INICIAR SESIÓN388كان ليث مستلقيا على سريره كما تركته قبل ساعات، ساكنا، شاحب الوجه، وعيناه مغمضتان، بينما وقفت ليان إلى جواره ممسكة بيد كايل، وقد بدت أصغر بكثير من عمرها في تلك اللحظة. اقتربت منه ببطء، ثم تركت يد كايل وتسلقت إلى جوار السرير بالقدر الذي يسمح لها بالاقتراب منه، وانحنت نحوه قبل أن تطبع قبلة صغيرة على خده: ــ اشتقت إليك كثيرا يا أبي... لماذا لا تستيقظ؟بقيت أحدق فيها بصمت، وشعرت بغصة مؤلمة تستقر في حلقي، بينما رفعت ليان وجهها إليه من جديد وقالت:ــ أنا هنا... وأنت تعرف أنني أكره أن تنام طويلا.ثم التفتت إلى كايل، وكأنها تذكرت فجأة أنه لم يتحدث بعد، فقالت:ــ قل له شيئااقترب كايل من السرير، ونظر إلى ليث للحظات، ثم قال بعفوية:ــ عمو ليث... استيقظ.ساد الصمت، ثم أضاف وهو يضع يديه خلف ظهره:ــ لقد اشتقت إليك... واشتقت إلى الألعاب التي كنت تشتريها لي.اتسعت عينا ليان فجأة، والتفتت إلى كايل بدهشة واضحة وكأنها سمعت شيئا لم يعجبها على الإطلاق: ــ أبي كان يشتري لك الألعاب؟نظر إليها كايل باستغراب، ثم أومأ برأسه:ــ نعم.عقدت ليان حاجبيها، وبدا على وجهها شيء من الغيرة الطفولية وهي تسأله:ــ
387وضعت ساره يدها على جبينها وكأنها بدأت تدرك أن خلافا صغيرا بين طفلين تحول بطريقة غريبة إلى مشكلة تخص زواجها هي. أما ليان، فبدت وكأنها وصلت إلى أقصى درجات التذمر، فنهضت من فوق كرسيها وقالت بعناد:ــ سأخبر عمو داميان أن يطلق خالتي سارة، حتى تعود لتعيش معي من جديد!تجمدت سارة في مكانها، واتسعت عيناها حتى ظننت للحظة أنها لم تستوعب ما قالته ليان، بينما شعرت أنا برغبة قوية في الضحك، خصوصا عندما رأيت الطريقة التي نظرت بها سارة إليّ وكأنها تسألني إن كانت قد سمعت الكلام نفسه الذي سمعته أنا... قلت وأنا أحاول السيطرة على ابتسامتي:ــ أعتقد أن الأمر خرج عن السيطرة قليلا.هزت سارة رأسها وهي لا تزال تنظر إلى ليان بدهشة، لكن كايل لم يمنحها وقتا للتعليق، فقد نهض فوق كرسيه هو الآخر، وعقد ذراعيه أمام صدره، ثم قال بوجه غاضب:ــ إذا فعلتِ ذلك، فسأمسك شعرك وأظل ألفه حول يدي ثم أغرقك في البحررفعت حاجبي بدهشة، بينما شهقت سارة هذه المرة بوضوح، لكن ليان لم تتراجع، بل تقدمت فوق كرسيها نحوه وقالت بتحدّ:ــ حاولــ سأفعلــ لن تستطيعــ بل أستطيعوفي اللحظة التالية اندفعت ليان نحوه، ومدت يدها وأمسكت شعره، ف
386مر أسبوعين منذ تلك الليلة، ومع ذلك لم يتغير شيء تقريبا فقد ظل ليث مستلقيًا في غرفة العناية المركزة، غارقا في نوم لم يكن طبيعيًا، بينما بقيت حالته غير مستقرة، وكلما ظننت أن الأطباء سيخبرونني بأنه بدأ يتحسن، جاءت كلماتهم لتعيدني إلى نقطة الصفر من جديد. كانوا يتعمدون إبقاءه نائما معظم الوقت، لأن جسده لم يكن قادرا على تحمل الألم الذي سيشعر به إذا استعاد وعيه، خصوصا بعد الإصابات التي تعرض لها والعمليات التي خضع لها، ولهذا كانوا يواصلون إعطاءه الأدوية التي تساعده على النوم حتى لا يضطر إلى مواجهة ذلك الألم قبل أن يصبح جسده مستعدا. لكن منذ يومين توقف الأطباء عن إعطائه المسكنات التي كانت تبقيه في ذلك النوم العميق، ومع ذلك لم يستيقظ.وهذا كان أكثر ما يرعبني... كنت أجلس بجواره لساعات طويلة، أراقب صدره وهو يرتفع وينخفض ببطء، وأنتظر أي حركة صغيرة منه، أي تغير في ملامحه، حتى إنني أصبحت أستيقظ على أقل صوت يصدر عن الأجهزة المحيطة به، وألتفت إليه فورًا معتقدة أنه فتح عينيه، ثم أعود إلى مكاني عندما أكتشف أنني كنت أتوهم الأمر من شدة انتظاري.لم أعد أعرف منذ متى وأنا أعيش داخل هذا المستشفى، فقد أصبحت
385توقف الطبيب للحظات، وكأن الكلمة التالية أثقل من أن يقولها بسهولة، وفي تلك اللحظة شعرت بأن قلبي توقف معه، فقد كنت أراقب ملامحه محاوِلة أن أقرأ منها شيئا يطمئنني قبل أن ينطق، لكن ذلك الهدوء الذي غطى وجهه لم يترك لي سوى الخوف وقال أخيرا: ــ حالته ما زالت حرجة. لقد فقد كمية كبيرة من الدم، وكانت إحدى الرصاصات قد تسببت في إصابة خطيرة، لكننا تمكنا من السيطرة على النزيف وإخراج الرصاصات.لم أستطع الرد مباشرة، فقد ظللت أحدق فيه وكأن عقلي يرفض استيعاب كل كلمة قالها، ثم ابتلعت الغصة التي علقت في حلقي وسألته بصوت مرتجف، لأنني كنت بحاجة إلى سماع الإجابة منه مهما كانت:ــ لكنه سيعيش... أليس كذلك؟نظر إليّ الطبيب للحظات، ثم أجاب بنبرة هادئة:ــ فعلنا كل ما نستطيع، والعملية مرت بصورة جيدة، لكن الساعات القادمة ستكون حاسمة، ولا يمكننا معرفة مدى استجابة جسده للعلاج قبل أن تمر بعض الوقت.شعرت بالدموع تنزل على وجهي دون أن أحاول حتى مسحها، فقد كنت أريد منه إجابة مختلفة، كلمة واحدة تجعلني أصدق أن كل شيء انتهى، وأنني لن أضطر إلى الوقوف هنا وأنا لا أعرف إن كنت سأرى ليث يفتح عينيه مرة أخرى أم لا: ــ أريد
384فتحت عيني فجأة وأنا أصرخ باسم ليث، وكأنني كنت أبحث عنه حتى وأنا فاقدة للوعي، ولهذا لم أحتاج سوى إلى لحظات قليلة حتى عادت إليّ كل تفاصيل ما حدث، فرأيت أمامي صورته وهو بين ذراعي داميان وريان، ورأيت الدماء التي كانت تغطي جسده، وشعرت بالخوف نفسه الذي عشته قبل أن أفقد وعيي، فاعتدلت في مكاني بسرعة وأنا أبحث بعيني في الغرفة، قبل أن أشعر بيد ميرا تمسك بكتفي وتحاول منعي من الحركة:ــ ملاك، اهدئي... أنتِ بخير.التفتّ إليها، لم أكن مهتمة بنفسي في تلك اللحظة، فقد كان هناك سؤال واحد يسيطر على كل شيء داخلي، ولهذا سألتها بسرعة وأنا أحاول النهوض:ــ أين ليث؟حاولت ميرا إعادتي إلى الفراش، لكنها توقفت عندما رأت نظرتي، ثم قالت بصوت هادئ حاولت أن تخفي به قلقها:ــ ليث في غرفة العمليات، وما زال الأطباء يعملون على إنقاذه.شعرت وكأن الكلمات سُحبت من تحت قدمي، فحدقت بها للحظات وأنا أحاول استيعابها، ثم نظرت نحو الباب وكأنني أستطيع أن أراه من خلاله، قبل أن أزيح الغطاء عن جسدي وأحاول النزول من السرير: ــ يجب أن أذهب إليه.أمسكت ميرا بذراعي بسرعة وهي تقول:ــ ملاك، أنتِ ما زلتِ مريضه، وقد فقدتِ وعيك منذ قلي
383 ما إن استعدت توازني حتى حاولت النهوض بسرعة، متجاهلة الألم الذي انتشر في جسدي بعد ارتطامي بالأرض، فلم أكن أرى أمامي سوى صورة واحدة... ليث. لم أكن أعرف إن كان قد أصيب، أو إن كان ما رأيته قبل أن يدفعني الانفجار إلى الخلف قد حدث بالفعل، لكنني كنت بحاجة إلى الوصول إليه، إلى أن أراه بعيني وأتأكد أنه ما زال حيا. اندفعت أبحث عنه وسط الدخان والحطام، وأنا أتعثر في خطواتي وأكاد أسقط كلما حاولت الإسراع، حتى وقعت عيناي عليه أخيرا. كان ملقى على الأرض. توقفت للحظة، وكأن قدميّ رفضتا الاستمرار، ثم رأيت صوفيا ملقاة على مسافة قريبة منه، فاقدة الوعي، بينما كان هو ساكنا بصورة جعلت قلبي يتوقف للحظة.... رفض عقلي الفكرة قبل أن أفكر فيها حتى، ولهذا أسرعت نحوه، وجلست إلى جواره وأنا أحاول التقاط أنفاسي، ثم بدأت عيناي تتحركان فوق جسده بحثا عن أي علامة تدل على أنه بخير. وحين رأيت الدماء، شعرت وكأن شيئا باردا انغرس في صدري. كانت الرصاصات قد أصابته بالفعل. لم أستطع أن أفهم كيف انتهى به الأمر الآن ملقى أمامي بهذه الصورة... مددت يدي نحوه بارتجاف، ثم رفعت رأسه بحذر ووضعته فوق ساقي، كنت بحاجة إلى الشعور بأنه قري