LOGINبعض الرسائل تصل متأخرة وبعضها يصل قبل أن يُكتب كانت نور تظن أن عودتها إلى البيت القديم لن تكون أكثر من محطة عابرة في حياتها؛ أيام قليلة تنهي خلالها ما تركته جدتها خلفها، ثم تعود إلى القاهرة وتغلق باب الماضي للابد لكنها لم تكن تعرف أن بعض الأبواب لا تُغلق بالمغادرة. ففي غرفة ظلت ممنوعة من دخولها منذ طفولتها، ستعثر على صندوق خشبي صغير يحمل الرقم 17، وداخله سبع رسائل غامضة. رسائل كُتبت بخط جدتها... لكنها تحمل تواريخ لم تأتِ بعد. والأغرب أن الرسالة الأولى تعرف اسم الرجل الذي ستقابله في الليلة نفسها. آدم. رجل غامض يدخل حياتها في اللحظة التي تبدأ فيها أسرار الماضي بالخروج من الظلام، ويحمل هو الآخر جزءًا من حكاية لم تخبرها عائلتها بها. في البداية، سيكون آدم بالنسبة إلى نور مجرد رجل لا تثق به. وسيكون هو أيضًا مقتنعًا بأن نور تخفي شيئًا عنه. لكن مع كل رسالة جديدة، سيجد الاثنان نفسيهما أمام لغز أكبر من السابق، يقودهما إلى أماكن منسية، وصور قديمة، وأسماء اختفت من سجلات المدينة، وحقيقة دفنتها عائلتان طوال ثلاثين عامًا. ومع اقترابهما من الحقيقة، سيحدث ما لم يكن في الحسبان. سيبدأ الشك يتحول إلى فضول. والفضول إلى ثقة شيء أخطر... لكن ماذا لو كان هذا الحب نفسه جزءًا من اللغز؟ ماذا لو لم يكن لقاء آدم ونور صدفة؟ وماذا لو كان هناك شخص ما يكتب خطواتهما منذ البداية؟ كل إجابة ستقودهما إلى سؤال جديد. وكل رسالة ستكشف سرًا... لكنها ستخفي وراءه سرًا أكبر. حتى تصل نور إلى الرسالة الأخيرة. الرسالة التي لا تحمل تاريخًا. بل تحمل اسمها وحين تفتحها، ستكتشف أن الحقيقة التي بحثت عنها طوال الوقت لم تكن مدفونة في الماضي وحده... بل كانت تنتظرها في المستقبل. هذه ليست حكاية عن رسائل وصلت إلى أصحابها. إنها حكاية عن رسائل كُتبت قبل أن تحدث الأشياء... وعن رجل وامرأة حاولا اكتشاف من كتبها، قبل أن يكتشفا أن حياتهما نفسها كانت الرسالة الأهم.
View More1
لم تكن نور تحب العودة إلى الأماكن التي تركتها خلفها. كانت تؤمن أن بعض الأماكن لا تحفظ الذكريات فقط، بل تحفظ معها النسخة القديمة من الإنسان نفسه؛ النسخة التي حاول طويلًا أن يدفنها تحت سنوات جديدة، ووجوه جديدة، وحياة لا علاقة لها بالماضي. ولهذا، طوال الطريق الذي امتد من القاهرة إلى المدينة الصغيرة، كانت تحاول إقناع نفسها بأن عودتها هذه المرة مختلفة. لن تبقى طويلًا. أسبوع واحد، ربما أقل. ستنهي إجراءات الجنازة، تراجع أوراق البيت، تتحدث مع المحامي، ثم تبيع المنزل وتعود إلى حياتها. حياتها التي بنتها بعيدًا عن كل شيء. لكن عندما ظهرت المدينة من خلف زجاج السيارة، شعرت نور أن السنوات الثلاث عشرة الماضية لم تكن موجودة أصلًا. الشوارع نفسها. المحال القديمة. المقهى الموجود عند الناصية. المخبز الصغير الذي كان والدها يأخذها إليه عندما كانت طفلة. حتى اللافتة الصدئة لمحطة القطار بقيت في مكانها. تغيرت وجوه كثيرة، لكن المدينة لم تتغير بالقدر الذي كانت تتمناه. قال السائق: — إحنا قربنا يا آنسة. رفعت نور عينيها عن هاتفها. — البيت لسه في آخر شارع الياسمين؟ ضحك الرجل. — هو فيه شارع تاني في البلد اسمه شارع الياسمين؟ ابتسمت رغماً عنها. — يمكن اتغير. — لا، الحاجات القديمة هنا مبتتغيرش بسهولة. كانت الجملة بسيطة، لكنها تركت أثرًا غريبًا في داخلها. نظرت من النافذة. بدأت البيوت تقل. ثم ظهرت الأشجار القديمة. وأخيرًا ظهر البيت. بيت جدتها. كان يقف في نهاية الشارع خلف سور حجري مغطى بشجرة ياسمين ضخمة. نور لم تتذكر أن البيت كان بهذا الحجم. ربما لأنها كانت طفلة عندما غادرته. أو ربما لأن الإنسان عندما يكبر، تصغر في عينيه الأشياء التي كانت تبدو له يومًا هائلة. توقفت السيارة. دفعت الحساب، ثم بقيت في مكانها للحظات. لم تكن تريد النزول. وضعت يدها على مقبض الباب. سحبته. نزلت. وقف السائق بجوار الحقيبة. — أسيبها عند الباب؟ — أيوه، شكرًا. أنزل حقيبتها ثم نظر إلى البيت. — ربنا يرحم الحاجة فاطمة. نظرت إليه نور. — كنت تعرفها؟ — كل البلد كانت تعرفها. صمت قليلًا ثم قال: — ست محترمة. ابتسمت نور بحزن. — كانت كذلك. أغلق صندوق السيارة. قبل أن يرحل، نظر إليها مرة أخرى. — لو احتجتي أي حاجة، اسألي عن عم محمود. — عم محمود؟ — أنا. ضحكت بخفة. — حاضر. ركب الرجل سيارته. وقبل أن تتحرك، فتح النافذة وقال: — وبالمناسبة... — نعم؟ نظر إلى البيت. ثم إليها. — متفضليش هنا لوحدك بالليل. اختفت ابتسامتها. — ليه؟ هز كتفيه. — البيت قديم. ثم انطلق. وقفت نور في الشارع تنظر خلف السيارة حتى اختفت. بعدها التفتت إلى المنزل. كان صامتًا. صمتًا أثقل من اللازم. أدخلت المفتاح في الباب. توقفت يدها. كانت تتذكر آخر مرة استخدمت فيها هذا المفتاح. كانت في الثالثة عشرة. كانت تبكي. كانت تمسك حقيبة صغيرة. وكانت جدتها تقف خلفها وتقول: — متبصيش وراكي يا نور. لكنها نظرت. رأت البيت. رأت جدتها. ورأت رجلًا يقف عند نهاية الشارع. لم تعرف من كان. ثم غادرت. ثلاثة عشر عامًا مرت منذ ذلك اليوم. أدارت المفتاح. فتح الباب. صدر صرير طويل. دخلت. رائحة البيت ضربتها دفعة واحدة. خشب قديم. غبار. عطر جدتها. والياسمين. توقفت عند المدخل. لم تعرف لماذا شعرت للحظة أن جدتها ستخرج من المطبخ وتقول لها: — اتأخرتي ليه؟ ابتسمت. ثم قالت بصوت منخفض: — وحشتيني يا تيتة. لم يجبها أحد. أغلقت الباب. وضعت حقيبتها بجوار السلم. بدأت تتحرك ببطء. كانت كل زاوية تحمل ذكرى. المرآة الكبيرة. المقعد الخشبي. الطاولة الصغيرة. الساعة المعلقة فوق الحائط. اقتربت من الساعة. كانت متوقفة. العقارب تشير إلى السابعة تمامًا. رفعت حاجبها. حاولت تحريك العقرب. لم يتحرك. ضحكت بخفة. — حتى الساعة وقفت. ثم تذكرت. جدتها كانت تكره أن تتوقف الساعة. كانت تقول دائمًا: "البيت اللي ساعته بتقف، بيكون مستني حد." هزت نور رأسها. — خرافات. قالتها لنفسها. لكنها لم تشعر بالاقتناع. صعدت إلى غرفتها. فتحت الباب. توقفت. كل شيء تقريبًا كما كان. السرير. الخزانة. المكتب. رف صغير كانت تضع عليه كتبها. حتى نجمة خشبية صغيرة كانت قد علقتها فوق السرير. أمسكت بها. كانت مغطاة بالغبار. جلست على طرف السرير. تذكرت والدها. كان هو من صنعها لها. كانت في السادسة عندما أعطاها إياها. قال لها: "كل ما تشوفي النجمة دي، افتكري إن مهما كان الليل طويل، لازم الصبح ييجي." أغمضت عينيها. لم تتذكر وجهه. هذه الحقيقة كانت تؤلمها أكثر من موته. لم يبقَ منه في ذاكرتها إلا صوت. رائحة قميص. يد كبيرة تمسك يدها. وجملة عن النجوم. أما وجهه، فقد أصبح شيئًا يشبه صورة بعيدة تتداخل فيها الألوان. وضعت النجمة على المكتب. ثم فتحت حقيبتها. أخرجت ملابس قليلة. لم تكن تنوي الاستقرار. كانت ستبقى أيامًا. لكنها عندما وضعت الأشياء في الخزانة، شعرت كأنها تخدع نفسها. كان البيت ينظر إليها وكأنه يعرف أنها لن تغادر بالسهولة التي تتخيلها. في المساء، عادت إلى غرفة جدتها. كانت هناك أوراق كثيرة تركتها العجوز. أوراق ملكية. حسابات. رسائل. صور. فتحت نور درجًا بعد آخر. كانت تبحث عن أي شيء يساعدها في ترتيب ما بعد الوفاة. ثم وجدت مظروفًا بنيًا. كان موضوعًا وحده. وعليه اسمها. نور. توقفت. لمست الورقة بإبهامها. عرفت الخط فورًا. خط جدتها. جلست. فتحت المظروف. أخرجت ورقة واحدة. بدأت تقرأ. "نور..." توقفت. أخذت نفسًا. "لو أنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة." أخفضت نور رأسها. شعرت بدمعة تسقط على الورقة. مسحتها بسرعة. تابعت. "أنا عارفة إنك زعلانة مني." همست نور: — أيوه. "وعارفة إنك عمرك ما فهمتي ليه منعتك عن أسئلة كتير." توقفت. "وعارفة إنك فاكرة إني ظلمتك لما خليتك تصدقي إن أبوكي مات." تجمدت. رفعت رأسها. قرأت الجملة مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. أبوكي مات. كانت هذه هي الكلمات التي قالتها لها جدتها. لكن لماذا كتبت الآن: "خليتك تصدقي إن أبوكي مات"؟ تابعت القراءة. "أنا مكدبتش عليكي علشان أكرهك في أبوكي." توقفت أنفاسها. "أنا عملت كده علشان أحميكي." ارتجفت أصابعها. "لكن الوقت خلص." سقطت الورقة من يدها. التقطتها. "لو عايزة تعرفي الحقيقة، روحي المكتبة." حدقت في الجملة. المكتبة. الغرفة التي لم تسمح لها جدتها بدخولها. منذ طفولتها. ثم جاء السطر التالي: "تحت ثالث لوح خشب ناحية الرف الأخير هتلاقي صندوق." بدأ قلبها يخفق. "لو لقيتيه، افتحيه." ثم: "لكن لو فتحتيه، متثقيش في أي حد." وفي أسفل الصفحة: "خصوصًا آدم." توقفت. من آدم؟ لماذا كتبت جدتها هذا الاسم؟ ولماذا كان أول تحذير بعد الصندوق؟ قلبت الورقة. كانت هناك جملة أخرى في الخلف. جملة قصيرة. لكنها جعلت نور تشعر بأن شيئًا ما يتحرك تحت جلدها. "هو يعرف الحقيقة عن أبوكي." خرجت نور من الغرفة. الممر مظلم. لم تشعل النور. كانت عيناها معلقتين بباب المكتبة. مشت نحوه. كل خطوة كانت تبدو أعلى من اللازم. وقفت أمام الباب. تذكرت نفسها طفلة. كم مرة حاولت فتحه؟ كم مرة كانت جدتها تمنعها؟ مرة، عندما كانت في العاشرة، سألَتها: — ليه المكتبة ممنوعة؟ قالت الجدة: — علشان فيها حاجات مش ليكي. — زي إيه؟ — حاجات تخص الكبار. — وأنا لما أكبر؟ سكتت جدتها. ثم قالت: — لما تكبري، هتعرفي. لم تكن تعرف أن تلك اللحظة ستأتي. وضعت يدها على المقبض. أدارته. فتح الباب. دخلت. الغرفة كانت أكثر برودة من باقي البيت. الكتب تغطي الجدران. رفوف عالية. مكتب خشبي ضخم. مصباح قديم. وصورة كبيرة لجدها. اقتربت من الصورة. كان يقف بجوار جدتها. لكن شيئًا جذب انتباهها. رجل ثالث. شاب يقف خلفهما. كان يرتدي بدلة داكنة. ينظر إلى الكاميرا. وجهه مألوف. لكنها لم تعرفه. أخرجت هاتفها. التقطت صورة. كبرتها. حدقت في وجه الرجل. ثم شعرت بوخزة. كان هناك شيء في عينيه يذكرها بشخص. لكن من؟ وضعت الهاتف. بدأت تبحث عن اللوح الخشبي. واحد. اثنان. ثلاثة. لا شيء. انتقلت إلى الرف الأخير. وجدت ثلاثة ألواح. رفعت الأول. فارغ. الثاني. فارغ. الثالث... كان تحته تجويف. توقفت. مدت يدها. وجدت شيئًا معدنيًا. ثم سحبت صندوقًا خشبيًا أسود. كان صغيرًا. ثقيلًا. وعلى غطائه رقم محفور. 17. جلست على الأرض. وضعت الصندوق أمامها. لم يكن له قفل. فتحته. في الداخل سبعة مظاريف. ستة بيضاء. واحد أسود. أخذت الأول. كان مكتوبًا عليه: 10 أغسطس 2026. نظرت إلى هاتفها. اليوم هو 10 أغسطس 2026. شعرت بقشعريرة. فتحت المظروف. كانت الورقة مكتوبة بخط مجهول. "إلى نور." بدأت تقرأ. "إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أن جدتك ماتت." توقفت. ثم واصلت. "ويعني أنك دخلت البيت." رفعت رأسها. كانت الرسالة تعرف أين هي. تابعت. "لكن هناك شيء لم تعرفيه بعد." سطر جديد. "أنتِ لم تعودي إلى البيت لتبيعيه." حدقت في الورقة. "أنتِ عدتِ لأن الحقيقة قررت أن تعود إليك." ارتجفت يدها. "غدًا، في تمام الساعة السابعة مساءً، سيأتي رجل اسمه آدم." توقفت. ثم قرأت: "لا تثقي به." صمتت. لكن الرسالة لم تنته. "سيخبرك أنه يعرف جدتك." ثم: "هذا صحيح." "لكنه لن يخبرك أنه يعرف والدك." شعرت نور ببرودة في أطرافها. أكملت. "والدك لم يمت بالطريقة التي أخبروك بها." رفعت يدها إلى فمها. ثم قرأت آخر جملة: "وإذا أخبرك آدم أن والدك مات منذ عشرين عامًا، فلا تصدقيه." سقطت الورقة. بقيت نور جالسة على الأرض. لم تعرف كم مر من الوقت. عشر دقائق؟ نصف ساعة؟ ساعة؟ لم يكن مهمًا. كان عقلها يرفض استيعاب ما قرأته. والدها. الميت منذ عشرين عامًا. هل كان حيًا؟ هل كذبت جدتها عليها؟ ولماذا؟ ولماذا يعرف رجل اسمه آدم كل ذلك؟ رفعت نور المظروف مرة أخرى. كان هناك شيء في أسفل الورقة لم تنتبه إليه. رقم. 17. نظرت إلى الصندوق. الرقم نفسه. ثم إلى المظاريف. كلها تحمل الرقم سبعة عشر في زاوية صغيرة. ما معنى ذلك؟ فتحت المظروف الثاني. لكنها لم تقرأه. كان تاريخه بعد أسبوع. قررت أن تنتظر. ربما كان من الأفضل أن تعرف ما يحدث غدًا أولًا. وضعت الرسائل في الصندوق. ثم سمعت صوتًا. خطوة. تجمدت. كان الصوت خارج المكتبة. خطوة ثانية. ثم توقف. أغلقت الصندوق. نهضت. أطفأت المصباح. وقفت في الظلام. سمعت صوت الباب الرئيسي. ثم صوت رجل يتحدث. لم تستطع تمييز الكلمات. اقتربت من باب المكتبة. ثم سمعت الطرق. ثلاث مرات. طرق. طرق. طرق. تجمدت. كان قلبها يخفق بعنف. نظرت إلى الساعة. كانت السابعة مساءً. لكن الرسالة قالت: غدًا. غدًا في السابعة. ليس اليوم. سمعت صوتًا خلف الباب. — نور؟ لم تجب. — أنا آدم. تراجعت. شعرت بأن الأرض تحركت تحت قدميها. كيف؟ كيف يمكن أن يكون هنا الآن؟ كانت الرسالة تقول غدًا. هل أخطأت في قراءة التاريخ؟ أخرجت هاتفها. 10 أغسطس. اليوم. إذًا الرسالة أخطأت؟ أم أن آدم لم يكن الشخص المقصود؟ جاء صوته من خلف الباب: — عارف إنك جوه. بقيت صامتة. — وأنا مش جاي أأذيكي. لم تجب. ثم قال: — بس لازم نتكلم قبل ما حد تاني يوصلك. فتحت نور فمها دون صوت. "حد تاني." من؟ ثم جاء السؤال الذي جعل قلبها يتوقف تقريبًا: — جدتك سابتلك الرسائل؟ لم تتحرك. عرف. كان يعرف الرسائل. عرف أنها في المكتبة. عرف ما تركته الجدة. اقتربت من الباب. وضعت أذنها عليه. سمعته يتنفس في الخارج. ثم قال: — نور، افتحي. سألت أخيرًا: — أنت مين؟ صمت. ثم جاء صوته: — آدم. — إزاي عرفتني؟ — لأن أبوكي حكالي عنك. أغلقت عينيها. — أبويا مات. ساد الصمت. ثم قال آدم: — دي أول حاجة لازم تعرفي إنها مش حقيقية. فتحت عينيها. شعرت بدموعها تنزل دون أن تنتبه. — أنت بتكدب. — أتمنى أكون بكدب. — مين أبويا؟ صمت طويل. ثم قال: — لو فتحتِ الباب، هقولك. نظرت نور إلى المقبض. مدت يدها. لكنها توقفت. تذكرت كلمات جدتها: "ما تثقيش في آدم." وتذكرت الرسالة: "والدك لم يمت بالطريقة التي أخبروك بها." سحبت يدها. — امشي. صمت. — نور... — امشي. جاء صوته أكثر هدوءًا: — لو مشيتي ورا الخوف، هتفضلي طول عمرك عايشة في الكذبة. ثم سمعته يبتعد. خطوة. ثم أخرى. ثم أغلق الباب الخارجي. بقيت نور وحدها. أشعلت المصباح. نظرت إلى الصندوق. ثم إلى الرسالة. ثم إلى الباب. كانت تريد أن تصدق أن ما حدث مجرد مصادفة. لكنها لم تعد تؤمن بالمصادفات. بعد دقائق، خرجت من المكتبة. فتحت الباب الخارجي. لم تجد أحدًا. الشارع فارغ. لكنها وجدت شيئًا على الأرض أمام العتبة. ورقة مطوية. التقطتها. فتحتها. لم تكن رسالة طويلة. كان فيها سطر واحد فقط. "لا تفتحي الرسالة الثانية قبل أن تعرفي من قتل والدك." تجمدت. لكن أسفل السطر كان هناك اسم. اسم لم تسمعه منذ طفولتها. اسم الرجل الموجود في الصورة القديمة. سليم. رفعت نور رأسها. وفي اللحظة نفسها، جاء صوت سيارة من نهاية الشارع. سيارة سوداء توقفت بعيدًا. لم ينزل منها أحد. لكن نور رأت بوضوح شخصًا يجلس خلف الزجاج. يراقب البيت. ويراقبها. ثم تحركت السيارة واختفت. أغلقت نور الباب. أحكمت القفل. وصعدت إلى غرفتها. وضعت الصندوق أمامها. نظرت إلى المظاريف السبعة. ثم إلى المظروف الأسود الذي يحمل اسمها. لم تفتحه. ليس الليلة. لكن قبل أن تنام، تذكرت شيئًا. الساعة القديمة في المدخل. كانت متوقفة عند السابعة. والآن، عندما مرت بجوارها، وجدتها تتحرك. دقة. ثم دقة. ثم دقة. رفعت نور عينيها إليها. كانت الساعة تشير إلى السابعة وسبع عشرة دقيقة. وعندما اقتربت منها، سمعت صوتًا خافتًا يأتي من داخلها. شيء معدني يسقط. فتحت باب الساعة. وجدت مفتاحًا صغيرًا. معلقًا بخيط أسود. وعليه الرقم: 17. أمسكته نور. وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعها المفتاح، انطفأت أنوار البيت كلها. غرق المكان في الظلام. ثم سمعت من الطابق السفلي صوتًا واحدًا. صوت باب المكتبة يُفتح. رغم أنها كانت متأكدة أنها أغلقته. وقفت نور في أعلى السلم. لم تتحرك. وفي الظلام، سمعت صوت رجل من أسفل الدرج. صوت لم يكن صوت آدم. كان صوتًا أقدم. أعمق. وقال: — اتأخرتي يا نور. ثم ساد الصمت. أما في يدها، فكان المفتاح رقم سبعة عشر يزداد دفئًا شيئًا فشيئًا. ولأول مرة منذ عودتها إلى البيت، فهمت نور أن موت جدتها لم يكن بداية الحكاية. كان فقط اللحظة التي قررت فيها الحكاية أن تبدأ.لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟
لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ
مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب
كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم





