ANMELDENكانت تلك هي الخطوة الأخيرة في مسيرة الغضب والتأديب، لكنها لم تكن كسابقتها؛ بل كانت الأشد وطأة، والأكثر قسوة، والأنكأ جراحاً.
بعد أن دك الملك الصارم "مرنبتاح" حصون أسقلان، وحطّم قلاع جازر الثرية، ومحا مدينة يانوعام من دفاتر الوجود؛ زحف الجيش المصري العظيم بأربعين ألف مقاتل نحو المرتفعات والوديان الداخلية حيث تقطن القبائل التي تُدعى "إسرائيل". كانت هذه القبائل قد نقضت كل العهود والمواثيق القديمة، وتحالفت سراً وعلناً مع فلول الحيثيين وملوك الشمال المارقين، فصارت بمثابة الخنجر المسموم الذي يتربص بظهر الدلتا والحدود الشرقية.
وصل الأسطول والجيش البري كقضاء مبرم شق الضباب. لم يكن الأعداء هنا متمترسين خلف أسوار مدينة واحدة يمكن دك بواباتها، بل كانوا منتشرين في شعاب الجبال ومرتفعات الأودية، وقد استدعوا كل ما تبقى من مرتزقة الشمال وسحرة الظلام، مستعدين لخوض معركة وجودية ضد "حورس الحي".
وقف مرنبتاح على عربته الحربية الشامخة، والدخان المتصاعد من المدن المحترقة يلوح خلفه كراية من رايات الآلهة. نظر إلى شقيقه الأمير "خع إم واست" وإلى الفتى المعجزة "سى اوزير" اللذين غطى الغبار عباءاتهما الكهنوتية، وقال بنبرة قاطعة كالسيف:
"هنا ينتهي دنس الشمال يا إخوتي. هنا نقطع رأس الأفعى حتى لا تفكر في النهوض مجدداً."
اندلعت المعركة الأخيرة بشراسة أسطورية وعنيفة لم تشهد لها تلك الوديان مثيلاً من قبل؛ إذ تحولت الممرات الجبلية الضيقة إلى مسالخ بشرية ومحارق للغزاة والخونة. كانت المعركة دامية وطويلة، استمرت لأيام تحت شمس لافحة وغبار خانق كاد يحجب الرؤية عن المحاربين.
كان الملك مرنبتاح في قلب هذا الجحيم المستعر، يقاتل بشراسة أسد كاسر جُرح في عرينه؛ كان يقود فيالقه بنفسه وسط الشِعاب، وسيفه الذهبي يلمع ويتحرك بسرعة خاطفة، يطيح برؤوس قادة القبائل ومرتزقتهم واحداً تلو الآخر، وصرخاته العسكرية تلهب الحماس في صدور جنوده الأشداء الذين كانوا يتقدمون خلفه كالطوفان.
وعلى الجانب الآخر من الجبال، كان الأمير خع إم واست وبجانبه سى اوزير يواجهان آخر ما تبقى من السحر الأسود الشمالي. ركز الكاهنان العظيمان قواهما الروحية المستمدة من أعمق أسرار كتاب تحوت، وأطلقا طاقات سحرية لم تجرؤ الأرض على رؤيتها من قبل.
رفع خع إم واست عصاه الكهنوتية، فاندفعت منها موجات من النور الفيروزي الحارق التي كانت تضرب قمم التلال وتسقط الصخور الشاهقة فوق تجمعات الأعداء، بينما كان الفتى سى اوزير يتحرك كالبرق وسط الغبار، يمسك بتميمته المقدسة ويرسل سهام النور الساطعة التي تخترق الدروع وتكشف الكمائن المستترة في مغارات الجبال وتحيلها إلى رماد.
كانت القبائل تقاوم بيأس أعمى، مستندة إلى وعود الملوك الراحلين، لكن شجاعة الجندي المصري ونور الحكمة القديمة كانا أشد مضاءً من حديدهم؛ فسقطت دفاعاتهم واحداً تلو الآخر، وتحولت ممراتهم إلى مصائد للموت.
في نهاية المطاف، وتحت وطأة الضربات الساحقة للمطرقة والسندان، سقطت القبائل بالكامل وتحطمت شوكتها، ورفعت الرايات الملكية لآمون ورع فوق أعلى المرتفعات الجبلية معلنة النصر الساحق والنهائي لنور الوادي.
وقف الملك مرنبتاح وسط ساحة النصر، وحوله قادة جيشه والجنود الذين تعالت صيحاتهم لتملأ الآفاق بعزة وفخر. التفت الملك نحو كبار الكتبة والنحاتين الملكيين الذين كانوا يحملون اللوحة الحجرية الكبيرة المصنوعة من الجرانيت الأسود الصلب — والتي خُصصت لتسجيل أمجاد هذه الحملة التاريخية — وأشار بنصل سيفه الملطخ بالدماء نحو الجزء الأخير من اللوحة، وأملى عليهم بكلمات حازمة، ثقيلة، حملت هيبة الفراعنة وقضاء الآلهة:
"اكتبوا هنا لتقرأ القرون القادمة صرخة النصر، وانقشوا باللغة المقدسة للأجداد كلمات لا تمحوها الدهور: إسرائيل صار خراباً بالكامل، وبذرته ونسله لم يعد لهما وجود على وجه هذه الأرض، وانقطع ذكره لعناده."
اعتلى الملك مرنبتاح منصة حجرية عالية تتوسط الجيش المنتصر، ووقف شامخاً كالمسلة الوردية، وتاجه المزدوج يلمع تحت أشعة الشمس التي انقشعت عنها غيوم الظلام تماماً. نظر إلى أربعين ألف مقاتل يملأون الوادي برماحهم المرفوعة ودروعهم الشامخة، وأطلق صوته المدوي والهادر الذي رج جنبات الجبال الشمالية ووصل إلى مسامع كل الملوك الخائفين في قلاعهم البعيدة:
"الآن... والآن فقط، عرف الشمال كله، وعرفت الأرض من أقصاها إلى أقصاها، أن مصر العظيمة لا تُمس، وأن ترابها الطاهر محرم على الغزاة! لقد حفظنا العهد، وصنا وصية أبينا رمسيس العظيم، وحمينا قلب العالم من دنس الظلام!"
وانفجر الجيش المصري بأكمله في هتاف أسطوري واحد، صرخت به الآلاف بصوت زلزل الكون وتحطمت معه أصوات الرياح:
"مصر... إلى الأبد! مرنبتاح... إلى الأبد!"
انتهت الحملات العسكرية العقابية بانتصار ساحق، كامل، وخالد لأرض الكنانة. وبسطت مصر نفوذها وهيمنتها المطلقة على كامل المنطقة من الدلتا إلى أقصى الشمال والشام، وتحققت وصية الفرعون الراحل رمسيس الثاني بالحب، والعقل، والسيف.
عاد الأسطول المصري العظيم ليركب البحر متجهاً جنوباً نحو أرض الوطن، تتقدمه رايات المجد والنصر، بينما كان الأمير خع إم واست يمسك بيد ابنه سى اوزير وعيناهما تتجهان نحو طيبة حيث تنتظرهما تفنوت؛ فقد انقشعت العاصفة، وعاد النور ليضيء الوادي
كان الأسطول الحربي المصري العظيم يشق مياه البحر المتوسط العاتية في طريق عودته إلى ديار الكنانة، متهادياً كأسراب من طيور النصر الجارحة التي تحمل في مخالبها القوية غنائم الشمال المكسور ورايات المجد المرفوعة.في مقدمة السفينة الملكية القيادية ذات الرأس الذهبي الشامخ للصقر "حورس"، كان الملك "مرنبتاح" يقف بقامة ممشوقة لا تعرف الانحناء، يرتدي "تاج التحامس" — التاج المزدوج للوجهين البحري والقبلي — الذي كان يتلألأ تحت أشعة الشمس الساطعة، بينما كان سيفه الذهبي الطويل، الملطخ بدماء الخونة والأباطرة، معلقاً في وقار على خاصرته العسكرية.وأمام عينيه مباشرة، ومن فوق خشب المقدمة الملكية، كان المشهد الأكثر بلاغة ورعباً يلوح للعالم أجمع كعبرة تاريخية أبدية؛ حيث عُلّق أسرى الملوك الشماليين المارقين — الملك الحيثي الطاغية "أدنوك" وملوك الممالك المتحالفة معه من أمورو وميتاني وأوغاريت — مقيدين بإحكام بسلاسل ذهبية غليظة ثقيلة الوزن. كانت أجسادهم الضخمة مكشوفة للرياح البحرية الباردة، ووجوههم القاسية التي طالما ملأها الكبرياء والصلف باتت مغطاة بملامح الذل، والكسرة، والانهيار التام، وهم ينظرون إلى لجة الماء ب
كانت تلك هي الخطوة الأخيرة في مسيرة الغضب والتأديب، لكنها لم تكن كسابقتها؛ بل كانت الأشد وطأة، والأكثر قسوة، والأنكأ جراحاً.بعد أن دك الملك الصارم "مرنبتاح" حصون أسقلان، وحطّم قلاع جازر الثرية، ومحا مدينة يانوعام من دفاتر الوجود؛ زحف الجيش المصري العظيم بأربعين ألف مقاتل نحو المرتفعات والوديان الداخلية حيث تقطن القبائل التي تُدعى "إسرائيل". كانت هذه القبائل قد نقضت كل العهود والمواثيق القديمة، وتحالفت سراً وعلناً مع فلول الحيثيين وملوك الشمال المارقين، فصارت بمثابة الخنجر المسموم الذي يتربص بظهر الدلتا والحدود الشرقية.وصل الأسطول والجيش البري كقضاء مبرم شق الضباب. لم يكن الأعداء هنا متمترسين خلف أسوار مدينة واحدة يمكن دك بواباتها، بل كانوا منتشرين في شعاب الجبال ومرتفعات الأودية، وقد استدعوا كل ما تبقى من مرتزقة الشمال وسحرة الظلام، مستعدين لخوض معركة وجودية ضد "حورس الحي".وقف مرنبتاح على عربته الحربية الشامخة، والدخان المتصاعد من المدن المحترقة يلوح خلفه كراية من رايات الآلهة. نظر إلى شقيقه الأمير "خع إم واست" وإلى الفتى المعجزة "سى اوزير" اللذين غطى الغبار عباءاتهما الكهنوتية، وق
بعد سقوط "أسقلان" الشامخة وتحطم قلاع "جازر" الثرية، لم يمنح الملك الصارم "مرنبتاح" جيشه أية برهة للراحة؛ إذ كان يؤمن أن حديد العقاب يجب أن يضرب وهو ساخن، وأن تتابع الضربات هو ما يزرع الرعب السرمدي في قلوب الملوك المارقين. كان الهدف الثالث في خطة التطهير الملكية هي مدينة "يانوعام"؛ تلك الحاضرة القابعة في أحضان الأودية الشمالية، والتي كانت تمثل مركزاً سرياً لإمداد فيالق الحيثيين بالمعلومات وجواسيس الظلام.كانت أنباء الجحيم الذي حل بأسقلان وجازر قد سبقت فيالق الجيش المصري إلى يانوعام، وطار ذعر لا قبل لهم به إلى قلوب سكانها وحاكمها. وعندما تراءت لهم أشرعة الأسطول المصري السوداء تقترب عبر الساحل، ويتقدمها المشهد المرعب لجسد الملك الحيثي "أدنوك" المعلق الذي تضربه الرياح، انهارت عزيمتهم قبل أن تبدأ الحرب، وعرِفوا أن آلهة الظلام قد تخلت عنهم تماماً.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف يانوعام كقضاء مبرم لا راد له. وقف مرنبتاح في طليعة فيالقه، وحوله أربعون ألف مقاتل يملأون الآفاق بزئيرهم، بينما كانت أسوار يانوعام تبدو واهنة، وجنودها يقفون فوق الأبراج بأيدي مرتجفة وركب تتصادم من فرط الهلع.لم تدم
لم تكد غبار معركة أسقلان تخمد، ولم تكد دماء الخونة تجف على رمال الساحل، حتى أصدر الملك الحازم "مرنبتاح" أمره العسكري الصارم بالتحرك الفوري وبدون راحة. كان الهدف التالي في قائمة العقاب الملكي هو مدينة "جازر"؛ تلك المدينة الحصينة الشاهقة التي كانت تتربع كملكة متوجة فوق التلال، وتشتهر بثرواتها الأسطورية، ومخازن ذهبها التي تسلب عقول الملوك، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يربط طرق التجارة الحيوية.كان حاكم جازر قد بلغه نبأ سقوط أسقلان المروع، ورأى بأم عينيه عبر جواسيسه جسد الملك الحيثي "أدنوك" معلقاً كخرقة بالية على مقدمة السفينة المصرية القيادية. تملك الرعب قلبه، وعرف أن أسواره الحجرية وحدها لن تحميه من غضب "حورس الحي"، فاستنزف كل خزائن ذهبه واستدعى على عجل فيالق ضخمة من المرتزقة الأشداء من غابات وجبال الشمال الباردة، رجالاً لا يعرفون الرحمة ويقاتلون من أجل المال، وحصن مدينته بكل ما أوتيت الممالك من دهاء وعتاد.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف جازر كأنه إعصار مدمّر. وقف مرنبتاح على عربته الحربية، وخلفه أربعون ألف مقاتل يهتفون باسم مصر، بينما كان حاكم جازر ينظر من فوق أسواره العالية، مح
كانت "أسقلان"، المدينة الساحلية الحصينة والملقبة بـ "عروس البحر الشمالي"، هي الهدف الأول على قائمة الغضب الملكي المصري. كانت هذه المدينة تمثل مركز الثقل التجاري والعسكري لملوك التحالف المارقين، وبوابتهم الرئيسة التي تطل منها أطماعهم على حدود الدلتا.بعد أيام قليلة من المعركة الكبرى ومحو الكيان الشرري "بعل" تحت أقدام الإله "ست"، وصل الأسطول الحربي المصري العظيم بقيادة الملك "مرنبتاح" إلى شواطئ أسقلان. كانت السفن تمخر العباب كالتنانين السوداء، يتقدمها المشهد المرعب للملك الحيثي الأسير "أدنوك" المعلق على مقدمة السفينة القيادية، وهو المشهد الذي طار به الذعر إلى قلوب سكان المدينة قبل أن يرسو الأسطول.كانت أسقلان محصنة بأسوار حجرية شاهقة وعريضة، صُممت لتتحمل حصار السنين. وكان أميرها الطاغية قد حصنها بكل ما أوتي من قوة وعتاد، وجمع داخلها بقايا الفارين من فيالق الشمال، متوقعاً ومتحسباً لانتقام مصر الحتمي الذي لا يرحم.وقف الملك مرنبتاح في طليعة جيشه البري أمام البوابات الحديدية الضخمة للمدينة، وحوله ثلاثون ألف مقاتل يملأون الأفق برماحهم ودروعهم، وأرسل رسولاً ملكياً يحمل إنذاراً نهائياً وقاطعا
انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم