مشاركة

97

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-07-01 14:52:55

مرت الأسابيع والأيام بعد عودة تلك الحملة المروعة كأنها صفحات بكر تُكتب ببطء شديد وتؤدة في بردية تاريخ مصر الكبرى. كان معبد "بتاح الكبير" في مدينة منف العتيقة يشهد تحولاً تدريجياً ومهيباً؛ إذ انقشع جو الحزن الخانق والثقيل، ليحل محله أمل هادئ ينمو ويتجذر في النفوس كما تنمو النوابت الخضراء في الأرض العطشى بعد هطول المطر.

بدأ الفرعون العظيم، رمسيس الثاني، يستعيد قوته الحيوية وجلال جسده ببطء شديد، ورغم أن مسار الشفاء كان مضنياً وممتلئاً بنوبات الألم المبرح، إلا أن عزيمة الملوك لم تنكسر. صار الفرعون يجلس في حديقة المعبد المقدسة مع كل شروق شمس، متكئاً بكبرياء على عصاه الملكية الثقيلة، يطيل النظر إلى أشجار النخيل الباسقة التي طالما أحبها، ويستمع بوعي حاد إلى تقارير مستشاريه وكبار قادته، مصدراً توجيهاته بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة الحزم الصارمة التي ارتعدت لها عروش الملوك.

في اليوم الخامس والعشرين الذي تلا عودة الأسرة إلى أرض منف، أعلن الفرعون عن رغبته في مباشرة بعض من مهامه الملكية وإدارة شؤون البلاد؛ إذ لم يكن قادراً بعد على تولي مقاليد الحكم بالكامل، لكنه أصر على الجلوس فوق عرشه في قاعة الاستماع الملكية العظمى. أخذ الملك يستمع إلى شكاوى الولايات البعيدة، ويصدر الأوامر الصارمة لإصلاح المعابد والأقاليم التي تضررت من جراء تفشي السحر الأسود، طالباً تقارير مفصلة عن أحوال الحدود الجنوبية الحامية لمصر.

كان الفرعون ينجز ذلك كله بتؤدة، فيما كان الأمير "خع إم واست" يجلس بجانبه بصفة دائمة كظله الحامي؛ يشد من أزره، ويقدم له المشورة الروحية والسياسية، ويحرص بكل ما أوتي من حب ورعاية على ألا يجهد والده العجوز أو يستنزف قواه الحيوية المستعادة.

وفي إحدى الجلسات الخاصة التي جمعت الأب بابنه بعيداً عن أعين الحاشية، نظر الفرعون إلى "خع إم واست" بنظرة تفيض بالفخر الأبوي الممتزج بمسحة من حزن دفين، وقال له وعصاه الملكية بين كفيه:

"أنت الآن عماد هذا العرش الحقيقي يا ولدي الحبيب عليك من بعد ان تظل كما انت وتساعد اخيك مرنبتاح كما تساعدنى الان. إن جسدي يتعافى ببركة الآلهة، لكني أدرك يقيناً أن قوتي الغابرة لن تعود أبداً إلى سابق عهدها المشهود. أنت من سيحمل عبء هذه المسؤولية العظمى أمام التاريخ وأمام شعب الأرضين... وأنا فخور بك وبما استعدته من شرف."

أمسك الأمير "خع إم واست" بكف والده بيقين وثبات، ورد عليه بنبرة خفيضة ملؤها التقدير: " معاً يا أبي... يداً بيد كما كنا دائماً، وكما قُدّر لسلالتنا العظيمة أن تكون."

أما طقوس تطهير خع إم واست من أدران السحر الأسود، فقد اكتملت فصولها وتكللت بالنجاح خلال الأسابيع الماضية؛ إذ انتهت أربعينية العزل والصلوات المتواصلة، وخرج الأمير من محراب التطهير أكثر نقاءً وقوة وبصيرة، غير أنه كان لا يزال يحمل في أغوار نفسه ندوباً داخلية غائرة. كان يستيقظ أحياناً في هزيع الليل الأخير يلهث بذعر، وتمر أمام مخيلته ومضات خاطفة من ذكريات تلك السنة السوداء التي قضاها مغيباً، لكنه صار يملك زمام أمره ويفرض سيطرته التامة عليها بفضل عقيدته الراسخة؛ فكان يجلس مع حكماء الكهنة كل يوم يتحدثون، ويسترجعون الخبايا، ويطردون آخر ما تبقى من قذى الظلام العالق برداء روحه.

وفي إحدى الليالي الساكنة التي غمرت المعبد بالهدوء بعد أن استقر حال الفرعون واطمأنت القلوب، كان الأمير وخلفه زوجته الأميرة "تفنوت" يجلسان معاً على شرفة غرفتهما الفسيحة المطلة على حدائق المعبد الغناء. كان القمر بدراً يسكب ضياءه الفضي اللامع فوق صفحة نهر النيل البعيد، بينما كان الهواء العليل يحمل أريج زهور اللوتس ونسمات النخيل العطرة.

كانت "تفنوت" مستلقية في دلال العافية على صدره، وتمرر كفها برفق وحنان بالغ على خصلات شعره، وهي تهمس في أذنه بوعي المحب: "أخيراً... أنت هنا بين ذراعي... حقاً وصدقاً هنا يا خع إم واست."

احتضنها الأمير بقوة وشغف جارف، وقبل جبينها، ثم أتبعها بقبلة عميقة على شفتيها قبلة طويلة تختزل في طياتها شوقاً مكبوتاً وحرماناً طال لعام كامل. كانت يداه تمران على جسدها برقة وعاطفة جياشة، يتلمس تفاصيلها كأنه يتأكد بيقين الكاهن أنها حقيقة ماثلة أمامه وليست ضرباً من ضروب الخيال أو السحر، بينما كانت هي تبادله العاطفة بكل ما تملك من حنان، غارسة أصابعها الناعمة في ظهره برفق.

"أحبكِ..." همس الأمير بين القبلات المتلاحقة بصوت متهدج. "أحبكِ بما يفوق حب الفانين للحياة نفسها."

كانت تلك الليلة مفعمة بالسكينة والحميمية الصادقة؛ حيث كان اتحادهما الروحي والجسدي عميقاً، مشحوناً بدموع الفراق السابقة وابتسامات الوصل الحالية. كان يدخل محراب حبها بحنان وعمق، شاخصاً بعينيه الفيروزيتين في عينيها، يهمس لها بكلمات الغزل والعشق التي حُرم من النطق بها طوال سنة الغواية، بينما كانت هي تمسك بوجهه الشريف، وتبكي دموع فرح خفيضة وتقول: "أنت عاداتي كلها... أنت حياتي وضياء نهارها..."

بقيا متعانقين في مضجعهما بعد ذلك، يتحدثان بهمس دافئ عن آفاق المستقبل، وعن ابنهما المعجزة سى اوزير، وعن مصر العظيمة التي سيعيدان بناء صروحها ومجدها معاً.

في صبيحة اليوم التالي، جلس الأمير "خع إم واست" مع ابنه البكر "سى اوزير" في باحة الحديقة تحت ظلال شجرة نخيل وارفة. كان الفتى ينظر إلى أبيه بعينين تملؤهما ملامح الإعجاب والمهابة، بينما كان الأمير يتطلع إلى ولده بفخر عميق وحب جم.

قرب الأمير ابنه منه وقال له بصوت هادئ يحمل وقار الكهنة: "قصّ عليّ يا بني... قصّ على أبيك كل ما عاينته وشهدته عيناك في رحاب الدوات والعالم السفلي."

تنفس سى اوزير الصعداء، وبدأ يروي التفاصيل بصوت رصين متزن، لكنه مفعم بالعواطف الحية؛ فحكى عن الألغاز السبعة الوعرة التي واجهته، وعن الرؤيا المفزعة التي رأى فيها نفسه في المستقبل وحيداً طريداً، ورؤية أمه تموت ببطء شديد تحت وطأة الحسرة، ورؤية جده رمسيس يصب عليه اللوم والتقريع، وعن محاولات الساحرة تابوبو المستمرة لإغرائه بملذات السلطة والخلود الزائف. حكى عن ذلك الصراع النفسي الضاري الذي دار في خلده وكاد يودي بعقله، وكيف كان يبكي ويصرخ بيأس ويوشك على الاستسلام، لولا أن وجوه عائلته كانت تلوح له في عتمة الهاوية فتشحذ همته ليستمر في مسيره.

واستطرد الفتى وعيناه تتسعان بذكرى الأهوال:

"كنت أرى فظائع لا يطيقها بشر يا أبي؛ رأيت العالم يحترق كالنار في الهشيم، ورأيتك ميتًا شاحبًا، ورأيت أرض مصر مدمرة مستباحة... لكني أببت الانكسار. وصلت إلى أعتاب مركب الشمس المقدس، وهناك شهدت بأم عيني الإله 'رع' والإله 'ست' يقاتلان الثعبان العظيم 'أبوفيس' في معركة كونية كبرى شقت أستار السماء؛ حيث كان رع يحرق الظلام بلهيب النور الأزل، وكان ست يمزق الأثير بصواعق الرعد. لقد مد لي ست يد العون، وقذفني بقوته في جوف الثعبان أبوفيس. كان باطنه جحيماً مستعراً يلتهم الأرواح... لكني استجمعت نوري، ووجدت قلب الاتحاد الملعون وقطعته بنصلي لتنتهي اللعنة."

كان الأمير "خع إم واست" يستمع إلى كلمات ابنه بصمت مهيب، بينما كانت دموع التأثر والشفقة تسيل ساخنة على وجنتيه. وفور أن انتهى الفتى من روايته، جذبه أبوه بقوة واحتضنه احتضاناً ملكياً دافئاً، وقال له بصوت مكسور تملؤه الهيبة:

"أنت... أنت بلا شك أعظم وأشجع ما أنجبته أرض مصر المقدسة طوال تاريخها. أنت من أنقذت روحي من بئر الضلال... وأنت من أنقذ سلالتنا وأرضنا جميعاً من الهلاك الحتمي."

 

بدأت عجلة الحياة تعود إلى طبيعتها الراسخة وثباتها المعهود بتؤدة وأمان؛ فالفرعون رمسيس الثاني بات يباشر مهام العرش تدرجاً مستعيداً هيبته، والأمير "خع إم واست" عاد ليتصدر المشهد الكاهني والسياسي بوصفه الوريث الشرعي وحامي العلوم المقدسة، والأميرة الوفية "تفنوت" أخذت تساند زوجها في إدارة شؤون كاهنات المعابد ورعاية شؤون القصر.

كانت مصر العظيمة برمتها تبرأ من جراحها وتتعافى، والعائلة الملكية تخط بيد من نور وعزم مطلع مستقبل جديد مشرق. ورغم إدراكهم اليقيني بأن الظلال لا تفنى بالكامل من هذا الوجود وتتربص دائماً بالصالحين، إلا أنهم كانوا يعلمون أن النور الحقيقي في قلوبهم بات الآن أشد ضياءً وأقوى من أن يكسره غدر الظلام.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   135

    كان الأسطول الحربي المصري العظيم يشق مياه البحر المتوسط العاتية في طريق عودته إلى ديار الكنانة، متهادياً كأسراب من طيور النصر الجارحة التي تحمل في مخالبها القوية غنائم الشمال المكسور ورايات المجد المرفوعة.في مقدمة السفينة الملكية القيادية ذات الرأس الذهبي الشامخ للصقر "حورس"، كان الملك "مرنبتاح" يقف بقامة ممشوقة لا تعرف الانحناء، يرتدي "تاج التحامس" — التاج المزدوج للوجهين البحري والقبلي — الذي كان يتلألأ تحت أشعة الشمس الساطعة، بينما كان سيفه الذهبي الطويل، الملطخ بدماء الخونة والأباطرة، معلقاً في وقار على خاصرته العسكرية.وأمام عينيه مباشرة، ومن فوق خشب المقدمة الملكية، كان المشهد الأكثر بلاغة ورعباً يلوح للعالم أجمع كعبرة تاريخية أبدية؛ حيث عُلّق أسرى الملوك الشماليين المارقين — الملك الحيثي الطاغية "أدنوك" وملوك الممالك المتحالفة معه من أمورو وميتاني وأوغاريت — مقيدين بإحكام بسلاسل ذهبية غليظة ثقيلة الوزن. كانت أجسادهم الضخمة مكشوفة للرياح البحرية الباردة، ووجوههم القاسية التي طالما ملأها الكبرياء والصلف باتت مغطاة بملامح الذل، والكسرة، والانهيار التام، وهم ينظرون إلى لجة الماء ب

  • سيد الرماد والضوء   134

    كانت تلك هي الخطوة الأخيرة في مسيرة الغضب والتأديب، لكنها لم تكن كسابقتها؛ بل كانت الأشد وطأة، والأكثر قسوة، والأنكأ جراحاً.بعد أن دك الملك الصارم "مرنبتاح" حصون أسقلان، وحطّم قلاع جازر الثرية، ومحا مدينة يانوعام من دفاتر الوجود؛ زحف الجيش المصري العظيم بأربعين ألف مقاتل نحو المرتفعات والوديان الداخلية حيث تقطن القبائل التي تُدعى "إسرائيل". كانت هذه القبائل قد نقضت كل العهود والمواثيق القديمة، وتحالفت سراً وعلناً مع فلول الحيثيين وملوك الشمال المارقين، فصارت بمثابة الخنجر المسموم الذي يتربص بظهر الدلتا والحدود الشرقية.وصل الأسطول والجيش البري كقضاء مبرم شق الضباب. لم يكن الأعداء هنا متمترسين خلف أسوار مدينة واحدة يمكن دك بواباتها، بل كانوا منتشرين في شعاب الجبال ومرتفعات الأودية، وقد استدعوا كل ما تبقى من مرتزقة الشمال وسحرة الظلام، مستعدين لخوض معركة وجودية ضد "حورس الحي".وقف مرنبتاح على عربته الحربية الشامخة، والدخان المتصاعد من المدن المحترقة يلوح خلفه كراية من رايات الآلهة. نظر إلى شقيقه الأمير "خع إم واست" وإلى الفتى المعجزة "سى اوزير" اللذين غطى الغبار عباءاتهما الكهنوتية، وق

  • سيد الرماد والضوء   133

    بعد سقوط "أسقلان" الشامخة وتحطم قلاع "جازر" الثرية، لم يمنح الملك الصارم "مرنبتاح" جيشه أية برهة للراحة؛ إذ كان يؤمن أن حديد العقاب يجب أن يضرب وهو ساخن، وأن تتابع الضربات هو ما يزرع الرعب السرمدي في قلوب الملوك المارقين. كان الهدف الثالث في خطة التطهير الملكية هي مدينة "يانوعام"؛ تلك الحاضرة القابعة في أحضان الأودية الشمالية، والتي كانت تمثل مركزاً سرياً لإمداد فيالق الحيثيين بالمعلومات وجواسيس الظلام.كانت أنباء الجحيم الذي حل بأسقلان وجازر قد سبقت فيالق الجيش المصري إلى يانوعام، وطار ذعر لا قبل لهم به إلى قلوب سكانها وحاكمها. وعندما تراءت لهم أشرعة الأسطول المصري السوداء تقترب عبر الساحل، ويتقدمها المشهد المرعب لجسد الملك الحيثي "أدنوك" المعلق الذي تضربه الرياح، انهارت عزيمتهم قبل أن تبدأ الحرب، وعرِفوا أن آلهة الظلام قد تخلت عنهم تماماً.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف يانوعام كقضاء مبرم لا راد له. وقف مرنبتاح في طليعة فيالقه، وحوله أربعون ألف مقاتل يملأون الآفاق بزئيرهم، بينما كانت أسوار يانوعام تبدو واهنة، وجنودها يقفون فوق الأبراج بأيدي مرتجفة وركب تتصادم من فرط الهلع.لم تدم

  • سيد الرماد والضوء   132

    لم تكد غبار معركة أسقلان تخمد، ولم تكد دماء الخونة تجف على رمال الساحل، حتى أصدر الملك الحازم "مرنبتاح" أمره العسكري الصارم بالتحرك الفوري وبدون راحة. كان الهدف التالي في قائمة العقاب الملكي هو مدينة "جازر"؛ تلك المدينة الحصينة الشاهقة التي كانت تتربع كملكة متوجة فوق التلال، وتشتهر بثرواتها الأسطورية، ومخازن ذهبها التي تسلب عقول الملوك، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يربط طرق التجارة الحيوية.كان حاكم جازر قد بلغه نبأ سقوط أسقلان المروع، ورأى بأم عينيه عبر جواسيسه جسد الملك الحيثي "أدنوك" معلقاً كخرقة بالية على مقدمة السفينة المصرية القيادية. تملك الرعب قلبه، وعرف أن أسواره الحجرية وحدها لن تحميه من غضب "حورس الحي"، فاستنزف كل خزائن ذهبه واستدعى على عجل فيالق ضخمة من المرتزقة الأشداء من غابات وجبال الشمال الباردة، رجالاً لا يعرفون الرحمة ويقاتلون من أجل المال، وحصن مدينته بكل ما أوتيت الممالك من دهاء وعتاد.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف جازر كأنه إعصار مدمّر. وقف مرنبتاح على عربته الحربية، وخلفه أربعون ألف مقاتل يهتفون باسم مصر، بينما كان حاكم جازر ينظر من فوق أسواره العالية، مح

  • سيد الرماد والضوء   131

    كانت "أسقلان"، المدينة الساحلية الحصينة والملقبة بـ "عروس البحر الشمالي"، هي الهدف الأول على قائمة الغضب الملكي المصري. كانت هذه المدينة تمثل مركز الثقل التجاري والعسكري لملوك التحالف المارقين، وبوابتهم الرئيسة التي تطل منها أطماعهم على حدود الدلتا.بعد أيام قليلة من المعركة الكبرى ومحو الكيان الشرري "بعل" تحت أقدام الإله "ست"، وصل الأسطول الحربي المصري العظيم بقيادة الملك "مرنبتاح" إلى شواطئ أسقلان. كانت السفن تمخر العباب كالتنانين السوداء، يتقدمها المشهد المرعب للملك الحيثي الأسير "أدنوك" المعلق على مقدمة السفينة القيادية، وهو المشهد الذي طار به الذعر إلى قلوب سكان المدينة قبل أن يرسو الأسطول.كانت أسقلان محصنة بأسوار حجرية شاهقة وعريضة، صُممت لتتحمل حصار السنين. وكان أميرها الطاغية قد حصنها بكل ما أوتي من قوة وعتاد، وجمع داخلها بقايا الفارين من فيالق الشمال، متوقعاً ومتحسباً لانتقام مصر الحتمي الذي لا يرحم.وقف الملك مرنبتاح في طليعة جيشه البري أمام البوابات الحديدية الضخمة للمدينة، وحوله ثلاثون ألف مقاتل يملأون الأفق برماحهم ودروعهم، وأرسل رسولاً ملكياً يحمل إنذاراً نهائياً وقاطعا

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status