LOGINكانت ميرال شاردة الذهن قليلاً، فبدلاً من ابنتها، كانت قلقة أكثر بشأن موقف كاظم المميز تجاه سارة.لا بد أنه يعرف سارة!في تلك الأثناء كانت الثلوج الكثيفة تتساقط في الخارج، وكان عدنان يقود السيارة بنفسه، وتتقدمه وتتبعه سيارات أخرى لتفتح له الطريق، ألقى عدنان نظرة خاطفة على كاظم في مرآة الرؤية الخلفية، فوجده ينظر إلى الثلج الأبيض خارج النافذة بوجهٍ متجهم يصعب قراءته."يا أبي، هل تعرف الآنسة سارة؟"تنهد كاظم بهدوء، ولم يجب، فشعر عدنان الذي كان يمسك بعجلة القيادة بالتوتر كذلك.كان يشعر بأن شيئًا كبيرًا على وشك الحدوث.عادت سارة إلى غرفتها لتغيير ملابسها إلى ملابس منزلية مريحة، دخل أحمد الغرفة واحتضنها بقوة، رافضاً التخلي عنها."يكفي، لم نتناول الطعام بعد، سأعد طعامًا بسيطًا، اتركني الآن."فرك أحمد رقبته بها مثل جرو كبير قائلًا: "حسناً."لم تأت سارة إلى المنزل مؤخراً، فذبلت أوراق الخضروات في الثلاجة منذ فترة طويلة، لذا لم يكن أمامها خيار سوى إخراج علبتين من المعكرونة الإيطالية سريعة التحضير.سرعان ما انتهت من إعداد المعكرونة وقربتها من أحمد قائلةً: "تناول القليل أولاً."كان العبوس قد تبدد من
حينها فقط أدركت ندى المأزق الذي كانت به، فلطالما كان والدها صارماً، وفي طفولتها، شاهدت بأم عينيها كيف كان يُجبر شقيقها على الركوع في الثلج وهو عاري الصدر وجلده بالسوط عندما يخطئ.لكونها فتاة ولم تنشأ بجانبه، كان يتسامح معها مرة تلو الأخرى.لكن ما حدث اليوم كان القشة التي قصمت ظهر البعير، وقد انفجر غضب كاظم تماماً.وصل عدنان مسرعاً بعد أن ودع جميع الضيوف، فبعد ما حدث، لم يعد لأحد شهية لتناول الطعام.بمجرد دخوله الغرفة، سمع صوت بكاء الأم وابنتها، فسأل: "ماذا جرى؟""يا أخي، لقد أتيت في الوقت المناسب، أنت دائماً الأحن عليّ، تحدث مع أبي، إنه يريد طردي من عائلة الدلو وقطع علاقته بي."عبس عدنان، ومن الواضح أنه لم يستوعب الأمر تماماً."يا أبي، صحيح أن أختي أخطأت في هذا الأمر، ولكن أليس طردها من المنزل أمراً مبالغاً فيه؟ كيف ستعيش كامرأةٍ ضعيفة؟""إذا لم تستطع هي العيش، فكيف أصبحت تلك المرأة طبيبة مشهورة عالمياً بعد أن أفلست عائلتها ومات والداها؟"عند سماع هذه الكلمات، نظر عدنان إليه قائلًا: "يا أبي، كيف تعرف كل هذه التفاصيل؟"كان عدنان سابقًا يعتقد أن سارة هي مجرد الزوجة السابقة التي أحبها أحم
دوّى في رأس ندى انفجارٌ مفاجئ، وشحب وجهها في الحال.ماذا يقول؟ اعتقدت أنها لم تسمع جيدًا."أبي، أليس هذا مبالغًا فيه؟ هل تريد أن تقطع علاقتك بي لمجرد أنني سكبتُ الماء عليها؟"كان كاظم جالسًا في المقعد الرئيسي، تحيط به هالة من البرودة، لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه كان مثقلًا بهمٍ خانق، لدرجة أن ندى وميرال لم تقدرا على النظر إليه مباشرة."في تلك السنوات، كنت محاطًا بالمخاطر من كل جانب، فخشيت أن أعرضكِ معي للخطر، فأمرتُ أمكِ أن تُرسلكِ إلى الريف لتُربّيَك هناك، ثم انشغلتُ بالأعمال، ولم أجد وقتًا لتأديبكِ أو تعليمكِ، ولم أتوقع أن ينشأ عن ذلك مخلوق عاقّ مثلكِ، أحقًا تظنين أنني أجهل ما كنتِ تفعلينه؟"ثم بدأ يعدد ذنوبها واحدًا تلو الآخر: "في سنوات دراستكِ كانت نتائجكِ كارثية، لم ترغبي في التعلم، وادعيتِ أنكِ تريدين الانضمام إلى الجيش لخدمة الوطن، كنت أعلم أنكِ اتخذتِ هذا القرار لأنكِ تحبين أحمد، وظننتُ أن الجيش سيهذّب طبعكِ، لكن ماذا كانت النتيجة؟""تكاسلتِ، وراوغتِ، واستوليتِ على أوسمة الشرف التي استحقها غيركِ، ولم يجرؤ أحد على الاعتراض بسبب مكانتكِ، بل كانوا مجبرين على مجاملتكِ والتغاضي عما تف
وقفت ندى مذهولة هي الأخرى، كيف انتهى الأمر بهذا الشكل؟بل إن أحمد ازداد نفورًا منها!ورغم أن كاظم لم يوبّخها صراحة، إلا أن تلك النظرة التي رمقها بها قبل مغادرته جعلت قلبها يرتجف خوفًا.منذ أن بدأت ندى تعي الأمور، كان والدها مشغولًا طوال الوقت، وعدد المرات التي كانت تراه فيها خلال العام لا يُكاد يُذكر.ومع ذلك، حتى إن لم تره، كان يُحضر لها كل ما هو جميل، وكانت تشعر بدفء أبيها من خلال ذلك.نشأت نشأة سعيدة للغاية، ثم حين ارتقى كاظم سريعًا في منصبه، أصبحت كالأميرة، فأينما ذهبت أحاطها الناس بالإطراء.لكنها الآن باتت منبوذة من والدها إلى هذا الحد، لقد أفسدت الأمور مرة أخرى.لحقت ميرال به، ونظرت إلى كاظم بتودد، وقالت: "يا كاظم، ما زال في المطبخ بعض الطعام، سأجعلهم يرسلونه إليك، فصحتك لم تتحسن تمامًا بعد، وعليك أن تعتني بنفسك."كان كاظم يقلب في يده سبحة من الخرز، وقد صُقلت حباتها حتى أصبحت لامعة من كثرة ما كان يديرها بين أصابعه.كان يفعل ذلك كلما اضطرب مزاجه، ليجبر نفسه على الهدوء.في هذه اللحظة، كان أشبه ببركان على وشك الانفجار، ولم يكن ينقصه سوى شرارة أخيرة."لست جائعًا، يمكنكِ المغادرة." لم
أدرك الجميع أن كاظم لم يكن على ما يرام، وشعرت ميرال بالذعر.لم تر ميرال كاظم بهذه الحالة من فقدان السيطرة على النفس طوال سنوات زواجهما، فمن تكون هذه المرأة حقاً؟ناهيك عن ميرال، حتى جميع الحاضرين لاحظوا أن نظرة كاظم إليها كانت غريبة للغاية.بالطبع شعر أحمد بذلك أيضاً، فسحب سارة إلى حضنه بقوة، وكان كلاهما مبللاً، وبدا عليهما بعض العزلة، لكن نظرة أحمد كانت باردة وكأنه على وشك قتل أحدهم."يا سيد كاظم، يا سيدة ميرال، كما ترون، إنها سارة، زوجتي السابقة، وليست شخصاً مشبوهاً، إنها فقط تفضل الابتعاد عن الأضواء، في البداية، جاءت لإجراء الجراحة للسيد بناءً على توسلاتي لها، لكن لم تلق خيرًا جزاء صنيعها، فالآنسة ندى لم تتوانَ عن إهانتها وإحراجها مراراً وتكراراً، وكنا نتحمل من أجل صحة السيد كاظم.""هذه المرة، كررت فعلتها، وأهانت سارة بهذا الشكل أمام كل هؤلاء الناس، معذرة، لكني لا أستطيع أن أرى إهانتها تتكرر أمامي، لقد أصبحت صحتك أفضل بكثير يا سيد كاظم، لذا من فضلك استعن بشخص آخر."كانت سارة قد تبللت جزئياً فقط، بينما كان هو مبللاً بالكامل، وبتعبيرات وجهٍ باردة، أخذ سارة بالقوة ليغادرا.لم يتوقع أحد
عندما رأت هدوء سارة، شعرت ندى بقلق خفي، وبدا من نبرة صوتها وكأنها تعرفها.حاولت ندى تذكر جميع معارفها، لكنها لم تتذكر أي شخص يمكن أن يكون سارة، لا، لا، لا بد أن هذه المرأة تحاول خداعها، ولن تخدعها مرة أخرى!تبادلت ميرال وكاظم النظرات، ولم يستطيعا توقع ما سيحدث تاليًا.لمست سارة حافة القناع المبللة بالماء، وبدأت ببطء في نزع القناع المزيف جزءاً تلو الآخر.ربما بسبب ارتدائها للقناع لفترة طويلة، كانت بشرتها التي ظهرت ناصعة البياض، وذقنها مدبب، وشفتاها حمراوان بلون طبيعي دون مكياج.كان أنفها صغيرًا وجسره مرتفعاً، وهو شكل الأنف الذي يرغب المشاهير في الحصول عليه جراحياً.وجبينها ولامع، وعيناها واسعتان ولامعتان.عندما ظهر وجهها بالكامل أمام ندى، ظهرت أمامها صورة سارة في أول مرة رأتها فيها قبل ثلاث سنوات.في تلك الليلة، كانت تقف في الردهة وهي ملوثة بآثار الدماء، وشعرها أشعث، ونحيفة، وكانت جميلة وحزينة في نفس الوقت.شعرت ندى بالغيرة كامرأة، فكيف يمكن أن تكون هناك امرأة بهذه الروعة في العالم؟بمجرد عبوس طفيف منها، يمكنها جعل الناس يشعرون بالتعاطف والحزن.عرفت أخيراً لماذا ضحى أحمد بكل شيء حتى بحي






