Share

سيد الرماد والضوء
سيد الرماد والضوء
Author: Ahmed Habib

1

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-13 07:52:36

كانت العاصفة الرملية تنهش جدران "منف" العتيقة كحيوان مفترس حُبس في قفص من الحجر، تزأر خارج النوافذ الضيقة لمعبد الإله "بتاح" العظيم، بينما كان الصمت في الداخل كثيفاً وخانقاً، تفوح منه رائحة البخور الأسود المحروق ونبتة اللوتس الأزرق التي جُففت بعناية فائقة. في عمق هذا المعبد، وفي أكثر زواياه عتمة وسرية، لم يكن الأمير "خع إم واست" يشبه أمراء الحرب من إخوته؛ فلم تكن يداه ملوثة بدماء الحيثيين في الشمال، ولم تكن جبهته تحاكي وهج التيجان المذهبة التي يرتديها والده الملك العظيم "رمسيس الثاني" في قاعات العرش الصاخبة. كانت أصابع الأمير ملطخة بحبر البرديات الأسود، وعيناه تحملان وهجاً غريباً يتأرجح بين جنون المعرفة الخالصة وشهوة السيطرة على ما وراء الطبيعة. كان يبحث عن شيء أقدم من ملك أبيه، شيء يتجاوز حدود الزمن الحاضر.. كان يبحث عن "الخلود المطلق" المتمثل في الرموز السحرية المفقودة.

انفتحت البوابات الخشبية الثقيلة للمختبر السري للأمير فجأة، محدثة صريراً خافتاً قطع حبل أفكاره المتوترة. دخلت "تفنوت"، كاهنة المعبد الصغرى وعشيقته التي يلتف حول حبها بالكثير من السرية والكتمان. كانت عيناها الكهرمانيتان الواسعتان تشعان بقلق بالغ، وجسدها الممشوق يتحرك باهتزاز واضح مع أنفاسها المتسارعة التي تكشف عن هول ما تخفيه في صدرها. كان ثوبها الكتان الأبيض النقي، الرقيق والشفاف كغلالة من الفجر، يلتصق بمنحنيات جسدها بفعل رطوبة المكان الساخنة، مما يظهر مفاتنها المصرية الأخاذة وقوامها المثير الذي طالما أسر لب الأمير في لحظات خلوتهما. تراجعت إلى الخلف قليلاً وهي ترى الأمير محاطاً بأوعية فخارية ضخمة يتصاعد منها الزئبق المشع ويسيل على أطراف الطاولة الحجرية المنقوشة برموز غامضة.

"خع إم واست.. ارجع عن هذا الطريق المظلم،" همست بصوت يرتجف، واقتربت منه بخطوات وئيدة تحمل مزيجاً من الخوف الشديد والرغبة الجارفة. وضعت يدها الدافئة الناعمة على صدره العاري العريض، محاولة استثارة آدميته وجذبه بعيداً عن هذا الهوس السحري الذي بات يلتهم روحه وعقله يوماً بعد يوم. "الكهنة الكبار يتهامسون في الممرات المظلمة للمعبد. يقولون إنك تبحث عن كتاب 'تحوت' الملعون. ذلك ليس كتاباً عادياً تقرأه يا أميري، تلك لعنة حية صاغها إله الحكمة نفسه من نور النجوم الأولي وظلام الكون السحيق قبل بدء الخليقة."

التفت إليها الأمير "خع إم واست"، وتلاقت عيناه الحادتان بعينيها الكهرمانيتين. كان وجهه يفيض بوسامة بالغة وقوة حاسمة، تعكس ملامحه الفرعونية الأصيلة الممتزجة بصلابة المقاتلين وعمق الحكماء. لم يستطع مقاومة هذا القرب الحميم؛ فأمسك بخصرها النحيل بقوة وجذبها إليه بعنفوان، ليلتصق جسدها الشبه عاري بصدره العريض، وتلتقي أنفاسهما الساخنة المضطربة وسط برودة جدران المعبد القاسية. "تفنوت.. إنهم يخافون مما لا يفهمون،" قال بصوت عميق يحمل نبرة من الثقة المطلقة والسيطرة التي لا تقبل الجدال. "تخيلي قوة تطوع الموتى لإرادتنا، تجعلنا نسمع همس النجوم البعيدة ونحرك الجبال الراسخة من أماكنها بكلمة واحدة ننطق بها. هذا الكتاب ليس هوساً، بل هو السلاح الوحيد الذي سينقذ مصر من زوال مؤكد يتربص بها في القادم من العقود. سأحميكِ أنتِ أولاً بهذه القوة، وسأحمي بها عرش أبي الذي بناه بالدم."

طبع قبلة عنيفة وحاسمة على شفتيها المرتجفتين، قبلة طويلة حملت وداعاً مبطناً للأمان الدافئ الذي عرفه طوال حياته، واختلطت فيها مشاعر العشق الجارف ببرودة الطموح السحري الذي لا يرحم. تراجعت "تفنوت" وهي تنفث زفيراً ساخناً، وعيناها ممتلئتان بالدموع والشهوة والخوف، مدركة أن السحر المظلم قد تغلغل في دمه بالفعل ولم يعد هناك أي مجال للتراجع أو الهرب.

في تلك اللحظة الوجيزة، انطفأت الشعلات الزيتية المحيطة بهما فجأة وبلا أي مقدمات، وتحول ضياء الغرفة إلى عتمة حالكة. حلّ صمت مرعب قطع أنفاسهما، ولم يعد يُسمع في أرجاء المختبر السري سوى حفيف غريب ومرعب يشبه زحف ملايين الثعابين الضخمة فوق أرضية من الحصى الجاف. من وسط هذا الظلام الدامس، بدأت الرمال الناعمة في زاوية الغرفة تتجمع وترتفع وتدور حول نفسها في إعصار مصغر، مشكلةً ببطء الجسد الهلامي الضخم لفرعون قديم مات ودفن منذ قرون طويلة.. إنه روح الأمير "نفر كابتـاح"، الحارس الأبدي لكتاب السحر الأعظم.

"مَن يجرؤ على إيقاظ الرماد الخامل؟" هدر الصوت في أرجاء المكان، ولم يكن صوتاً طبيعياً يخرج من حنجرة بشرية، بل كان صدى مرعباً وترددات خفية تنبثق من العدم وتتردد داخل عظام جمجمة "خع إم واست" و"تفنوت" مباشرة، مسببة ألماً لا يُطاق.

صرخت "تفنوت" صرخة مكتومة وسقطت على ركبتيها فوق الأرضية الحجرية الباردة، وهي تمسك برأسها بكلتا يديها من شدة الألم الناتج عن تلك الترددات السحرية السوداء التي أطلقتها الروح الغاضبة. أما الأمير، فقد تجلى كبرياؤه الملكي وقوته الجسدية والعقلية؛ فلم يتراجع قيد أنملة واحدة، ولم يطرف له جفن أمام هذا الكيان الخارق. استل بسرعة البرق خنجره الأسطوري المصنوع من حديد الشهب المتساقطة من السماء، وبدأ يتلو بصوت جهوري ثابت تعويذة حماية معقدة من نصوص "كتاب الموتى" القديمة لحماية نفسه وعشيقته من الهلاك المحتم.

انبثق من حديد الخنجر وهج أزرق ساطع، كأنه صاعقة من الضوء الخالص، ليصطدم بقوة بالجسد الرملي المتحرك لروح "نفر كابتـاح". تلاشت الرمال للحظة وجيزة تحت تأثير هذا الهجوم السحري المضاد، لكن صدى الصوت المرعب عاد ليضحك بسخرية سوداء هزت أركان المعبد: "الحديد السماوي لا يؤذي الأرواح الخالدة يا ابن رمسيس. إن كنت حقاً تبحث عن كتاب تحوت وترى في نفسك الكفاءة لامتلاكه، فاترك عشيقتك الغضة وتعال إليّ في مقبرتي المظلمة بجبانة منف القديمة. هناك سأتحداك في لعبة 'السينت' السحرية الكبرى.. إن فزت عليّ، فالكتاب لك والكون كله طوع بنانك. وإن خسرت.. ستصبح روحك وقوداً لتعاويذي إلى أبد الآبدين!"

اختفت الروح اللعينة في لمح البصر، تاركةً وراءها رائحة الموت والرماد، وامرأة ترتعد رعباً وتتشبث بذراع أميرها، وأميراً مصراً قد اتخذ قراره النهائي الذي سيزلزل الأرض.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status