Share

132

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-06 14:45:01

لم تكد غبار معركة أسقلان تخمد، ولم تكد دماء الخونة تجف على رمال الساحل، حتى أصدر الملك الحازم "مرنبتاح" أمره العسكري الصارم بالتحرك الفوري وبدون راحة. كان الهدف التالي في قائمة العقاب الملكي هو مدينة "جازر"؛ تلك المدينة الحصينة الشاهقة التي كانت تتربع كملكة متوجة فوق التلال، وتشتهر بثرواتها الأسطورية، ومخازن ذهبها التي تسلب عقول الملوك، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يربط طرق التجارة الحيوية.

كان حاكم جازر قد بلغه نبأ سقوط أسقلان المروع، ورأى بأم عينيه عبر جواسيسه جسد الملك الحيثي "أدنوك" معلقاً كخرقة بالية على مقدمة السفينة المصرية القيادية. تملك الرعب قلبه، وعرف أن أسواره الحجرية وحدها لن تحميه من غضب "حورس الحي"، فاستنزف كل خزائن ذهبه واستدعى على عجل فيالق ضخمة من المرتزقة الأشداء من غابات وجبال الشمال الباردة، رجالاً لا يعرفون الرحمة ويقاتلون من أجل المال، وحصن مدينته بكل ما أوتيت الممالك من دهاء وعتاد.

وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف جازر كأنه إعصار مدمّر. وقف مرنبتاح على عربته الحربية، وخلفه أربعون ألف مقاتل يهتفون باسم مصر، بينما كان حاكم جازر ينظر من فوق أسواره العالية، محاطاً بآلاف المرتزقة الشماليين الذين كانوا يلوحون بسيوفهم الطويلة ويطلقون صيحات التحدي.

نظر الملك مرنبتاح إلى شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، وأومأ برأسه إيماءة واحدة قاطعة تعني شيئاً واحداً: "لا رحمة... ابدأوا الدك".

بدأت معركة جازر بشراسة وضراوة بالغة فاق كل ما شهدته الحملة من قبل؛ إذ كان المرتزقة الشماليون يستميتون في الدفاع طمعاً في الذهب وبقاء حياتهم. وتقدم الأمير خع إم واست في الخطوط الأمامية، وعيناه تشعان ببريق المعرفة القديمة، وبجانبه سى اوزير الذي كان يمسك بالتميمة المقدسة بكل ثبات.

ابتكر الكاهنان العظيمان في هذه المواجهة تعاويذ سحرية جديدة ومكثفة مستخرجة من أعمق أسرار كتاب تحوت، تعاويذ مخصصة لخلخلة جزيئات الحجر الصلد وإسقاط الأبراج الشاهقة. ركزا قواهما الروحية معاً، ونطقا بالكلمات السرية المقدسة، وفجأة... انفجر من بين كفيهما نور مشترك هائل، فيروزي مائل للحمرة، انطلق كالصاعقة الكونية التي تشق الفضاء، وضرب مباشرة البوابة الرئيسية العظمى لمدينة جازر.

أحدث الانفجار السحري صوتاً مرعباً زلزل التلال المحيطة، وتفتتت الأخشاب السميكة والحديد المصفح للبوابة كأنها أوراق جافة، وانهارت الأبراج الدفاعية المحيطة بها في لحظة واحدة، متساقطة فوق رؤوس المرتزقة الأشرار.

صاح مرنبتاح بصوت هادر لفه الغضب:

"إلى الأمام يا حماة الوادي! سحقاً للغزاة!"

واندفع الملك مرنبتاح في مقدمة فيالق الاقتحام، يقود عجلته الحربية وسط الركام والغبار، ودخل المدينة يقاتل بشراسة أسد كاسر يدافع عن عرينه. كان سيفه الذهبي يلمع ويتحرك بسرعة خاطفة، يقطع المدافعين والمرتزقة واحداً تلو الآخر، ويهتف بصوت مدوٍّ يملأ الشوارع هيبة ويرج قلوب الأعداء:

"جازر ستكون عبرة تاريخية قاسية لكل من تسول له نفسه البغي! من يتآمر على أرض مصر أو يفكر في تدنيس طهرها يلقى نفس المصير الأسود حتماً!"

استمرت المعارك الشرسة والطاحنة داخل شوارع جازر الفسيحة وساحاتها الكبرى لعدة أيام دون انقطاع. كان المرتزقة الشماليون يقاتلون بيأس ويحاولون التجمع في الساحات واستخدام السهام والنيران لصد الزحف المصري.

لكن الجنود المصريين الأشداء كانوا يتقدمون ببسالة متجددة ونادرة، مدعومين بقوة سحر الأمير خع إم واست الذي كان يملأ الأجواء بطاقته؛ إذ أطلق درعاً فيروزياً هائلاً ومشاعاً يمتد كالمظلة فوق رؤوس المقاتلين، يحميهم بفعالية من السهام المسمومة المتساقطة ونيران المرتزقة، ويعيد توجيه المقذوفات نحو الأعداء.

أما الفتى الصغير سى اوزير، فقد كان بمثابة العين الساهرة للجيش؛ كان يستخدم رؤيته الروحية الثاقبة وعين تحوت ليكشف بدقة كل الكمائن المخبوءة خلف الجدران وفي الخفاء داخل البيوت الحجرية. وبمجرد أن يلمح تجمعاً للأعداء يتربص بالجنود، كان يوجه طاقة تميمته نحوهم ويرسل سهام النور الفيروزي الحارقة التي تخترق الدروع الحجرية والبرونزية السميكة وتدمر الكمائن بالكامل قبل أن تبدأ، محولاً دهاء الأعداء إلى وبال عليهم.

في اليوم الرابع من القتال المتواصل الذي لم يهدأ، سقطت جازر بالكامل تحت أقدام الجيش المصري العظيم، ورُفعت رايات حورس الشامخة فوق أعلى قلاعها المحترقة.

ولكي يترك مرنبتاح أثراً يراه التاريخ، أصدر أوامره الصارمة بتدمير أسوار المدينة جزئياً وهدم أبراجها لتبدو بلا دفاع، ونهب كل الكنوز الذهبية والفضية الأسطورية التي تحصن بها حاكمها وشحنها بالكامل إلى وادي النيل، لتتحول المدينة الغنية إلى شواهد على غضب الفراعنة.

وقف حاكم جازر المقيد بالسلاسل الثقيلة والمنكسر الرأس أمام الملك مرنبتاح وسط ركام قصره، وجسده يرتجف بعنف من شدة الخوف والندم والذعر وهو ينظر إلى سيف الملك الملطخ بالدماء.

نظر مرنبتاح إليه بنظرة باردة كالصخر، خالية من أي شفقة، وقال بصوت حازم وثقيل يحمل هيبة الملك القاطع:

"ارفع رأسك وانظر إلى مصيرك أيها الباغي المكسور! خذ أنفاسك المتبقية واذهب بها ذليلاً إلى من تبقى من أعدائنا المارقين في قلاعهم البعيدة، وقل لهم بلسانك الذي كذب: مصر لا تغفر للخونة، ونصل عقابنا سيطال كل من تسول له نفسه المساس بأرضنا."

وانطلق الأسطول والجيش المصري يواصل مسيرة المجد والتأديب، تاركاً جازر وراءه عبرة للملوك، لتظل مصر كما كانت دائماً سيدة الأرض وحامية النور إلى أبد الآبدين.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status