة أنفاسي. بدا وكأنه يريد قول شيء، لكنه لم يجده اما أنا فكنت أبكي بصمت، وأح
673لم أعد أتذكر كيف وصلنا إلى المستشفى، ولا كم استغرق الطريق. كل ما أتذكره هو أنني كنت أصرخ باسم حياة طوال الوقت، بينما كان كايل يحتضنها بين ذراعيه في المقعد الخلفي، ويطلب من السائق أن يسرع أكثر. ما إن توقفت السيارة أمام مدخل الطوارئ حتى اندفع كايل إلى الخارج حاملا ابنتنا، وراح ينادي الأطباء بصوت مرتفع. نزلت خلفه بسرعة، وكادت قدماي تخونانني وأنا أركض وراءه، غير قادرة على استيعاب أن طفلتي التي كانت بين ذراعي قبل دقائق أصبحت الآن فاقدة للوعي. استقبلنا الطاقم الطبي، ووضعوا حياة على سرير متحرك، ثم أخذوها إلى الداخل بسرعة. حاولت اللحاق بهم، لكن إحدى الممرضات أوقفتني لتسألني عن حالتها، فالتفت إليها بوجه غارق في الدموع: ــ ابنتي تعاني من مشكلة في القلب... لديها مشكلة سابقة، وقد أخبرنا الأطباء من قبل أن حالتها تحتاج إلى متابعة. لكنها كانت بخير، أقسم أنها كانت بخير قبل دقائقخرج صوتي مرتجفا، ولم أستطع منع نفسي من الإمساك بذراعها: ــ لقد بدأت تتعرق فجأة، وأصبحت تتنفس بصعوبة، ثم وضعت يدها على صدرها وفقدت الوعي. أرجوكِ، افعلي شيئاطلبت مني الممرضة أن أهدأ، ثم أسرعت إلى الداخل لتلحق بالطبيب. بق
673هذه اللعينه كاثرين لم يكن من حقها أن تتحدث عن أطفالي، أو عن علاقتي بكايل، فضلا عن أنها تتحدث عن مغادرتي وكأنها تنتظر اليوم الذي أتخلص فيه من هذا المنزل لتستولي هي على المكان الذي أتركه خلفي فقلت .: ــ ومن قال لك إنني سأترك أطفالي هنا عندما أغادر؟رفعت كاثرين حاجبيها، ونظرت إليّ باستغراب مصطنع: ــ ماذا تقصدين؟ــ أقصد أنني عندما أغادر هذا المنزل، سأصطحب أطفالي معي. لن أتركهم هنا.اختفت ابتسامتها قليلا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها: ــ لكنهم أبناء كايل أيضا ومن حقه أن يبقوا معه.ــ لم أقل إنهم ليسوا أبناءه، لكنني لن أتركهم في مكان لا أشعر فيه بالأمان، ومع أشخاص لا يحترمون حتى حدودهم معهم.ــ ليان، كفى.جاء صوت كايل هذه المرة أكثر حدة، فالتفت إليه. كان ينظر إليّ بغضب واضح، وكأنه لم يعد يحتمل الحديث عن انفصالنا أمام الآخرين، لكنني لم أكن مستعدة للتراجع: ــ لا، لن أكف عن الحديث. أنا أتحدث عن أطفالي، ولن أسمح لأحد بأن يقرر أين سيعيشون أو مع من سيبقون دون موافقتي.تقدم نحوي خطوة، وقال بنبرة حاسمة:ــ لن تأخذي أطفالي مني يا ليان. هذا لن يحدث.ــ بل سيحدث إن قررت ذلكتغيرت ملامحه فور







