ログインكانت المدينة تُدعى الظلال، حيث يحكم الدم والذهب والخيانة. في عالم المافيا، لا يوجد شيء اسمه صدفة، ولا مكان للضعف. كل قرار يُدفع ثمنه بالرصاص أو بالدم. إياد لم يكن يريد الزواج. لم يكن يريد أي امرأة… خاصة ليست ميرال. أرملة أخيه. "هذا زواج ورقي فقط،" قال إياد بصوت خشن، وهو يضع الخاتم في إصبعها بقوة أكثر مما يجب. "أنتِ تحت حمايتي الآن. لا أحد يجرؤ أن يلمسكِ. حتى أنا." ابتسمت ميرال ابتسامة مريرة، باهتة. "خاصة أنت، إياد." كان قد أقسم لنفسه، ولروح أخيه الراحل، ألا يقترب منها. ميرال كانت محظورة. كانت الخط الأحمر الوحيد في حياته المليئة بالدماء. كانت زوجة أخيه، وكانت أيضًا السر الذي دفنه في أعماقه منذ سنوات… قبل أن تتزوج أخاه. لكن الآن، بعد ثلاثة أسابيع من الزواج الصوري، بدأ الجحيم يشتعل. لم يعد يستطيع النوم. كل ليلة يسمع وقع خطواتها الخفيفة في الجناح المجاور. يشم رائحة عطرها الخفيف يتسلل من تحت الباب. يتخيلها وهي تنام، شعرها الأسود منتشر على الوسادة البيضاء، شفتاها الورديتان مفتوحتان قليلاً… كان يقتل رجالاً في النهار بلا رحمة، ويعود ليلاً ليجد نفسه واقفًا أمام باب غرفتها، قبضته مشدودة على المقبض حتى تبيض مفاصله، يحارب نفسه كي لا يفتح الباب. "هي مجرد مهمة،" كان يردد لنفسه. لكن جسده كان يكذب. قلبه كان يكذب. عقله… كان قد استسلم منذ زمن. لم يعد يريد حمايتها فقط. أراد امتلاكها. أراد أن يمحو كل لمسة تركها أخوه عليها. أراد أن يجعلها تنسى اسم أخيه، وتتذكر فقط اسمه وهي تصرخ تحت جسده. "ميرال…" همس بصوت مكسور، وهو يمسك وجهها بكفيه الكبيرتين، عيناه السوداوان تحترقان بشهوة لا تُطاق. "أنا حاولت… حاولتُ حقًا ألا ألمسكِ." "لأنني قررت أن أحرق المدينة كلها… إذا كان ذلك يعني أن أجعلكِ ملكي." وفي عالم لا يرحم الضعفاء، كان إياد الخالدي — ملك المافيا — قد وقع في أعمق فخ صنعه بنفسه: هوسه بامرأة كان يجب أن تبقى محرمة عليه إلى الأبد.
もっと見るثلاثة أسابيع. ثلاثة أسابيع مرت منذ أن وضع خاتم الزواج في إصبعها، ومنذ أن لفّ حول كاحله سلسلة من عظام الموتى لا تُفصم. كان القصر، ذلك الحصن القاتم على أطراف المدينة، يغرق الليلة في صمت أثقل من الرصاص، لا يقطعه سوى قطرات المطر التي تنزف على زجاج النوافذ الممتد من الأرض إلى السقف، كدموع امرأة غريقة في ثوب حرير أسود.
جلس إياد في غرفة المراقبة التي لا يعلم عنها أحد، في الطابق السفلي الذي تفوح منه رائحة الجلد والبارود والقهوة الباردة. أضواء الشاشات الباهتة رسمت على ملامحه الحادة أقنعة متحركة من الظلال، فأبرزت عظام وجنتيه البارزتين، وخط فكّه الذي صُنع ليكسر لا لينحني. كان بلا سترة، أكمام قميصه الأبيض مطوية حتى المرفقين، يكشف عن ساعدين توشحتهما ندوب قديمة وحكايات لم تُروَ. في يده اليمنى كأس ويسكي عتيق، لم يرشفه، فقط كان يحركه ببطء، مستمعًا لرنين مكعبات الثلج كأجراس جنائزية صغيرة. كل الشاشات أمامه كانت مطفأة، باستثناء واحدة. شاشتها، ميرال. الغرفة في الطابق العلوي كان يغمرها ضوء ليلي خافت بلون الخوخ الذابل. كانت نائمة، أو هكذا أراد أن يخدع نفسه. جسدها الصغير تَكوّر تحت الغطاء الثقيل كطيارة ورق انكسر جناحها. شعرها الأسود، الطويل كأسطورة شرقية، انساب على الوسادة كجدول من حبر الليل، وعند طرفه علقت دمعة لم تجف بعد على رموشها المغلقة. كانت ترتدي قميص نوم من الحرير العاجي، رقيقًا يكاد يكون شفافًا تحت ضوء الشاشة، يحدد منحنى كتفها وعظمة ترقوتها الناتئة بحزن شفيف. تنفست بصعوبة، كمن يصعد تلًا من الذكريات المؤلمة حتى في منامها. تنهد إياد، وكان صوت نفسه أجش ومهزومًا في آن. رفع الكأس إلى شفتيه أخيرًا، مرر الويسكي على لسانه، لكن السائل الكهرماني كان بلا طعم. كل حواسه كانت معلقة هناك، في تلك الغرفة، مع المرأة التي أقسم ألا يقترب منها. أقسم. الكلمة كان لها ثقل الغفران واللعنة معًا، رددها في عقله، فأعادته إلى بعد ظهر رمادي قبل أربعة أسابيع. هناك، في مقبرة العائلة تحت أشجار السرو العتيقة، حيث رائحة التراب المبلل والأزهار الميتة تخنق الروح. وقف أمام قبر أخيه الأكبر، أمير، الذي كان أكثر من مجرد شقيق، كان ظله الأول وأباه الثاني بعد أن رحل والدهما بطلق ناري غادر قبل عشرين عامًا. التُربة كانت لا تزال طازجة، حمراء كجمرة خامدة، والألم في صدر إياد كان طعنة سكين غير قابلة للشفاء. أمير. الرجل الذي ضحك رغم رصاصة في كتفه، الذي بنى نصف إمبراطوريتهم بيديه العاريتين. الذي تزوج ميرال قبل عامين، وجعلها ملكة عالم لم يكن يليق بها. وقف إياد أمام القبر وحيدًا، والريح تعوي بين شواهد الرخام، وضغط قبضته حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ونظر إلى السماء الباكية متوعدًا: "أقسم لك يا أمير، بكل قطرة دم فيّ، أني سأحميها. سأحميها من كل من يحاول أن يمسها بسوء، حتى من نفسي. لن أقربها. ستكون تحت سقفي كقديسة، لا تمسها يدي أبدًا. أقسم." ثم جاء يوم الزفاف. لم يكن زفافًا، بل كان إعلان حرب مغلفًا بورقة قانونية. في قاعة المعاملات السرية للعائلة، حيث الجدران المكسوة بخشب الجوز الداكن وشعار النسر الموشوم بالدم على الأرضية الرخامية، وقف إلى جانبها. كان فستانها أسود، أسود كالليلة التي سبقت، كالحياة التي فرضت عليها. وجهها كان شاحبًا، جامدًا كتمثال من الشمع، وعيناها العسليتان كانتا مثبتتين على نقطة بعيدة، خلف الحضور، خلف الجدران، ربما خلف الحياة نفسها. لم تنظر إليه. ارتجفت حين انزلق الخاتم في إصبعها، لكنها لم تذرف دمعة. بعد أن غادر الجميع، وقفا وحدهما في البهو العظيم. صوت خطواتها وهي تتراجع عنه كان كسكين في خشب يابس. فقالها، بصوت حاول أن يكون باردًا ورسميًا، لكنه خرج كهدير بعيد: "اسمعيني، ميرال. هذا الزواج... للضرورة. للسلامة. أنت زوجتي بالاسم، على الورق فقط. ستعيشين في الجناح الشرقي، لكم كامل الخصوصية. أنا لن أزعجك. لن... لن أقترب منك أبدًا. هذا القسم قطعته على روح أمير." رفعت عينيها إليه عند ذكر اسمه، ولأول مرة، اخترق بصرهما الغشاوة. كان فيهما بريق شيء مدفون، شيء بين الامتنان الممزوج بالخزي، وبين سؤال جريء لم تجرؤ على النطق به: "لماذا تفعل هذا؟" لكنها سرعان ما أطفأته. أومأت برأسها فقط، بصمت، كطائر ذبيح يقبل مصيره، ثم انسحبت إلى الظلال خلفها، تاركة إياه يقف وحده كغريب في مملكته.ترددت ميرال. كانت تعرف أن الكلمات التالية ستكون كالقنبلة. "قالت... إن لديها طفلاً ثالثًا. ولدته بعد أمير وقبلك. أخفته. أعطته لعائلة أخرى." وقف إياد. مشى إلى النافذة. ظهره كان متوترًا، مشدودًا، كقوس على وشك الانطلاق. "طفل ثالث،" همس. "شقيق. لا أعرفه." "نعم." "وأين هذه الرسائل الآن؟" "أخذها. الرجل الذي كان هنا. سامر. رأيته في الممر. دخل الغرفة. أخذ الصندوق." استدار إياد. كان وجهه متغيرًا. "سامر؟ النقيب سامر؟" "نعم. كان يرتدي نفس المعطف. كان لديه نفس الخاتم. الخاتم الفضي." "لكن... سامر يعمل معي منذ أسابيع. هو من ساعدنا في العثور على مخبأ ماريو. هو من أعطانا المعلومات." "إذن هو يعرف كل شيء. تحركاتك. أسرارك. نقاط ضعفك." ساد صمت. كان عقل إياد يعمل بسرعة. كان يحلل كل لقاء مع سامر، كل معلومة أعطاها له، كل سؤال طرحه. "إذا كان سامر هو من أخذ الرسائل... فهذا يعني أنه يعرف. عن الطفل الثالث. عن أمي." "أو..." توقفت ميرال. كانت هناك فكرة تراودها منذ أن رأت الخاتم. فكرة مجنونة. فكرة مستحيلة. لكنها... كانت ممكنة. "أو أنه ليس مجرد شرطي." "ماذا تعنين؟" "الطفل الثالث. لو كان حيًا.
المعطف الداكن. الطول. ثم، حين استدار الرجل لينظر إليها، رأت وجهه. كان وجهًا لم تنسه. وجه الرجل الذي رأته في الطابق الثالث قبل ساعات. وجه الرجل الذي أخذ الصندوق. "ميرال،" قال إياد، واقفًا. "ما الذي... لماذا أنتِ هنا؟ هل حدث شيء؟" لكنها لم تكن تنظر إليه. كانت تنظر إلى الرجل. إلى الرجل الذي كان يقف الآن في منتصف المكتب، ينظر إليها بدوره، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. ابتسامة باردة. ابتسامة معرفة. "من... من هذا؟" سألت ميرال، وصوتها كان متقطعًا. نظر إياد إلى الرجل، ثم إليها. كان مرتبكًا. "هذا سامر. النقيب سامر. من الشرطة." "الشرطة؟" كررت ميرال. كانت عيناها لا تزالان مثبتتين على الرجل. على الخاتم الفضي في إصبعه. خاتم على شكل ثعبان. "نعم،" قال الرجل - سامر - وصوته كان هادئًا، مثقفًا. "أنا وسيد إياد نتناقش في... تعاون محتمل. لكن يبدو أن السيدة لديها ما هو أهم." "أنت... أنت كنت في القصر اليوم." تجمد إياد. نظر إلى سامر، ثم إلى ميرال. "ماذا؟" "في الطابق الثالث،" تابعت ميرال، وصوتها كان يرتجف لكنه كان قويًا. "رأيته. كان يأخذ صندوقًا. صندوقًا فيه رسائل." تغير وجه سامر. للحظة،
كان المطر قد اشتد خلال رحلتها عبر المدينة، وتحول من رذاذ خفيف إلى وابل غزير يضرب زجاج السيارة كحصى صغير. السماء كانت قد ابتلعت آخر خيوط الضوء، تاركة المدينة تحت سقف من السحب السوداء المنخفضة. كانت الشوارع شبه خالية، والمحلات التجارية أغلقت أبوابها مبكرًا، والمشاة القلائل الذين تجرأوا على الخروج كانوا يركضون تحت مظلاتهم المقلوبة بفعل الريح. لكن ميرال لم تكن ترى شيئًا من هذا. كانت عيناها مثبتتين على الطريق أمامها، ويداها مشدودتان على حقيبتها في حجرها، وعقلها يدور كعجلة لا تتوقف. الرسائل. المرأة التي كتبتها. الطفل الثالث. الرجل ذو الخاتم الفضي. كل شيء كان يختلط في رأسها، يتراكب، يشكل صورة لم تكتمل بعد. قطعة واحدة مفقودة. قطعة واحدة كانت ستجعل كل شيء واضحًا. لكنها لم تكن تعرف ما هي. كانت تعرف فقط أنها يجب أن تخبر إياد. "أسرع،" قالت للسائق، رغم أنها كانت تعرف أنه لا يستطيع الإسراع أكثر في هذا المطر. "الطريق زلق يا سيدتي،" قال السائق، وهو رجل عجوز كان يعمل لدى العائلة منذ سنين. "لا أريد أن نتسبب في حادث." "فقط... أسرع." أومأ السائق وصمت. كان يعرف تلك النبرة في صوتها. نبرة امرأة تحمل ش
"سيدتي!" صاحت أم نادر، وكادت الصينية تسقط. "ماذا حدث؟ أنتِ شاحبة!" "أم نادر،" قالت ميرال، وصوتها كان لاهثًا. "الطابق الثالث. من كان هناك؟ قبل قليل. رجل. طويل. بمعطف داكن." رمشت أم نادر. "الطابق الثالث؟ لم يصعد أحد إلى هناك منذ سنوات. أنا... لم أرَ أحدًا." "لكنني رأيته! كان هناك!" "سيدتي، أرجوكِ اجلسي. أنتِ لا تزالين تتعافين. ربما... ربما كان خيالكِ." "لم يكن خيالي!" كان صوت ميرال مرتفعًا الآن. "كان هناك رجل. وأخذ شيئًا من الغرفة. صندوقًا. فيه رسائل." تغير وجه أم نادر. للحظة، رأت ميرال شيئًا في عينيها. ليس دهشة. بل... معرفة. "رسائل؟" همست أم نادر. "أي رسائل؟" "رسائل والدة إياد. كانت مخبأة خلف المرآة. في تجويف في الحائط." سقطت الصينية من يد أم نادر. تحطمت على الأرض، وتناثر الشاي والزجاج في كل مكان. لكن أم نادر لم تنتبه. كانت تنظر إلى ميرال بعينين واسعتين. "لقد وجدتها،" همست. "بعد كل هذه السنوات... وجدتها." "ماذا تعرفين عن هذه الرسائل؟" نظرت أم نادر حولها، كأنها تخشى أن يسمعها أحد. ثم أمسكت بذراع ميرال. "تعالي. ليس هنا." قادتها إلى المطبخ. كان المطبخ كبيرًا، دافئًا،
レビューもっと