LOGINولدَ آسر في قرية فقيرة وعاش طفولته بين تعب الحياة وبساطة الأيام، بعد أن تركه والداه ليعيش مع جدته التي ربته بكل ما تملك من حنان، لكن القدر لم يمهله طويلاً، إذ توفيت جدته بمرضٍ لم يجدوا له علاجاً بسبب الفقر وقلة الإمكانيات، ومع موتها بدأت حياة آسر تنقلب تماماً، حيث اجتمع والده وعمه وقررا مصيره وسط ديون ثقيلة أنهكت العائلة، ليجد نفسه مُجبرًا على دخول عالمٍ قاسٍ لا يعرف الرحمة، عالم سيحوّله من طفلٍ بريء إلى رجلٍ يصعد خطوة بخطوة نحو القمة مهما كان الثمن.
View Moreكانت الكرة ترتطم بالأرض الترابية وتطيح بين أرجل الأطفال،
والغبار يرتفع مع كل ركضة. أصوات الضحك كانت عالية، متداخلة، وما بيها أي هم غير اللعب. ركلها بقوة، وابتعدت شوي، فركضوا وراها وهم يضحكون ويصرخون. “آسر، أبوك ناداك.” وقف لحظة، يلهث، ومسح عرقه من جبينه بطرف إيده، وبعدين ترك اللعب ومشى باتجاه البيت. من بعيد، حس الجو مختلف. هدوء مو طبيعي، كأنه الناس داخلة البيت وخارجة بصمت. دخل. الغرفة كانت مليانة رجال من العائلة. أبوه جالس، وجهه تعبان وعينه على الأرض. أمه واقفة على الطرف، ساكتة. والعم مقابلهم. آسر وقف عند الباب. “تعال.” قال أبوه بدون ما ينظر له. قرب شوي وبقى واقف. الغرفة سكتت لحظة. أبوه كسر الصمت: “جدتك كانت تتعالج… ما كملنا العلاج.” آسر ما رد، بس عينه تحركت شوي. أبوه كمل بصوت أخف: “تـألمت فترة طويلة… كانت مصابه بـ سرطان المعدة.” سكت لحظة، وبعدين رجع الكلام بصعوبة: “ما كان عدنا فلوس كافيه... حاولنـا نعالجها بس ماكـدرنا.” آسر ظل ساكت، ما يستوعب، بس كلمة “تـألمت” و”ما كـدرنا” كانت ثقيلة. أبوه نزل عينه للأرض: “جدتك ربّتك من وانت صغير.. ومن اليوم… ما بقى أحد يمسكك مثل قبل.” آسر بلع ريقه، ونظر للأرض بدون ما يتكلم. وكأنه فهم مرّت الأيام بعدها بسرعة، والبيت صار مليان ناس مثل ما كان، بس الضحكه القديمه مارجعت. كان واضح إن كل شي انتهى. واليوم اللي بعده، نفس الرجال رجعوا يجتمعون. آسر كان جالس على طرف الغرفة، نفس المكان تقريباً، بس الجو مختلف. أبوه تكلم بصوت واطي: “ما أگدر أبقيه عندي.” سكت.وتنهد.. قال: “الديون ما خلت شي بحالي.” العم تحرك من مكانه، بس ما قاطع الكلام. أبوه كمل: “ما عندي غير حل واحد.” آسر رفع عينه شوي، بس ما تكلم. الأب وقف لحظة، وبعدين قال: “يشتغل.” الغرفة سكتت. “مو عندي، عند غيري.” أكمل. الكلمة انقالت بدون شرح أكثر، بس المعنى كان واضح من طريقة صوت الأب. آسر ظل واقف بمكانه، وهو أول مرة يحس إن البيت اللي كان بيه ما عاد يشبه البيت اللي يعرفه. بعد وفاة جدته، اضطر آسر يترك البيت الصغير اللي عاش بيه كل طفولته. البيت اللي رغم فقره كان المكان الوحيد اللي حس بيه بالأمان. جمع ملابسه القليلة داخل كيس قديم، وطلع بدون ما ياخذ وياه شي غيره. الطريق لبيت أبوه كان طويل وهادئ بشكل مزعج. السيارة تمشي بين طرق الريف الترابية، وآسر جالس جنب الجام، يراقب البيوت البعيدة والأراضي الزراعية اللي كان يعرفها من زمان. ما كان حزين مثل ما توقع الناس، ولا بكى طول الطريق… كان فقط ساكت. بين فترة وفترة، كان يتذكر صوت جدته وهي تناديه حتى يرجع للبيت قبل الليل، أو وهي تحطله الأكل وتجلس تراقبه وهو ياكل كأنها تخاف يجوع مرة ثانية. لكن هالمرة، ماكو أحد ينتظره. وصلوا للبيت قبل المغرب بشوي. نزل من السيارة وهو يناظر المكان بصمت. البيت أكبر من بيت جدته، لكنه ما حسه مريح أبد. أمه فتحت الباب أول ما شافته، بس ما قربت منه، فقط قالت بصوت هادئ: “ادخل.” دخل آسر وهو ماسك الكيس بيده، وعينه تتحرك بالمكان ببطء. كان يعرف هذوله أهله… لكنه حس انهم غربه مو اهله. مرت الأيام ببطء، وآسر بدأ يتعود شوي شوي على البيت الجديد، أو بالأصح… تعود على الصمت اللي بيه. ما كان يقضي وقت طويل داخل البيت. أغلب يومه يطلع وحده ويروح للنهر اللي قريب من القرية. كان النهر هادئ، والمكان حوله فاضي أغلب الوقت، ولهذا آسر تعلق بيه بسرعة. يقعد على الصخور لساعات، يرمي الحصى بالماء، أو يراقب جريان النهر بدون ما يفكر بشي محدد. مرات ياخذ وياه الكرة القديمة ويجلس يلعب وحده، ومرات بس يبقى ساكت يناظر الماي وكأنه يحاول يهرب من كل اللي صار. هناك… كان يحس براحة أكثر من البيت نفسه. رجع البيت بوقت متأخر، والهدوء كان مالي المكان. أمه ترتب الصحون بالمطبخ، وأبوه جالس وحده يدخن بصمت. آسر دخل بدون كلام، بس أول ما قرب، أبوه رفع عينه عليه. “تعال.” قرب آسر وجلس مقابله. الأب بقى ساكت شوي، وبعدين قال: “من باچر عندك شغل.” آسر عقد حواجبه: “وين؟” “تروح ويا ناس أعرفهم.” “شنو الشغل؟” الأب تنهد بضيق: “تتعلم وتشتغل، هذا المهم.” سكت آسر لحظة، وبعدين سأل: “والمدرسة؟” الأب ما رد. آسر فهم الجواب وحده. نزل نظره للأرض وبقى ساكت. ثاني يوم الصبح، وقف قدام البيت ينتظر. الجو بارد شوي، والقرية بعدها هادئة. بعد فترة، توقفت سيارة سوداء قديمة قريب منهم. أبوه فتح الباب الخلفي بيده وقال: “اركـب.” آسر ظل واقف ثواني، وبعدين ركب بدون كلام. السيارة مشت بعيد عن القرية شوي شوي، والبيوت بدأت تختفي من الجام. آسر كان يراقب الطريق بصمت، وكل ما يبعدون أكثر، كان يحس بشي غريب بثگله داخل صدره. بعد وقت طويل، توقفت السيارة قدام بناية قديمة بمنطقة مزدحمة ما يعرفها. نزل من السيارة وهو يناظر المكان حوله. شباب واقفين برا، دخان، أصوات عالية، ووجوه ما تبين مريحة أبد. آسر التفت على أبوه بسرعة: “وين جبّتني؟” الأب نزل من السيارة وصفگ الباب وراه. “اشتغل واسكت، لا تسوي مشاكل.” آسر ثبت نظره عليه: “شنو الشغل أصلًا؟” الأب سكت، وبعدين قرب منه خطوة. “إذا تريد تعيش… سوّي اللي ينطلب منك.” وبعدين مشى للداخل، تارك آسر واقف بالمكان وهو يحاول يفهم شنو الحياة اللي دخلها للتو. دخل آسر وراه بخطوات بطيئة، وعينه تتحرك بكل مكان حوله. المبنى من الداخل كان أقدم مما توقع، جدران باهتة، دخان مالي الجو، وأصوات رجال تتعالى من الغرف البعيدة. بعضهم التفتوا عليه للحظة، ثم رجعوا لأشغالهم كأنه مجرد شخص جديد مرّ عليهم. آسر قرب من أبوه أكثر: “بابا… شنو هذا المكان؟” الأب ما رد. كمل مشيه لحد ما وقف قدام باب غرفة كبيرة، وبعدين فتحها بدون استئذان. الغرفة كانت أهدأ من برا، بيها مكتب قديم ورجل جالس وراه. كان بعمر الأربعين تقريباً، جسمه ضخم، ولحيته خفيفة، وملامحه حادة بطريقة تخلي الواحد يتوتر حتى وهو ساكت. رفع عينه على آسر للحظة طويلة، وكأنه يقيمه بنظرة وحدة. الأب تكلم أخيراً: “هذا الولد اللي حكيتلك عنه.” الرجل بقى ساكت ثواني، بعدها رجع نظره على آسر وقال بهدوء: “شكد عمرك؟” “12.” الرجل سند ظهره على الكرسي وهو يراقبه بصمت، ثم قال: “يبين أكبر من عمره.” آسر ما فهم إذا هذا مدح أو شي ثاني. الأب قرب من المكتب، وصوته صار أخفض: “راح يشتغل زين… بس أحتاج الفلوس بأسرع وقت.” آسر التفت عليه بسرعة. أول مرة يحس إن الموضوع مو مجرد “شغل”. الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة ما كانت مريحة أبد، وبعدين قال: “إذا يتحمل… راح يفيدنا.” آسر ظل واقف مكانه، ينظر للرجل اللي قدامه، ثم لأبوه، وكأنّه ينتظر أحد يشرح له شنو قاعد يصير. بس ماكو أحد تكلم. الأب رجع خطوتين للخلف، وعدّل جاكيته بسرعة، وبعدها قال وهو متجنب النظر لآسر: “اسمع كلامهم… ولا تسوي مشاكل.” آسر عقد حواجبه بسرعة: “وأنت؟” الأب فتح الباب بدون ما يجاوبه. ولمن طلع برا الغرفة، وانسد الباب وراه، حس آسر لأول مرة إنّه انترك فعلًا. أما الرجل، فبقى يراقبه بصمت للحظات، ثم أشار للكرسي اللي قدامه وقال: “اقعد… من هسه تبدأ حياتك الجديدة.”قبل أن يبدأ فصل جديد من حياة كليهما. _____ لم يكن ناصر يعرف إلى أين يأخذه عمه. منذ أن غادر بيت عمه صباحاً... وهو يسير معه بصمت. يحمل حقيبته القديمة بيديه. وينظر إلى الشوارع التي تمر أمامه. كل شيء كان يحدث بسرعة. سريعة أكثر مما يستطيع فهمه. قبل أيام فقط... كان ما يزال ينام في البيت الذي عاش فيه مع أمه وأبيه. أما الآن... فقد أصبح يسير خلف عمه. متجهاً إلى مكان لا يعرف عنه شيئاً. شدّ على حزام حقيبته قليلاً. وحاول منع نفسه من التفكير. لكنه فشل. عاد وجه أمه إلى ذاكرته. ثم صوت أبيه. ثم ضحكات إخوته الصغار. شعر بشيء يضغط على صدره. فأخفض رأسه بسرعة. لا يريد البكاء. ليس هنا. وليس أمام عمه. استمر بالمشي بصمت. حتى توقف عمه أخيراً أمام مبنى كبير. رفع ناصر رأسه ببطء. ونظر إلى المكان. لم يكن يعرف ماذا يتوقع. لكن هذا بالتأكيد لم يكن ما تخيله. وقف متردداً للحظة. فقال عمه: "يلا ندخل." أطاعه مباشرة. ودخل خلفه. --- أول ما لاحظه... كان الرجال. رجال في كل مكان. بعضهم يجلس. بعضهم يتحرك. وبعضهم يتحدث بصوت مرتفع. شعر ناصر
استيقظ آسر كعادته قبل أغلب من في المبنى. غسل وجهه بالماء البارد. ثم نزل إلى الطابق السفلي. كان المكان قد بدأ يستيقظ بالفعل. أصوات خطوات. وأكواب شاي. ورجال يستعدون ليوم جديد. لم يهتم آسر كثيراً. فقد اعتاد هذا الروتين منذ أشهر. كان ينوي التوجه إلى لوحة المهام كعادته. لكن قبل أن يصل إليها... سمع صوته. "آسر." التفت فوراً. كان رائد يقف قرب أحد الممرات. "تعال." اقترب آسر بسرعة. وتوقف أمامه. نظر إليه رائد لثوانٍ. ثم سحب ورقة مطوية من جيبه ووضعها بيده. فتحها آسر. كانت قائمة طويلة. أسماء. وأرقام. وأنواع مختلفة من البضائع. قرأ السطور الأولى بسرعة. ثم رفع رأسه باستغراب. "شنو هاي؟" أجاب رائد بهدوء: "وصلت شحنة للمخزن." سكت قليلاً ثم أكمل: "أريدك تطابق الموجود ويا المكتوب." نظر آسر إلى القائمة مرة أخرى. كانت أطول بكثير من أي قائمة رآها من قبل. فأضاف رائد: "أكو عشرة يساعدوك." شعر آسر بشيء من التوتر. لم يكن معتاداً على مسؤولية بهذا الحجم. لاحظ رائد تردده. فقال: "إذا لكيت نقص سجل النقص." "إذا لكيت زيادة سجل الزيادة." "إذا أكو شي تالف بلغ عنه." هز آسر رأسه. "
انتهى الأسبوع أخيراً. عندما استيقظ آسر ذلك الصباح، شعر بأن جسده أخف قليلاً. ليس لأن التعب اختفى. بل لأن العقوبة انتهت. لأول مرة منذ أيام... لن يقضي ساعات طويلة وهو ينظف الممرات أو المستودعات. جلس على حافة السرير للحظات. ثم نهض وارتدى ملابسه. وأثناء نزوله الدرج... شعر أن شيئاً غريباً قد تغير داخله. في السابق، كان يعد الأيام. وينتظر انتهاء العقوبة. أما الآن... فلم يشعر بفرح كبير. وكأنه بدأ يعتاد هذا النوع من الحياة. --- بعد الظهر خرج لتنفيذ إحدى المهام البسيطة. وكعادته مرّ بالقرب من الحي. كانت الساحة مليئة بالأطفال. لكن آسر لم يبطئ خطواته هذه المرة. ولم ينظر كثيراً. أصبح يعرف ما سيحدث. نظرات سريعة. تحية من بعيد. ثم يعود الجميع إلى حياتهم. لكن هذه المرة... سمع أحداً يناديه. "آسر!" توقف. والتفت خلفه. كان سامر. يركض نحوه بسرعة. تلفت يميناً ويساراً وكأنه يخشى أن يراه أحد. ثم توقف أمامه وهو يلهث. نظر إليه آسر باستغراب. "شنو؟" سكت سامر لثوانٍ. ثم قال: "اشتقتلك." ساد الصمت. لم يكن آسر يتوقع هذه الجملة. أبداً. فأ
كان الأطفال يُطلب منهم الابتعاد عن آسر. ___ مرّ اليوم الأول من العقوبة ببطء شديد. استيقظ آسر قبل شروق الشمس بقليل عندما سمع طرقاً قوياً على الباب. فتح عينيه بصعوبة. كان جسده ما يزال يؤلمه من الأيام الماضية. جلس على السرير وهو يفرك عينيه. ثم سمع صوت خالد من خلف الباب. "خمس دقايق وتنزل." "تمام." نهض آسر ببطء. غسل وجهه بالماء البارد. ثم نزل إلى الطابق السفلي. كان بعض الرجال قد بدأوا يومهم بالفعل. أصوات الأقدام. وأصوات الكراسي. ورائحة الشاي. كل شيء بدا طبيعياً. إلا هو. كان يشعر وكأن التعب ما يزال عالقاً داخل عظامه. لكن لم يكن لديه خيار. اقترب منه خالد وأعطاه ممسحة ودلواً. "ابدأ من الممرات." أخذ آسر الأدوات بصمت. ثم بدأ العمل. --- في البداية ظن أن الأمر سهل. مجرد تنظيف. لكن بعد ساعة واحدة فقط... بدأ يكتشف حجم المبنى الحقيقي. ممرات طويلة. غرف كثيرة. سلالم. مخازن. وأماكن لم يدخلها من قبل. كلما أنهى مكاناً... ظهر مكان آخر يحتاج إلى التنظيف. وفي كل مرة كان يظن أنه اقترب من النهاية... يكتشف أن هناك عملاً أكثر بانتظاره.