Mag-log inلم يكن الليل قد خيّم بعد، لكن السماء كانت ملبدة بالغيوم، وبدا وكأنها على وشك أن تمطر بغزارة.وصلت سارة إلى الفيلا الواقعة في الضواحي، وقبل أن تصل حتى، رأت حراسًا يفصل بينهم مسافات متقاربة.يمكن لسالي أن تتشرف بهذا، فمن يحرسونها لم يكونوا فقط من عائلة رشيد، بل كان هناك أيضًا جزء من عائلة وجدي وعائلة الدلو.أحاطت القوى الثلاث بالفيلا إحاطة محكمة، لدرجة أنه قد لا تتمكن بعوضة حتى أن تدخل.فتح خالد باب السيارة، وترجل أحمد وهو يحمل مرمر.على الرغم من أن مرمر كانت فتاة معتمدة على نفسها للغاية، إلا أنه كان معتادًا على حملها بين ذراعيه."أهلًا يا سيد أحمد، ويا سيدة سارة وآنسة مرمر." شعر خالد بارتياح شديد في قلبه وهو يرى هذه العائلة المكونة من ثلاثة أفراد.فقد رأوا بأعينهم كم كانت الرحلة شاقة على الزوجين طوال الطريق، والآن بدأت الأمور تتحسن أخيرًا."كيف حال سالي؟""الآنسة زهرة في الداخل، ولم تسمح لنا بالدخول، ولكن..."توقف خالد قليلًا ثم تابع: "لا بد أنها لا تمر بوقتٍ سهل، إذ يمكن سماع صرخات الألم حتى من خارج المنزل، الآنسة زهرة شخصية قاسية حقًا".شعرت سارة بالأمر نفسه؛ فلو طبقت زهرة الأساليب نف
كانت سارة تظن أن مجرد اعتراف عائلتها بها هو أمر رائع بالفعل، ولم تكن تتوقع أن يجهز لها حاتم مثل هذه الهدية الضخمة.لقد مرت بالكثير حتى عثرت على عائلتها، ومقارنة بمشاعر القرابة، لم تكن الأموال بتلك الأهمية.وعندما رأى إخوتها ملامح الحرج على وجهها، هدأوا من روعها قائلين: "لا تشعري بالحرج، فهذه هي رغبتنا ورغبة والدي الصادقة".ربت مصطفى على رأسها، وقال: "أنا آسف لأننا لم نكن بجانبكِ في أصعب أوقاتكِ، ولم نشاهدكِ وأنت تكبرين".كما عانقها باسم، وقال: "لن يتكرر هذا في المستقبل، أصبح لديكِ عائلة الآن".بعد كل ما مرت به من تقلبات، لم تكن تصبو إلا للعائلة.بادلتهم العناق، وانهمرت الدموع من عينيها لا إراديًا.رغم أنها أصبحت قوية جدًا في الآونة الأخيرة، إلا أنها لم تستطع السيطرة على مشاعرها مؤخرًا.ربما كانت الأمور سيئة للغاية، ولكنها لم تكن سيئة إلى هذا الحد.وقف عدنان جانبًا يراقب بهدوء لم شمل عائلتهم، وشعر بالسعادة من أجل سارة.خلال تلك الأيام التي قضتها في مدينة الشمال، وعلى الرغم من اعتراف عائلة الدلو بها، إلا أن عدنان كان يشعر دائمًا أن هناك غصة في قلب سارة، عسى أن تكون تلك الغصة قد خفتت قليل
الفصل 1622الطيور على أشكالها تقع، وقساة القلوب يجب أن يتعامل معهم من هم أكثر قسوة منهم.بمجرد أن سمعت سالي أنه سيتم تسليمها إلى زهرة، كادت تجن من الرعب!ومهما بلغت كراهية أفراد عائلة رشيد لها، فهم في النهاية يملكون بعض الإنسانية، لكن الأمر مختلف مع زهرة، فمنذ كانت تجري الأبحاث في منظمة الحشرات السامة، كانت الأكثر قسوة.كما أن سالي آذت مصطفى وخدعتها، فإن زهرة لن تتركها تنجو بسهولة أبدًا.بل ستكون أكثر سادية وقسوة من المحققين المحترفين، وسيجعلها ذلك تتمنى الموت دون أن تناله."لا، يا أبي، يا إخوتي، أرجوكم تذكروا الأيام التي قضيناها معًا، لا تسلموني إليها بأي حال من الأحوال، إنها شيطانة حقًا!".في البداية، كان أفراد عائلة رشيد مترددين، ولكن عندما رأوا ملامح الرعب الشديد على وجه سالي، اتخذوا قرارهم على الفور.تقدمت زهرة نحو سالي بخطى ثابتة ووجهٍ جامدٍ بلا أي تعبيرات.حاولت سالي الهروب، لكن عدنان جذبها إلى الخلف بقوة بذراعيه وساقيه الطويلتين، وكان جسده ينضح بنية قتلٍ تقشعر لها الأبدان.أحاطت قامته الفارعة وهالته القوية الباردة جسد سالي من كل جانب.بمجرد دفعة عشوائية منه، ارتطم جسد سالي بقوة
أحاطت عائلة رشيد بسالي كقطيعٍ من الذئاب الجائعة المتربصة بفريستها، وعلى الرغم من كرههم الشديد لها، إلا أنه لم يكن بمقدورهم قتلها على الفور.تنفس حاتم بعمق، كابحًا نية القتل التي كانت تشتعل في صدره."يا سالي، أريدكِ أن تعترفي بكل معاقل منظمة الحشرات السامة، وبكل ما اقترفته عليا طوال هذه السنوات، وأن تستدرجيها للخروج".كان هذا هو السبب الوحيد وراء بقاء سالي على قيد الحياة حتى الآن.ابتسمت سالي بسخرية، وقالت: "لقد بذلتم قصارى جهدكم لانتزاع كل ثروتي مني، والآن لم أعد أملك أي شيء، فما الفارق الذي سيصنعه حديثي؟ فأنا سأموت على أي حال، سواءً عاجلًا أو آجلًا".كانت تخمن ما يدور في عقول الجميع، وتابعت قائلة: "أنا أملك بالفعل كافة البيانات والمعلومات المتعلقة بمنظمة الحشرات السامة، وما لم تعدوني بمنحي طريقًا للنجاة، فإني أفضّل الموت".إن الشخص الذكي يبحث لنفسه دائمًا عن مخرج في أضيق الأزمات.كانت سالي أشبه ببذرة نبتت على حافة منحدر صخري، فرغم قسوة البيئة التي نشأت فيها، إلا أنها كانت تمتلك دافعًا قويًا للتسلق نحو الأعلى.ولكنها للأسف لم تتورع عن استخدام أي وسيلة دنيئة لتحقيق مصالحها، بل تخلت عن ا
واسترسلت سالي في حديثها بنبراتٍ قوية ممزوجة بالبكاء والدموع قائلة: "لم أرزق مثلِك بنسب عريق ومكانة رفيعة منذ الولادة، ولولا اعتمادي على نفسي، لكان مصيري كمصير نساء تلك القرية الجبلية الفقيرة التي ولدت فيها، حيث يعشن حياة لا ترتقي لمرتبة البهائم.""وكثير منهن يبيعهن آبائهن لرجال طاعنين في السن قبل بلوغهن سن الرشد، ليتحولن إلى محض أدوات للإنجاب، وكانت عليا هي من وهبتني الحياة الجديدة، ولم يكن صنيعي سوى الانصياع لأوامرها وتدبيرها لضمان البقاء والحياة يومًا بعد يوم! أما أنتم فقد ولدتم بملعقة من الذهب، وتأتيكم المنافع دون عناء، فماذا عساي أفعل في مواجهة هذا كله؟"وتملّك الغضب نفس سارة وصاحت قائلة: "ما زلتِ حتى هذه اللحظة تمارسين التدليس ومغالطة الحقائق في سبيل التملص من آثامكِ وجرائمكِ؛ فالخبث والمكر اللذان تملكا نفسكِ منذ صباكِ لا يوجبان الصفح أو الغفران قط! وليست النشأة أو الفقر مبررًا تلوذين به لإخفاء قبح أفعالكِ وجرائمكِ!""أتظنين أن بضع كلمات وعبارات قادرة على محو ما اقترفتِ في حقي من آثام وشرور طوال السنوات الماضية؟"ولم تتمكن سارة من إحاطة الحقائق والوقوف على أسباب إصابتها بمرض سرطان
تفاجأت سالي؛ فقد كانت تظن أنها أحكمت التخفي، ولم تعتقد أبدًا أن سارة قد أحاطت بكامل الحقائق والأسرار منذ زمن بعيد، بما في ذلك ما يتعلق بملامح وجهها.ألقت سارة أمامها مجموعة من المستندات والوثائق الطبية المتعلقة بجراحات التجميل التي خضعت لها، واستطردت: "تملكين عزيمة لا مثيل لها؛ فقد خضعتِ للعديد من جراحات التجميل والتقويم منذ سنوات صباكِ، لتتمكني في النهاية من الحصول على ملامح وجه تشبه ملامحي إلى حدٍ كبير، إلا أن الزائف سيظل زائفًا دائمًا، ومهما بلغ بك الجهد في التجميل، فلن تصيري حقيقية أبدًا، تمامًا كهويتك المزورة التي ستظل مزورة مهما فعلتِ."فتساءلت: "متى علمتِ بهذا؟"فأجابتها سارة: "لا بأس من إخباركِ؛ فلو لم تشهد عائلة رشيد هذا الاضطراب وزعم البعض أن والدي لا يمت للجد الراحل بصلة نسب شرعية، لربما لم أكن سأعمل بالأمر طوال حياتي، ولتمكنتِ من خداعنا.""يا سالي، لقد اقترفتِ في حق عائلة رشيد آثامًا عظيمة، فهل ندمتِ يومًا على ما سلف؟"تقدمت سارة نحوها خطوة تلو الأخرى، وتابعت: "لقد سعيتِ مرارًا وتكرارًا لإزهاق روحي، وتسببتِ في مقتل أحب الناس إليّ، وكاد الأمر يعصف بالجنين الذي في أحشائي."ود
انهار العالم النفسي لسارة تمامًا، وكان فقدان الطفلين هو القشة الأخيرة التي قصمت ظهرها.بقدر ما كانت تتوق إلى قدوم الطفلين، بقدر ما كانت حزنًا ينهش قلبها حتى العظم.تساقطت دموعها مع دمائها في آنٍ واحد، كانت سارة قابعة على السرير، تقبض بشدة على شعرها وتصرخ من أعماق روحها، "أحمد، ما كان ينبغي أن تُنقذن
"أأنتِ ابنة رشيد؟ إذن من هما والدا سارة؟"أطلق أحمد هذا السؤال وكأنه نبش في روحها، بينما بدا على صفاء الضيق البالغ من ذكر اسم سارة، وقالت باستياء: "وكيف لي أن أعرف شيئًا عن ماضيها! لم أكتشف الحقيقة إلا قبيل وفاة أمي."لكن الوقت الآن ليس مناسبًا للبحث عن حقيقة نسب سارة، سواء أكان رشيد والدها البيولوج
كانت ندى كمن استسلم للانغماس في الوحل؛ ولم تفكر يوماً في مستقبلها، كل ما كانت تدركه أنها أصبحت تعتمد على عمار أكثر فأكثر.في هذه الأثناء، بدأت أعمال التجديد في منزل عائلة الدلو.أعدت سارة الشاي للجد ودخلت مكتبه، وحين رأت تقطيب حاجبيه، اقتربت منه وقالت برقة: "يا جدي، الوقت متأخر، عليك أن ترتاح."كانت
"من أنتِ حقًا؟ يا جدّي، لا أريدها أن تُعالجني بعد الآن".كان الخوف يتملّك صفاء، فقد رأت في هذه المرأة شيئًا مرعبًا، ورأت في أعماقها كراهية موجّهة إليها، بل رأت ظلال سارة نفسها.بعد رحيل سارة في ذلك الوقت، انقطعت أخبارها تمامًا، وقيل إنّها ماتت منذ زمن. ومهما يكن مكانها اليوم، فلا يمكن أن تكون بهذه







