Share

الفصل 576

Author: سيد أحمد
حتى حل الليل، كانت الخادمة قد غادرت منذ وقت طويل، ولم يبقَ في أرجاء الفيلا سوى سارة وأحمد، يتبادلان النظرات في صمت.

قال أحمد: "هل أنتِ نعسانة؟"

أسرعت سارة بهز رأسها: "لا، لا، لستُ نعسانة، لا أستطيع النوم، سأشاهد التلفاز قليلًا".

كانت تشعر بالحرج أكثر من أي شيء آخر، فعلى الرغم من أنهما زوجان منذ زمن، إلا أن انطباعها عنه ما زال أقرب إلى صورة الغريب، وفكرة أن تصبح بينهما لحظات قرب مفاجئة جعلتها تحس كأنها في لقاء أول بعد تعارف طويل عبر الرسائل، بكل ما يحمله من ارتباك.

أحمد، الذي كان يلمح توترها بسهولة، لم يتعجل الأمر، واكتفى بابتسامة خفيفة وهو يقول: "حسنًا، سأجلس معكِ".

جلست سارة تتابع مسلسلاً دراميًا، بينما كان هو بجانبها يكتب بسرعة على لوحة مفاتيح حاسوبه المحمول.

بين الحين والآخر، كانت ترفع عينيها نحوه، لتراه مرتديًا نظارته ذات الإطار الذهبي، والضوء المسلّط من أعلى يلقي على ملامحه الجادة هالة دافئة، تكسر شيئًا من برودة قسماته.

وكأنّه شعر بنظراتها، رفع رأسه نحوها.

كان يرتدي ثوب نوم من الحرير الأسود، قماشه يلمع بوهج خافت تحت الإضاءة، في تناغم مع إطار نظارته، مدّ إصبعه الطويل يدفع النظارة ق
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • سيد أحمد، خالص التعازي في وفاة زوجتك   الفصل 580

    استيقظت سارة في الصباح الباكر على ضوء الشمس الساطع الذي تسلل إلى الغرفة.فتحت عينيها ببطء، وعيناها صافيتان وبريئتان كعيني طفلة صغيرة، تحملان لمعة نقاء وهدوء.للحظة ارتسم على ملامحها شيء من الحيرة، وجفناها الكبيرتان ترفرفان برقة، مما أضفى عليها مظهرًا في غاية الجمال."هل نمتِ جيدًا البارحة؟"تلاقت عيناها بعيني أحمد، الذي تحدث إليها بصوت منخفض وهو يبتسم ابتسامة خفيفة، وفي خاطرها انسابت جملة طالما قرأتها: "على الطريق رجل كالياقوت، لا نظير له بين الرجال".ورغم أن هذه العبارة أصبحت مستهلكة في الروايات، فإنها شعرت أن أحمد يستحقها عن جدارة.في هذه المسافة القريبة منه، كان الأمر أشبه بضربة جمالية قاضية، فملامحه المتناسقة لم يكن بالإمكان العثور فيها على أدنى شائبة، من أي زاوية نظرت إليه.حين لا يبتسم، يكسوه وقار بارد، وحين يبتسم، يشرق وجهه وتلين ملامحه كنسيم الصباح.قالت وهي تفتح شفتيها بخجل: "نعم... لا بأس".كانت فيما مضى تجد صعوبة في النوم، تنشغل بالهموم وتغرق في الأرق، فتقضي ثمانية أيام من كل عشرة بلا راحة، وحتى إن نامت، طاردتها الأحلام.لكن ليلة البارحة كانت استثناءً؛ أحلام هادئة حتى الصباح

  • سيد أحمد، خالص التعازي في وفاة زوجتك   الفصل 579

    ذلك التعليق الذي قرأته سارة أعادها إلى أرض الواقع بقوة.هذا صحيح، فمنذ أن استيقظت هذا اليوم، وكل ما يحيط بها يهمس لها بحقيقة واحدة، وهي أنّها وأحمد يعيشان حبًّا عظيمًا، وأنه يحبّها حدّ الجنون.كان الأمر أشبه بصندوق هدية مثالي، يبدو من الخارج بديعًا بلا أي شائبة.لكن، حتى لو كان فقدان الطفل محض حادث، فكيف تفسّر ما أصاب يدها؟ ومن الذي ألحق بها تلك الأذى؟لقد اكتشفت، وهي تستحم، أنّ جسدها مليء بالكدمات والجروح، ليست مميتة، بل أقرب إلى خدوش أو آثار سقوط أو خدش من نباتات.كما أن راحتي يديها متصلبتان من كثرة العمل أو التدريب، وجسدها ممشوق وقوي، ليس رقيقًا هشًّا كما تصوّر، بل يحمل مسحة من الصلابة والوحشيّة المألوفة لدى من اعتاد الرياضة.هذه الآثار بدت حديثة، ويبدو أنّها تمضي وقتًا طويلًا في صالة الرياضة، ما يفسّر هذا البنيان الجسدي.وهذا لا يتوافق أبدًا مع ما قاله عن كونها "ربة منزل".الأهم أنّ هاتفها لا يحوي سوى عدد محدود من جهات الاتصال، بينهم هو والبعض من الحراس الشخصيين.والهاتف نفسه بدا جديدًا، وربما الرقم كذلك، وكأنّ الماضي قد مُسِح تمامًا، فلم يبقَ لها أي أثر أو ذكرى.هنا تسلّل الحذر إل

  • سيد أحمد، خالص التعازي في وفاة زوجتك   الفصل 578

    كانت سارة في تلك اللحظات أشبه بما كانت عليه قبل أن تقع بينها وبين أحمد أي خلاف؛ بريئة، مرحة، تنظر إلى كل يوم بتفاؤل وأمل.حتى حين كان هو غارقًا في مشاغله، يكفي أن يرى ابتسامتها ليعود إليه نشاطه من جديد.لكن كلمته العفوية التي باح بها على حين غرة جعلت قلبها يضطرب، فالمسافة بينهما قريبة جدًا، وفتنته حاضرة أمام عينيها، حتى إنها شعرت أنها قد لا تستطيع ضبط نفسها.سارعت بتحويل أنظارها وهي تقول: "حبات الكرز هذه كبيرة المظهر، وطعمها لذيذ أيضًا"."إن كانت تعجبكِ فهذا يكفيني".كان منشغلًا إلى حد كبير، أعدّ لها هذا الكم من الطعام، ومع ذلك لم يأكل شيئًا تقريبًا، وبعد أن قشّر لها حبات الجمبري، مدّ يده ليأخذ حاسوبه المحمول ويواصل عمله.لم تستطع كبح فضولها فقالت: "بالمناسبة، لم تخبرني بعد ما هي طبيعة عملك؟ ماذا تعمل بالضبط؟"أجاب باقتضاب: "في إدارة الأعمال".علّقت بدهشة: "لهذا لسبب إذن تبدو دائمًا مشغول".لم تكن تعلم أن أحمد كان يستخدم العمل ذريعة ليحوّل انتباهه، فبوجودها أمامه بهذه العذوبة، كان يخشى أن يفقد السيطرة على نفسه في أي لحظة.أنهت وحدها كمية كبيرة من الجمبري، وأكلت الكثير من الفاكهة، ثم ال

  • سيد أحمد، خالص التعازي في وفاة زوجتك   الفصل 577

    احمرّ وجه سارة وأبعدت بصرها قليلًا قائلةً: "هذه الربيانات الصغيرة تبدو شهية، سأجرب واحدة."لكن قبل أن تتمكن من التقاطها، كان أحمد أسرع، فقشّر واحدة بمهارة ووضعها مباشرة في فمها.قال بابتسامة: "هل هي لذيذة؟"تذوقت سارة، فانفجر مزيج المذاق الحار والمالح والعطر الطازج على براعم لسانها.كان الطعم مألوفًا، وكأن ذكريات قديمة اندفعت من طرف لسانها حتى معدتها، فشعرت بالدفء، فقد مضى وقت طويل منذ أن تذوقت هذا النكهة، ومع ذلك، فقد ألهبها الفلفل حتى أخرجت لسانها وهي تلهث، وبدأت تشرب ماء الليمون بنهم.سألها أحمد بقلق: "هل كان حارًا جدًّا؟""قليلًا، لكن طعمه رائع"، كانت سارة من النوع الذي لا يتحمل كثيرًا من الحدة، لكنها في الوقت ذاته تعشق الأكل الطيب، وعلى الرغم من أن حرارة الفلفل جعلت أذنيها تشتعلان احمرارًا، فإن شهيتها كانت أقوى من أي مقاومة.كان أحمد يقشّر بسرعة، لكن سرعة أكل سارة كانت تفوقه.قال لها: "تمهّلي."قالت له سارة: "يا إلهي، مهارتك هذه لو وظفتها جيدًا في سوق الليل لبيع الربيان لكانت خسارة ألا تصبح تاجرًا مشهورًا."بينما كانت تشرب سارة الماء، كانت تثني على مهارته في الطهي.لم يعلّق أحمد،

  • سيد أحمد، خالص التعازي في وفاة زوجتك   الفصل 576

    حتى حل الليل، كانت الخادمة قد غادرت منذ وقت طويل، ولم يبقَ في أرجاء الفيلا سوى سارة وأحمد، يتبادلان النظرات في صمت.قال أحمد: "هل أنتِ نعسانة؟"أسرعت سارة بهز رأسها: "لا، لا، لستُ نعسانة، لا أستطيع النوم، سأشاهد التلفاز قليلًا".كانت تشعر بالحرج أكثر من أي شيء آخر، فعلى الرغم من أنهما زوجان منذ زمن، إلا أن انطباعها عنه ما زال أقرب إلى صورة الغريب، وفكرة أن تصبح بينهما لحظات قرب مفاجئة جعلتها تحس كأنها في لقاء أول بعد تعارف طويل عبر الرسائل، بكل ما يحمله من ارتباك.أحمد، الذي كان يلمح توترها بسهولة، لم يتعجل الأمر، واكتفى بابتسامة خفيفة وهو يقول: "حسنًا، سأجلس معكِ".جلست سارة تتابع مسلسلاً دراميًا، بينما كان هو بجانبها يكتب بسرعة على لوحة مفاتيح حاسوبه المحمول.بين الحين والآخر، كانت ترفع عينيها نحوه، لتراه مرتديًا نظارته ذات الإطار الذهبي، والضوء المسلّط من أعلى يلقي على ملامحه الجادة هالة دافئة، تكسر شيئًا من برودة قسماته.وكأنّه شعر بنظراتها، رفع رأسه نحوها.كان يرتدي ثوب نوم من الحرير الأسود، قماشه يلمع بوهج خافت تحت الإضاءة، في تناغم مع إطار نظارته، مدّ إصبعه الطويل يدفع النظارة ق

  • سيد أحمد، خالص التعازي في وفاة زوجتك   الفصل 575

    خرج أحمد مسرعًا من الغرفة، وخفّض صوته متعمدًا وهو يجيب على الهاتف: "نعم؟"جاءه صوت رامي عبر الخط: "سيدي الرئيس، هل أفاقت السيدة سارة؟ كيف هي حالتها الآن؟"منذ أن حُقنت سارة بالدواء في ذلك اليوم، وهي غائبة عن الوعي لثلاثة أيام كاملة، واليوم كان لابد أن تصحو.أحمد وصف باختصار حالة سارة، فتنفس رامي الصعداء.ثم قال: "هذا مطمئن، كنت أخشى..."في الأيام الماضية ظل رامي قلبه مضطربًا، فذكرى تلك الحمى الشديدة التي أصابت سارة قبل عام لم تفارقه؛ حينها كانت نسبة كريات الدم البيضاء والحمراء لديها منخفضة بشكل مخيف.وهذا الانخفاض عادة ما يُرى لدى من يخضعون للعلاج الكيميائي، لكن لاحقًا، أظهرت فحوصاتها الطبية أنها بخير، فلم يثر الموضوع معها مجددًا.الدواء الذي أُعطي لها نادر الاستعمال، ولا يُمنح عادة إلا لفئات محددة ، مثل الحوامل، كبار السن، الأطفال ضعيفي المناعة... أو مرضى الأورام.ولم يزل وجه سارة الشاحب كصفحة الورق في تلك المرة قبل عام يلمع في ذاكرة رامي.سأله أحمد: "مم تخاف؟"قال: "أشعر أن صحة السيدة سارة لم تكن مستقرة دومًا، فخشيت أن يرفض جسدها تأثير الدوا، المهم أن الأمر مر بسلام".ثم أضاف: "لكن أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status