LOGINلطالما آمنتُ أن الأحلام الكبيرة لا تُمنح مجانًا... وأن من أراد الوصول إلى القمة، عليه أن يكون مستعدًا لدفع الثمن، مهما كان باهظًا. كنتُ أعيش في عالمٍ لا يشبه أحلامي إطلاقًا؛ عائلة بسيطة، حياة متواضعة، وأمنيات أكبر من أن تتسع لها جدران منزلنا الصغير. لذلك، كلما مررتُ أمام واجهات المتاجر الفاخرة، كنتُ أتخيل انعكاس صورتي بينها... امرأة تنتمي إلى ذلك العالم المخملي، عالم المال والنفوذ والترف. ولم أكن أهتم كثيرًا بالطريقة التي ستوصلني إليه... كل ما أردته هو الوصول. لكنني لم أكن أعلم أن بعض الأحلام حين تتحقق، تأتي محمّلةً بلعنةٍ لا يمكن الفرار منها. ظننت أن الثراء سيكون مفتاحي إلى الحياة التي لطالما تمنيتها، وأن المال سيمنحني الحرية التي حُرمت منها... لكنني اكتشفت متأخرةً أنني لم أعبر إلى الجنة، بل دخلتُ بإرادتي إلى قفصٍ من ذهب. قفصٌ يملكه رجلٌ لا يعرف الرحمة، ولا يسمح لأحدٍ بالخروج من عالمه. رجلٌ ذو نفوذٍ طاغٍ، ووجهٍ لا يكشف شيئًا مما يدور خلف عينيه الباردتين.
View Moreيقولون إن الحياة عادلة.
لكن من عاشها حقا يعرف أن العدالة ليست سوى كلمة جميلة نرددها كي نتحمل الفوارق التي نراها كل يوم. فالعالم، في نظر بطلتنا، لم يكن أكثر من كعكة ضخمة مقسمة إلى طبقات؛ طبقة فوق طبقة، وكلما ارتفعت إلى الأعلى، صار الهواء خانقا وصارت الأبواب أكثر صعوبة في الفتح. في القاع، هناك الطبقة الكادحة. أناس يستيقظون قبل الشمس، يركضون خلف أرزاقهم، ويعودون إلى بيوتهم منهكين، لكنهم يملكون شيئا لا يمكن شراؤه بسهولة؛ دفء العائلة، ضحكات الأطفال، وجلسات الشاي التي تجمعهم حول مائدة صغيرة وكأنها مملكة كاملة. لم يكونوا يملكون الكثير، لكنهم كانوا يعرفون قيمة ما يملكون. ثم تأتي الطبقة المتوسطة. أناس لا يموتون جوعا، ولا يعيشون في القصور، لكن لديهم سقف فوق رؤوسهم، وطعام على موائدهم، وربما سيارة وبعض الكماليات، لكن أعينهم لا تكف عن الصعود. ينظرون إلى من هو أعلى منهم. يقارنون. يحلمون. ويحسبون دائما كم يحتاجون من المال كي تصبح حياتهم شبيهة بحياة أولئك الذين يرونهم على شاشات هواتفهم. أما في القمة... فهناك عالم آخر تماما. عالم الأغنياء. الطبقة البرجوازية والرأسمالية التي لا تحتاج إلى الركض خلف شيء؛ لأن كل شيء يركض إليها. أموال موروثة. شركات. قصور. سيارات فاخرة. سفر حول العالم. وأسماء عائلية تفتح الأبواب قبل أن يطرق أصحابها عليها. كانوا يولدون وفي أيديهم مفاتيح الحياة، لا يعرفون معنى أن تحلم بشيء ثم تحسب ما إذا كان راتبك يسمح لك بشرائه، ولا يعرفون معنى أن تؤجل تلبية رغبة ما لأن فاتورة الكهرباء أهم. كل شيء كان متاحا. وربما لهذا السبب تحديدا، كان بعضهم يشعر بالفراغ. حين تصبح الأشياء التي يحلم بها الآخرون عادية في حياتك، تفقد الكثير من الأشياء بريقها. سيارة جديدة؟ يمكن شراؤها. سفر؟ متى شئت. مطعم فاخر؟ احجز الطاولة. جامعة مرموقة؟ الأبواب مفتوحة. بيت جديد؟ هناك أكثر من خيار. حتى الأحلام، بالنسبة إليهم، كان يمكن شراؤها. وهكذا عاش بعضهم داخل أبراجهم العاجية، بعيدين عن صخب الطبقات الأخرى، لا تتقاطع طرقهم معها إلا في مناسبات عابرة. وفي هذا العالم المتناقض، كان بطل قصتنا قد ولد في أعلى السلم. لم يكن يعرف معنى أن يبدأ من الصفر. كل شيء كان ينتظره. اسم عائلة قوي. مال. نفوذ. مستقبل مضمون. لكن بطلتنا؟ كانت من عالم آخر تماماً. من المغرب في مدينة تطوان، وُلدت في أسرة متوسطة؛ أب شمالي وأم من الدار البيضاء، عائلة بسيطة تعيش بكرامة، وتعرف كيف تدبر أمورها دون أن تمد يدها لأحد. كان بيتها متواضعا، حياتها عادية لكن أحلامها لم تكن كذلك، كانت عيناها دائما معلقتين بالسماء. كلما فتحت هاتفها ورأت فتاة من طبقة الأثرياء تتجول في باريس، أو شابا يصور سيارته الفاخرة، أو عائلة تقضي عطلتها في منتجع لا ف حتى اسمها... كانت تشعر بشيء يحترق داخلها. لم تكن تكتفي بالإعجاب. كانت تغار وتغضب وتتساءل: لماذا هم؟ وليس أنا؟ ومع مرور الوقت، تحول الحلم إلى هوس، لم تعد تريد حياة أفضل فحسب، كانت تريد أن تصبح واحدة منهم، بأي طريقة وبأي ثمن. ولم تكن تعرف بعد أن الطريق إلى القمة قد يجعل الإنسان يخسر أشياء لم يكن يتخيل يوما أنه قادر على خسارتها. في أحد صالونات الخياطة، كانت رائحة الشاي بالنعناع تختلط برائحة القماش الجديد والعطور النسائية. جلست امرأتان متقابلتين حول مائدة صغيرة، وبينهما صحن من الحلويات المغربية. قالت الأولى وهي تمد يدها نحو كأسها: "أيتها الخائنة! اسكبي لي كوب ٱخر من الشاي، لقد اشتقت حقاً لدردشاتنا يا صديقتي!" ضحكت الثانية وهي تصب لها الشاي."أين غبتِ أيتها المرأة! لم نرك منذ دهور، بل توقفتِ حتى عن القدوم لتعديل ملابسك، ما سبب هذا الغياب كله؟" وضعت المرأة الكأس أمامها وتنهدت بعمق: "لنستر الأمر يا أختي..." ومدت لها طبق الحلويات، "أنا وحدي في مواجهة تلك المصيبة التي ابتلاني الله بها!" قالت مليكة أو ملاك كما اعتادت أن تناديها صديقاتها وهي ترفع يدها إلى جبهتها في حركة استسلام. "طوال اليوم وأنا أركض خلفها وكل مالي يذهب عليها أريدها فقط ألا تشعر بالنقص أمام صديقاتها، لكن ماذا أفعل وهي لا تعرف إلا الماركات؟ تشتري شيئاً جديدا اليوم، وغداً تراه قديماً!" ضحكت صديقتها بخفة. ثم تابعت الأم وهي تهز رأسها: "هي الآن في السابعة عشرة من عمرها، وستبلغ الثامنة عشرة قريباً، تريد أن تعبر عن نفسها، وأن ترتدي ما يحلو لها، وتخرج كما تشاء، وتسافر وكأنها امرأة في الثلاثين من عمرها!" أجابت الصديقة بهدوء: "هذه هي فترة المراهقة." "هذه ليست مجرد مراهقة؛ هذه حرب!" طرقت ملاك بیدها على الطاولة. وتابعت بنبرة محبطة: "هي وأبوها أصبحا كقط وفأر، هو يقول يميناً، وهي تقول يساراً، يأمرها بشيء فتفعل العكس فقط لتثبت له أنها تستطيع. "وأنتِ؟" أجابت ملاك بابتسامة متعبة: "أنا حاول أن أظل على الحياد، أحاول امتصاص غضبها لتقترب مني وتخبرني بما يدور في ذهنها." توقفت قليلاً، ثم أضافت بنبرة ساخرة: "لكنها أذكى مما ينبغي، لا تخبرني إلا بما تريد مني أن أعرفه، وكل مرة أكتشف خدعة جديدة." ضحكت صديقتها مرة أخرى. "يبدو أن ابنتك تعرف كيف تتعامل مع والدتها." "لا تضحكي!" أشارت ملاك حول المحل. "أنا أنفق كل دخل هذا الصالون تقريباً عليها!" وتابعت ملاك بصوت يرتفع من شدة الاستياء: "ولو أغلقت الصالون، فلن يدفع لي أبوها حتى ربع درهم مقابل الأموال التي أنفقتها عليها!" أشارت صديقتها بلطف: "لكنه أبوها." قالت ملاك بصوت منخفض: "أنا أدرك ذلك، ولا أطلب منه أن يتركها بلا شيء، لكنني أريدها أن تفهم أننا لسنا أثرياء كما تظن." ثم انحنت أقرب "أبوها رجل عسكري، وأنتِ تعرفين كيف يكون العسكريون – الأوامر هي الأوامر، لا مجال للنقاش أو التسوية، حتى مع زوجته." تنهدت بعمق: "وأنا واقعة بين نارين." ابتسمت صديقتها وقالت: "هذه مرحلة حرجة يا عزيزتي، ابنتك تمر بمرحلة صعبة، لذا حاولي ألا تكوني صارمة معها كثيراً، خاصة أنها طفلتك الوحيدة." أطلقت ملاك تنهيدة طويلة ومجهدة: "آه يا أختي..." ثم توقفت وتمتمت بصوت منخفض: "المشكلة أنها تريد أن تكبر بسرعة أكثر من اللازم، كل شهر تريد تغيير شيئ في مظهرها، وكل يوم تذهب إلى الصالون لتصفيف شعرها ووضع المكياج، ثم تقول لي: ابقي بعيدة، أنا أعرف ما أفعله!" ضحكت صديقتها: "لأنها جميلة وتلفت الانظار." "هذا هو السبب بالذات الذي يجعلني قلقة عليها!" ضربت ملاك كفاً بكف، ثم اقتربت من صديقتها وخفضت صوتها كأنها تتحدث عن سر خطير. "الفتاة تجذب الانتباه دون حتى أن تدرك ذلك وفوق ذلك، تمتلك تلك الحركات، والمشية المتغنجة، وطريقة اللبس تلك... إنها تطير يا أختي، تطير" وضعت صديقتها كأس شاي أمامها: "دعيها وشأنها؛ ما زالت صغيرة." اتسعت عيناها ملاك دهشة: "صغيرة؟! هي مقتنعة أنها تفهم كل شيء، وأننا جميعا مجموعة من المغفلين، تعتقد أنها الشخص الوحيد الذكي والراقي، بينما ما زلنا نعيش في العصر الحجري!" تنهدت بحرقة وهي تستند إلى مقعدها. "بصراحة، أتمنى أن تتزوج قريباً، لكي أرتاح من صداعها المستمر." قبل أن تتم جملتها، توقفت ملاك فجأة. التفتت عيناها نحو باب الصالون، فانحنت أقرب إلى صديقتها بينما انخفض صوتها إلى همسة حادة. "آه... ها قد وصلت العروس." استدارت بسرعة نحو صديقتها، وقد تحول تعبير وجهها من الاستياء إلى تحذير محموم. "غيري الموضوع فوراً! إن سمعتِني أتحدث عنها، ستعتبرني عدوتها الرسمية ونبدأ حرباً جديدة لا تنتهي!" في تلك اللحظة بالذات، ظهرت غيثة عند الباب.صعدت غيثة الدرج ببطء، وكأن كل خطوة تثقل قدميها أكثر من سابقتها. لم تلتفت إلى أصوات الضحكات القادمة من الصالون، ولم تحاول حتى أن تبدو طبيعية أمام أفراد العائلة الذين كانوا لا يزالون منشغلين بالحفل.كانت كلماتها لعهد تتردد في رأسها، وصورته وهو يغادر الحديقة تلاحقها رغم محاولتها التخلص منها. لم تشعر بالانتصار الذي تخيلته حين واجهته، ولم يمنحها ابتعاده الراحة التي كانت تنتظرها.وصلت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم أسندت ظهرها إليه للحظات. بقيت واقفة في مكانها، تحدق في الفراغ، قبل أن تخور قواها وتتجه نحو السرير.لم تبدل ملابسها، ولم تهتم بإضاءة الغرفة. ارتمت فوق الفراش، وسحبت الغطاء إلى جسدها، ثم دفنت وجهها في الوسادة.انفجرت بالبكاء.كانت تحاول كتم صوتها حتى لا يسمعها أحد، لكن شهقاتها كانت تتصاعد رغمًا عنها. لم تكن تعرف إن كانت تبكي بسبب ما فعله عهد بها، أم بسبب عجزها عن نسيان ما حدث، أم بسبب ذلك الاضطراب الذي تركته مواجهته في صدرها.أغمضت عينيها بقوة، وتمتمت بصوت متهدج: "أريد فقط أن ينتهي كل هذا..."لكن الذكريات لم ترحمها.ظلت تبكي حتى غلبها التعب، واستسلمت للنوم وهي لا تزال
كانت أجواء الحفل قد بدأت تزداد حيوية مع توافد أفراد العائلة، وتعالت الأحاديث والضحكات في أرجاء الصالون الكبير، بينما انشغل الجميع بتبادل التهاني والاطمئنان على غيثة بعد عودتها إلى القصر.لكن وسط كل ذلك، كان هناك شخص واحد لم يستطع الانشغال بأي شيء آخر.عهد.وقف بالقرب من والدته، يحمل كأسًا لم يذق منه سوى رشفة واحدة، بينما كانت عيناه تتنقلان باستمرار نحو غيثة، التي كانت تجلس مع باقي أفراد العائلة.كان يراقبها بلهفة طفل ينتظر من شخص يحبه أن يلتفت إليه، ولو للحظة واحدة. لم يكن يريد أكثر من نظرة، نظرة واحدة فقط تخبره بأنها لاحظت وجوده، أو أنها على الأقل مستعدة للاعتراف بأنه يقف في المكان نفسه معها.لكن هيهات!كانت غيثة شاردة تمامًا، وكأن الحفل يدور في عالم بعيد عنها، فكلما تحدث إليها أحد، اكتفت بهزة رأس أو إيماءة صغيرة، وأحيانًا كانت ترسم ابتسامة باهتة على شفتيها قبل أن تعود إلى شرودها. لم تبحث عنه بعينيها، ولم تحاول الاقتراب منه، بل بدا واضحًا أنها تتعمد ألا تلتقي نظراتهما.أما عهد، فكان يزداد توترًا مع مرور الدقائق. رفع كأسه إلى فمه، ثم أنزله دون أن يشرب، قبل أن يتمتم بضيق: "هل من الص
لم تكن غيثة تتوقع أن يتحول الاستعداد للحفل إلى معركة حقيقية تخوضها أمام المرآة، لكن وعد، التي اقتحمت غرفتها قبل ساعة برفقة خبيرة تجميل تحمل حقيبة ضخمة، قررت منذ اللحظة الأولى أن تتولى زمام الأمور بنفسها، رافضةً أي اعتراض من زوجة أخيها."توقفي عن العبوس يا غيثة، وكأننا ذاهبتان إلى جنازة لا إلى حفل!" قالت وعد وهي تجلس خلفها، تراقب خبيرة التجميل وهي تضع اللمسات الأخيرة على مكياجها. "أريدك أن تبتسمي قليلًا. أنت جميلة، لكنك تتصرفين وكأن الجمال عقوبة فُرضت عليك."توقفت أصابع غيثة فوق طرف الفستان الذي كانت تستعد لارتدائه، ثم رفعت رأسها، وأومأت ببطء.بعد قليل، انتهت خبيرة التجميل من وضع اللمسات الأخيرة، فنهضت غيثة لتقف أمام المرآة بكامل هيئتها.كان فستانها الأبيض أنيقًا، مكشوف الكتفين، ينساب برقة حول قوامها ويبرز جمالها الهادئ دون مبالغة. أما شعرها، فقد تركته منسدلًا في تموجات ناعمة حول وجهها، بينما اكتفى مكياجها بإبراز عينيها وملامحها الرقيقة. بدت كأنها خرجت من لوحة فنية، تجمع بين البراءة والجاذبية في آن واحد.وقفت وعد خلفها، ثم أطلقت صفير إعجاب قصيرًا. "حسنًا، لقد سحبت كلامي. أنتِ لا تحتا
ثم اقتربت منه وهمست بمكر: "وقلب يخفق لفتاة معينة."توقفت يد عهد التي كانت تمتد نحو قميصه، ورفع عينيه إليها ببطء، محذرًا: "أمي..."ابتسمت مروى ببراءة زائفة، ثم رفعت كفيها قائلة: "ماذا؟ لم أقل شيئًا!"نظر إليها عهد نظرة طويلة قبل أن يرد: "بل قلتِ الكثير بنظرة واحدة."ضحكت مروى، ثم جلست على طرف الأريكة القريبة من النافذة، وكأنها جاءت إلى غرفته خصيصًا لقضاء سهرة طويلة من الثرثرة، قبل أن تسأله بنبرة عابرة: "على ذكر الفتيات، هل أخبرتك أن غيثة عادت إلى القصر؟"لم يتغير وجه عهد كثيرًا، لكنه التفت إليها بسرعة لم تفُتها، وأجاب باقتضاب: "أعرف."اتسعت ابتسامتها فورًا، وقالت بفضول: "تعرف؟ ومن أخبرك؟"أخرج عهد قميصًا من الخزانة، ثم رد ببرود متعمد: "أمي، أنا في القصر. ليس من الصعب أن أعرف أن شخصًا عاد إليه."أومأت مروى بتفهم مصطنع، ثم قالت وهي تحاول كتم ضحكتها: "بالطبع، بالطبع. وأنا أيضًا حين كنت في عمرك، كنت أعرف أخبار الجميع بمجرد دخولي المنزل، خصوصًا أخبار الشخص الذي لا يهمني إطلاقًا."قطب عهد حاجبيه، ثم سألها بامتعاض: "هل جئتِ لتتحدثي معي أم لتلقي محاضرة في علم النفس؟"أجابته مروى بلا تردد: "بل
reviewsMore