Masukفي صباح اليوم التالي، استيقظت سيليا متأخرة قليلاً.نظرت إلى الساعة: الثامنة والنصف. مارسيل سيأتي في التاسعة.نهضت بسرعة، ارتدت ملابسها، ونزلت.وجدت جونيور في غرفة الطعام، يتناول قهوته كالعادة، يقرأ شيئاً في حاسوبه. بدلته مرتبة، وجهه هادئ، كأن شيئاً لم يحدث الليلة الماضية.ترددت عند الباب."صباح الخير."رفع عينيه. "صباح الخير. نمتِ جيداً؟"كانت نبرته عادية تماماً، عملية، جادة. لا أثر للرجل الذي عزف معها حتى الواحدة ليلاً.فهمت الرسالة فوراً. ما حدث في غرفة البيانو، يبقى في غرفة البيانو.أومأت بخفة. "نعم، شكراً. وأنت؟""جيد."جلست أمامه. لم تذكر البيانو. لم تذكر بيتهوفن. لم تذكر كيف كانت يده ثابتة بجانب يدها.لكنها لم تستطع منع نفسها من النظر للحظة إلى يديه وهو يمسك فنجان القهوة. نفس اليدين اللتين عزفتا بذلك الجمال.قال دون أن ينظر إليها: "مارسيل سيأتي بعد قليل. كوني مستعدة.""حاضر."في التاسعة تماماً، وصل مارسيل. كالعادة، دخل كالعاصفة."هيا! تمرين الأمس! مئة مرة!"بدأت سيليا. لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف.أمس، كانت ترتجف لأنها خائفة. اليوم، كانت تتذكر إحساساً آخر. إحساس يد ثابتة ب
كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.استيقظت سيليا على صوت.لم يكن صوت مطر، ولا صوت خطوات ماريا. كان صوتاً تعرفه جيداً، لكنها لم تتوقع أن تسمعه في هذا الوقت من هذا المنزل.بيانو.نغمات بيانو هادئة، بطيئة، تأتي من الطابق السفلي.جلست في سريرها بسرعة وقلبها يدق. من يعزف؟ ماريا لا تعرف العزف، والمنزل لا يدخله أحد في هذا الوقت.ارتدت روبها بسرعة ونزلت الدرج حافية كالعادة، على أطراف أصابعها.كلما اقتربت من غرفة البيانو، اتضح اللحن أكثر. كان لحناً حزيناً، قديماً، كلاسيكياً. مقطوعة لـ بيتهوفن، Moonlight Sonata، الحركة الأولى. لكنها لم تكن تعزف بطريقة محترف عادي، كانت تعزف بطريقة شخص يعرف كل نغمة ويحمل ثقلها.فتحت الباب بهدوء.وتجمدت.كان جونيور.يجلس أمام البيانو، وقد خلع سترة بدلته وربطة عنقه، وأكمام قميصه الأبيض مرفوعة قليلاً. ظهره مستقيم، ويداه على المفاتيح. لم يكن يعزف كشخص يجرب، كان يعزف كعازف حقيقي. أصابعه طويلة، قوية، تتحرك بثقة ودقة مخيفة على المفاتيح السوداء والبيضاء.لم ينتبه لوجودها. كان مغمض العينين، رأسه مائل قليلاً، كأنه ليس هنا، بل في مكان آخر بعيد.بقيت واقفة عند الباب لا تتح
في المستشفى، كانت الرائحة نفسها دائماً، رائحة أدوية وهدوء ثقيل.دخلت إلى غرفة والدتها. كانت والدتها مستلقية على السرير، وجهها شاحب لكن عينيها مفتوحتان. عندما رأت سيليا، ابتسمت ابتسامة متعبة."سيليا، حبيبتي."اقتربت سيليا وقبلت يدها. "كيف حالكِ اليوم يا أمي؟""أفضل، أفضل كثيراً عندما أراكِ."جلست بجانبها. تحدثتا قليلاً عن الطقس، عن المستشفى، عن البيانو. حاولت سيليا أن تبدو طبيعية.لكن والدتها كانت تدقق النظر. نظرت إلى يدها."ما هذا؟"أشارت إلى الضمادة الصغيرة على معصم سيليا.ارتبكت سيليا وسحبت يدها لا إرادياً. "لا شيء، شيء بسيط.""كيف حدث؟""سقطت... سقطت وأنا أمشي، جرح صغير فقط."كذبت. لم تكن تريد أن تقول إنها جرحت بسبب كثرة التدريب، لأن والدتها ستقلق وستقول لها توقفي عن إجهاد نفسكِ، وستبدأ بالبكاء.نظرت إليها والدتها طويلاً. لم تصدقها، لكنها لم تضغط عليها."يجب أن تنتبهي لنفسكِ، سيليا. يداكِ مهمتان.""أعرف، يا أمي.""هل تبلين جيدا في العزف؟" "انا أتدرب للمسابقة.."ابتسمت والدتها، لكن ابتسامتها كانت قلقة. "أنتِ تتحملين الكثير، ابنتي."لم تجب سيليا. خفضت رأسها.بقيت معها ساعة، ثم قبلت
رن جرس المنزل، ودقّتين قويتين على الباب كأنهما أمر عسكري.فتحت ماريا بسرعة. "سيد مارسيل، تفضل."دخل مارسيل دوبوا بنفس المعطف الطويل ونفس الحقيبة الجلدية القديمة، لكن هذه المرة كان يحمل معه حامل نوتات خشبي.نظر حوله. "أين هو؟""من؟" قالت ماريا بارتباك."الرئيس. جونيور.""سافر إلى العاصمة، سيعود بعد غد."هز مارسيل رأسه بارتياح غريب. "ممتاز. أخيراً سأستطيع العمل دون أن يراقبني أحد كالصقر."كانت سيليا قد نزلت الدرج مسرعة. هذه المرة ارتدت فستاناً بسيطاً، وانتعلت حذاءً، وربطت شعرها بقوة. كانت تريد أن تبدو جادة."صباح الخير، سيد مارسيل."نظر إليها من فوق نظارته. "تأخرتِ دقيقة. أمس قلت لكِ التاسعة تعني التاسعة.""أنا آسفة، كنت..."رفع يده. "لا تعتذري. اجلسي. لنبدأ. اليوم لن نعزف لحنكِ الحزين. اليوم عذاب."دخلت غرفة البيانو وجلست. فتح مارسيل حامل النوتات ووضع أمامها ورقة بيضاء عليها خمسة أسطر فقط."ما هذا؟" سألت."تمرين هانون. أكرهه. كل طلابي يكرهونه. لكنه سيقوي أصابعكِ الضعيفة. ستعزفينه بأبطأ سرعة ممكنة، ثم أسرع، ثم أسرع. مئة مرة لكل يد."شحب وجهها. "مئة؟""كنت سأقول مئتين، لكن جونيور دفع كثي
ااستيقظ جونيور قبل المنبه.الساعة الخامسة والنصف صباحاً. الغرفة مظلمة وصوت المطر الخفيف يطرق النافذة. لم ينم جيداً، ليس بسبب الملفات، بل بسبب اجتماع مجلس الإدارة الطارئ في العاصمة.نهض، اغتسل بماء بارد، وارتدى بدلة عمل داكنة، قميص أبيض وربطة عنق. اليوم يجب أن يبدو كـ "سيدي الرئيس" تماماً، فالاجتماع مع المستثمرين الجدد سيحدد مصير صفقة كبيرة للشركة.وضع حاسوبه المحمول وبعض الأوراق المهمة داخل حقيبة اليد الجلدية، أغلقها، ونظر إلى نفسه في المرآة. وجهه متعب قليلاً، لكنه جاهز.حمل الحقيبة وخرج بهدوء حتى لا يوقظ أحداً.وما إن خطا خطوتين في الممر حتى انفتح الباب المقابل.خرجت سيليا.كانت لا تزال بملامح النوم، شعرها نصف مسرح ونصفه منسدل على كتفها، ترتدي بيجاما حريرية فاتحة بلون السماء وفوقها روب خفيف، وحافية القدمين كعادتها في الصباح. تحمل كوب ماء فارغاً.تجمد الاثنان.نزلت عيناها فوراً إلى حقيبة العمل في يده وبدلته الرسمية."هل... ستذهب الآن؟"صوتها مبحوح من النوم.أومأ. "نعم. سيارتي بعد عشر دقائق. عندي اجتماع مبكر جداً في العاصمة، لم أرد إيقاظكِ."خفضت عينيها. "بهذه السرعة؟ ظننت أنك ستذهب ب
عاد جونيور إلى المنزل في الثامنة مساءً.لم يكن ينوي العودة مبكراً، كان لديه عشاء عمل، لكنه ألغاه في اللحظة الأخيرة. قال لسكرتيره: "أجّله"، دون أن يعطي سبباً.عندما فتح الباب، لم يجد ماريا في الاستقبال كالعادة. المنزل كان هادئاً، لكن من غرفة البيانو في آخر الرواق كان هناك صوت.نغمات متقطعة، عنيدة، تتكرر نفس الجملة الموسيقية مرة بعد مرة. تمارين مارسيل المملة.ابتسم دون أن يشعر. خلع سترته ووضعها على الأريكة وسار بهدوء نحو الغرفة. لم يطرق، وقف عند الباب الموارب ينظر.كانت سيليا جالسة وظهرها مستقيم بشكل مبالغ فيه، كما علمها مارسيل. شعرها مرفوع بعشوائية، وبعض الخصلات سقطت على رقبتها من التعب. كانت تلبس نفس القميص الأبيض الصباحي، لكنها الآن حافية القدمين، وحذاؤها مرمي تحت البيانو.كانت تعزف التمرين الخامس للمرة العشرين، وعندما أخطأت في نفس النغمة، ضربت بقبضتها الصغيرة بخفة على جانب البيانو."تعبت... يدي تؤلمني قليلا " تمتمت لنفسها.هنا قرر جونيور الدخول.فتح الباب.انتفضت سيليا والتفتت بسرعة. "جونيور! لم أسمعك... متى عدت؟""منذ قليل." اتكأ على إطار الباب. "سمعت أن أحدهم يعذب البيانو."احمر و







