تسجيل الدخول188 أزعجني صمته أكثر مما توقعت... ظللتُ أحدق في وجهه للحظات، أنتظر منه كلمة واحدة على الأقل، لكنه بقي كما هو... هادئًا، صامتًا، وكأنني أتحدث إلى جدار. لطالما كان ليث قليل الكلام، وكنتُ أعرف ذلك جيدًا، لكنني في تلك اللحظة لم أكن أحتمل صمته. ربما لأنني كنت ثملة، وربما لأنني كنت أريد منه أن يتفاعل معي بأي طريقة... عبستُ وأنا أراقب ملامحه الجامدة. لماذا يظل صامتا دائما؟ كيف يستطيع أن يقف أمامي بهذه البرودة بينما أنا أتحدث وأتحرك وأتخبط أمامه؟ وقبل أن أقول شيئا، جاءني صوت سارة من الخلف: ــ ابتعد عني أيها الوغد! التفتُّ بسرعة. كانت سارة تقف أمام داميان، وقد أمسكت بقطعة فاكهة وألقتها نحوه بكل قوتها، ثم التقطت أخرى دون أن تمنحه فرصة للرد: ــ خذ هذه أيضا! ألقت الثانية، ثم الثالثة، أما داميان فكان ينظر إليها بصمت، وكأن صبره بدأ ينفد بالفعل... تراجع خطوة عندما قذفت نحوه قطعة أخرى، ثم اقترب منها أخيرا: ــ لا تقترب ضحكت سارة وحاولت الابتعاد، لكنه أمسك بيديها معا بهدوء، وأوقف حركتهما دون أن يؤذيها: ــ اتركني ثم، وبكل بساطة، حملها بين ذراعيه. شهقتُ فورًا، واتسعت عيناي وانا
187 تجمدتُ في مكاني. بقيتُ أحدق في الرجل الواقف أمامي، ولم أستطع لعدة ثوانٍ أن أستوعب كيف انتقل من الشخص الذي كنت أظن أنني أتخيله بسبب الثماله ... إلى حقيقة تقف أمامي بالفعل.... كان ليث واقفًا أمام الباب، بهدوئه المعتاد، بينما وقف داميان إلى جواره. لم يتحدث أيٌّ منهما، ولم تكن على ملامحهما أي علامة تدل على أنهما كانا يستمعان إلى صراخنا منذ البداية. وهذا تحديدًا هو ما جعل الموقف أكثر إحراجًا. نظرتُ إلى سارة ببطء. كانت تحدق فيهما هي الأخرى، وقد اتسعت عيناها وكأن عقلها توقف عن العمل. فهمستُ: ــ سارة... ــ نعم؟ ــ أعتقد أننا في مشكلة. لم تجبني... فقط ظلت تنظر إلى داميان، ثم نظرت إليَّ، ثم عادت تنظر إليه. التفتُّ إلى الباب خلفي، ومددتُ يدي إلى المقبض، ثم أدرته مرة. لم يتحرك. أدرته مرة أخرى: ــ إنه مغلق! قالتها سارة بسرعة، وكأنها اكتشفت أعظم إنجاز في حياتها. نظرتُ إليها بجدية.: ــ أعلم أنه مغلق. ــ إذن لن يستطيعوا الدخول. نظرتُ إلى ليث. ثم إلى داميان. ثم عدتُ إليها. ــ لكنهما موجودان أصلًا. صمتت. ساره ثم وضعت يدها على فمها. وانفجرنا بالضحك. لم أكن أعرف لماذا
186 رفعتُ الكأس إلى فمي، ثم توقفتُ قبل أن أشرب، وكأنني تذكرت شيئا مهمًا فجأة: ــ لكن ليث... ضحكتُ وحدي، ثم هززتُ رأسي بتذمر: ــ هذا الرجل وغد. ايضا .. حقير.. مزعج رفعت سارة عينيها إليَّ، بينما تابعتُ وأنا أحدق في الفراغ: ــ وغد جدا... والمشكلة أنه وسيم، وهذه هي الكارثه الحقيقية. لماذا يجب أن يكون بهذا الشكل؟ لماذا لا يكون قبيحا مثلًا حتى أستطيع أن أكرهه وأنا مرتاحة؟ انفجرت سارة بالضحك، بينما أخذتُ أنا رشفة أخرى، ثم تمتمتُ: ــ شعره، وعيناه، وطريقة نظرته... حتى عندما يكون غاضبا يبدو وسيما، وهذا يثير أعصابي أكثر. ثم عبستُ فجأة، وكأنني تذكرت شيئا أزعجني: ــ لكنني لن أنسى ما فعله بي في المرة الأخيرة. توقفت سارة عن الضحك، ثم رفعت يدها إلى فمها وهي تبتسم بفضول واضح: ــ حقا؟ نظرتُ إليها، ولم أفهم سبب نظرتها في البداية، ثم ضيقت عينيَّ: ــ ماذا؟ اقتربت مني أكثر، وخفضت صوتها وكأنها تسأل عن سر خطير: ــ هل هو قوي في الفراش إلى هذه الدرجة؟ اتسعت عيناي قليلًا، ثم انفجرتُ بالضحك: ــ أنتِ فضولية جدا وفجأة، عادت إلى ذهني ذكرى تلك الليلة دون أن أستدعيها... وتذ
185 حلَّ الليل دون أن أشعر، ولم أعرف متى مرت كل تلك الساعات. في البداية كنا نشرب ونحن نتحدث ونضحك، ثم تحول الأمر تدريجيا إلى شيء آخر تماما. لم نعد نعرف كم كأسا شربنا، ولا كم زجاجة فتحنا، وكلما انتهت واحدة فتحت سارة أخرى وكأنها تتعامل مع الأمر على أنه أكثر شيء طبيعي في العالم... كانت الأرض من حولنا قد امتلأت بالزجاجات الفارغة، بينما تناثرت بينهما علب الطعام التي أحضرها داميان في الصباح؛ وجبات سريعة، وفاكهة، وشوكولاتة، وحلويات كثيرة، حتى إنني لم أعد أستطيع تذكر نصف الأشياء التي أكلناها. أما أنا وسارة... فكنا في حالة يرثى لها. كنتُ جالسة على الأرض مستندة إلى الأريكة، وأشعر بأن رأسي أخف من المعتاد، وكلما حركته بدا وكأن الغرفة تتحرك معي ببطء. لم يكن الأمر مزعجًا بقدر ما كان مضحكًا، ولذلك كنت أضحك أحيانًا دون أن أعرف حتى سبب ضحكي. أما سارة فكانت أسوأ مني. كانت تجلس إلى جواري وشعرها مبعثر حول وجهها، وقد احمرَّت وجنتاها من كثرة الشرب، تمسك الكأس بيد وتلوح بالأخرى كلما بدأت تتحدث، ثم تنسى في منتصف كلامها ما كانت تريد قوله. ظللتُ أراقبها وأنا أبتسم. سارة من النوع الذي لا يسمح للحزن بأن
184كتمتُ شهقتي بسرعة، ووضعتُ يدي على فمي بينما ظللتُ أحدق في المرأة التي وقف الحراس إلى جوارها. لم أستطع أن أصدق ما أراه.كانت أميرة... لكنها لم تعد تشبه المرأة التي عرفتها من قبل، فقد اختفى شعرها تماما تقريبًا، ولم يبقَ فوق رأسها سوى قصّه قصيرًا بصورة قاسية، بينما غطت الجروح وجهها ورقبتها وذراعيها، وامتدت آثار الحروق إلى أجزاء متفرقة من جسدها. كانت ملابسها ممزقة، ووجهها شاحبا، حتى إنني لم أستطع تحديد ملامحها بسهولة. بقيتُ واقفةً في مكاني دون أن أشعر، وعيناي معلقتان بها. لم أفهم ما الذي حدث لها، لكن شيئا واحدًا كان واضحا أمامي. ليث هو من أحضرها إلى هنا. وربما... هو من فعل بها كل ذلك... ارتجفتُ قليلًا عند الفكرة، ثم نظرتُ إليه لأرى وجهه خاليا من أي تعبير تقريبًا. كان يقف أمامها بهدوء مخيف، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها وكأنه ينتظر منها شيئًا. رفعت أميرة رأسها بصعوبة، وما إن وقعت عيناها على ليث حتى انطبقت شفتاها للحظة، ثم قالت بصوت متعب:ــ أنا لستُ نادمة.تجمدتُ قليلًا. لم أفهم ما الذي تقصده، بينما واصلت هي حديثها بعد أن أخذت نفسًا بصعوبة:ــ ولو عاد بي الزمن... لفعلت الشيء نفسه مرة
183استيقظتُ في الصباح التالي على ضوء الشمس الهادئ الذي تسلل من بين ستائر الغرفة، وظللتُ للحظات أحدق في السقف دون أن أتحرك. شعرتُ أن جسدي أخف قليلًا من الليلة الماضية، رغم أن الألم لم يختفِ تماماتذكرتُ أنني وصلتُ إلى شقة تاج الفيروز ليلًا برفقة سارة وليث، وأن داميان أصر على البقاء معنا حتى يتأكد من أننا بخير. وبعد وقتٍ طويل من الألم والتعب، غلبني النوم... جلستُ على حافة السرير ببطء، وانتظرتُ حتى يهدأ الألم قبل أن أقف. ارتديتُ ملابسي، ثم خرجتُ من الغرفة بخطوات هادئة، وأنا أتساءل إن كان الجميع ما زال نائما. لكن ما إن اقتربتُ من المطبخ حتى توقفتُ... كانت رائحة الطعام تملأ المكان. اقتربتُ أكثر، ثم ظهرت أمامي صورة لم أتوقع رؤيتها إطلاقا كان ليث يقف أمام الموقد... نعم... ليث كاستيللو، الرجل الذي يكفي أن يدخل مكانا حتى يصمت الجميع، كان يقف في مطبخ الشقة، يرتدي قميصا أبيض بأكمام مطوية إلى ساعديه، وبنطالا أسود، وفوق ملابسه مئزر مطبخ أسود... كان يتحرك بثقة غريبة، وكأنه يفعل هذا الأمر منذ سنوات... وعلى الطاولة أمامه أطباق كثيرة قد أعدها بالفعل؛ بيض مخفوق مع الخضروات، وقطع من الخبز المحمص، وشرا






