ميكانيكي الصعيد الجامح

ميكانيكي الصعيد الجامح

last updateLast Updated : 2026-08-22
By:  هشام عارفUpdated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
Not enough ratings
20Chapters
211views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كان اسم مراد الهواري معروفًا في قريته أكثر مما كان يتمنى. لم يكن ابن عائلة ثرية، ولا صاحب منصب، ولا شيخًا من شيوخ البلدة. كان مجرد شاب في أواخر العشرينات، ورث عن أبيه حب السيارات ومهارة التعامل مع المحركات، حتى أصبحت يداه تعرفان أسرار الحديد أكثر مما تعرفان أسرار الناس. كان طويل القامة، عريض الكتفين، أسمر البشرة بفعل سنوات العمل تحت شمس الصعيد، وله عينان حادتان تمنحانه مزيجًا غريبًا من الهدوء والجرأة. في الصباح الباكر، كان يقف أمام الورشة الصغيرة التي يعمل بها مع أخيه الأكبر حسام. ورشة متواضعة في طرف القرية، سقفها من الصاج، وأرضها مغطاة بطبقات قديمة من الزيت، وعلى جدرانها صور لسيارات ومحركات وأدوات معلقة بعناية. يقرر السفر الي القاهرة للهرب من زوجة اخيه ولكنة يكتشف انه هرب من نار الي الجحيم

View More

Chapter 1

1

**الفصل الأول: الرحيل من الصعيد**

في قرية نائية من قرى الصعيد الأعلى، حيث يتعانق النيل مع الأرض الطينية الخصبة، وحيث تشرق الشمس كل صباح على حقول القصب التي تمتد كبحر أخضر لا نهاية له، عاش مراد الهواري. كان شاباً في السادسة والعشرين من عمره، طويل القامة حتى كاد رأسه يلامس عتبات الأبواب المنخفضة في البيوت الطينية، بشرة قمحاوية ناعمة اكتسبت لونها الذهبي من شمس الصعيد الحارقة طوال السنين، وعينان سوداوان هادئتان تخفيان خلفهما صبراً عميقاً وإرادة لا تنكسر. جسده ممشوق قوي، عضلاته مشدودة من سنوات العمل الشاق في الورشة وفي الحقول، ويداه كبيرتان خشنتان لكنهما ماهرتان تعرفان سر كل مسمار وكل ترس.

كان بيت آل الهواري بيتاً طينياً واسعاً نسبياً مقارنة ببيوت القرية، يقع في طرف الحارة، محاطاً بفناء صغير فيه شجرة نبق قديمة وبئر ماء. يعيش فيه الأب الحاج عبد الله الهواري، رجل في الستين من عمره، ظهره منحني قليلاً من سنين الفلاحة، لكنه لا يزال يحتفظ بهيبته وصوته الجهوري. والأم الحاجة فاطمة، امرأة صبورة في أواخر الخمسينيات، تقضي يومها بين المطبخ والفرن البلدي، وتدعو لابنها مراد في كل صلاة. أما الأخ الأكبر محمود، فكان في الثانية والثلاثين، متزوجاً منذ خمس سنوات من امرأة تدعى سعاد، وأنجبا طفلين صغيرين. كانوا جميعاً يعيشون تحت سقف واحد، يتشاركون الطعام والضيق والفرح القليل.

مراد كان يعمل منذ صباه في ورشة الميكانيكا الوحيدة في القرية، ورشة عم سيد العجوز. الورشة عبارة عن سقيفة من الصفيح والطوب اللبن، مليئة برائحة الزيت المحروق والحديد الصدئ، وفيها تراكتورات قديمة وسيارات نصف نقل معطلة ودراجات نارية متهالكة. منذ أن كان مراد في الثانية عشرة، كان يأتي بعد المدرسة ليساعد عم سيد في فك المحركات وتنظيف القطع. تعلم كيف يغير الزيت، كيف يصلح مضخة الوقود، كيف يضبط الإشعال، وكيف يعيد الحياة إلى محرك كان الجميع يظنه ميتاً. كان عم سيد يقول له دائماً وهو يمسح يديه بقطعة قماش متسخة: «إنت يا مراد عندك موهبة. العربيات بتتكلم معاك زي ما الطين بيتكلم مع الفلاح».

مع مرور السنوات أصبح مراد العمود الفقري للورشة. يأتي في الصباح الباكر قبل أذان الفجر، يفتح الباب الحديدي الصدئ، ويبدأ يومه بترتيب العدد. يصلح ما يستطيع، ويشرح للزبائن بلغة بسيطة ما حدث لمحركاتهم. كان أهل القرية يثقون به ثقة عمياء. يقول أحدهم: «لو مراد لمس الموتور، يبقى هيرجع يشتغل ولو كان ميت». وفي المساء يعود إلى البيت متعباً، يديه سوداوين من الزيت، لكنه راضٍ. يجلس مع أبيه تحت شجرة النبق، يشرب الشاي الثقيل، ويستمع إلى حكايات القرية القديمة.

لكن داخل البيت كانت هناك مشكلة صامتة تأكل الأسرة من الداخل. الأخ الأكبر محمود كان يعاني من مشكلة جنسية مزمنة. منذ زواجه لم يستطع أن يكون رجلاً كاملاً مع زوجته سعاد. كانت الليالي تمر ثقيلة، وهو يفشل مرة بعد مرة، حتى أصبح يتجنب غرفة النوم، وينام في السطح أو في غرفة الضيوف بحجة التعب. سعاد، التي كانت في التاسعة والعشرين، امرأة ممتلئة الجسد، ذات بشرة بيضاء نسبياً مقارنة بنساء القرية، وشعر أسود طويل، عاشت سنوات من الحرمان. في البداية صبرت، ثم بدأت تشكو لأهلها، ثم أصبحت النظرات التي ترميها نحو مراد مختلفة.

مراد كان يلاحظ ذلك منذ أشهر. في البداية ظن أنه يتخيل. كانت سعاد تمر به وهو يغسل يديه في الحوض الخارجي، فتتوقف ثوانٍ أطول من اللازم، وتنظر إلى ذراعيه المفتولتين أو إلى صدره العريض الظاهر من فتحة القميص. أحياناً تأتي إليه في الورشة بحجة أن محمود أرسلها لتطلب منه شيئاً، فتقف قريبة منه أكثر مما ينبغي، ورائحة عطرها الرخيص تملأ المكان. مرة قالت له بصوت منخفض وهي تناوله كوب الشاي: «إنت مختلف عن أخوك يا مراد... ربنا خلقك راجل». ابتلع مراد ريقه ولم يرد، وانصرف إلى داخل الورشة بسرعة.

تكررت المواقف. في إحدى الليالي الحارة، بينما كان الجميع نياماً، استيقظ مراد ليشرب ماء، فوجد سعاد واقفة في الممر مرتدية ثوباً رقيقاً يكشف عن تفاصيل جسدها. نظرت إليه طويلاً وقالت: «محمود نايم بره... وأنا مش قادرة أنام». ابتعد مراد خطوة وقال بهدوء لكن بحزم: «عودي يا سعاد. ده حرام، وده بيت أهلي». عادت إلى غرفتها صامتة، لكن النظرة في عينيها لم تختفِ. في اليوم التالي حاولت لمس يده وهو يمر بجانبها في المطبخ، فسحب يده بسرعة وخرج من البيت.

كان مراد يعاني في صمت. يحترم أخاه رغم ضعفه، ويحب أباه وأمه، ولا يريد أن يدمر الأسرة. لكنه كان يشعر أن الجدران تضيق عليه. في الليل يسمع صوت سعاد وهي تتنهد في الغرفة المجاورة، أو يسمع خطواتها الخفيفة تقترب من باب غرفته ثم تعود. مرة وجدها قد وضعت له قميصاً نظيفاً على فراشه مع ورقة صغيرة مكتوب عليها كلمة واحدة: «احتجتك». مزق الورقة وأحرقها في الفرن، وقرر أن الأمر تجاوز الحد.

جلس ذات مساء مع أبيه تحت الشجرة. قال له بصوت خافت بعد أن تأكد أن لا أحد يسمع: «يا أبوي، أنا مش قادر أفضل هنا. الدنيا ضاقت عليّ». نظر إليه الحاج عبد الله طويلاً، وكأنه يقرأ ما في قلبه دون أن يُقال. سكت الأب قليلاً ثم قال: «أنا عارف يا بني. سعاد مش مرتاحة، ومحمود حالته معروفة. لو فضلت هنا هتحصل مصيبة. روح القاهرة، اشتغل هناك، وابني نفسك. الصعيد بيرجع لأولاده لما يكبروا». بكت الأم عندما سمعت الخبر، لكنها في النهاية باركته وقالت: «ربنا يصلح حالك يا مراد، ومتنساش تصلي».

في الليلة الأخيرة قبل الرحيل، جلس مراد في غرفته الصغيرة يجمع ملابسه القليلة في حقيبة جلدية قديمة. كان يسمع صوت محمود وهو يشخر في السطح، وصوت سعاد وهي تتمشى في الفناء كأنها تنتظر فرصة أخيرة. لم يخرج إليها. أغلق الباب بالمفتاح، ونام نوماً متقطعاً. في الصباح الباكر، قبل أن يستيقظ أحد، ودّع أباه وأمه في صمت، وحمل حقيبته، ومشى نحو محطة القطار في البلدة المجاورة.

كانت الرحلة طويلة ومتعبة. ركب مراد القطار من محطة الصعيد في ساعة الفجر. جلس على المقعد الخشبي بجوار نافذة مفتوحة، ينظر إلى الحقول وهي تمر بسرعة، والنخيل يبتعد تدريجياً. تذكر وجه أمه وهي تمسح دموعها، ووجه أبيه وهو يضع يده على كتفه ويقول: «إنت راجل يا مراد». ثم تذكر نظرة سعاد الأخيرة عندما رأته يحمل الحقيبة، نظرة مختلطة بين الغضب والحاجة. هز رأسه وطرد الفكرة. القطار كان يهتز ويزأر، والركاب من حوله نيام أو يتهامسون. أحس مراد للمرة الأولى منذ سنوات أنه يتنفس بحرية، رغم الخوف من المجهول.

وصل إلى محطة مصر في القاهرة بعد ساعات طويلة. نزل من القطار وحقيبته على كتفه، ووجد نفسه وسط عالم لم يتخيله. الزحام جنوني، السيارات تمشي كأنها في سباق، الناس يركضون في كل اتجاه، والروائح تختلط: عادم، وطعام، وعرق، وعطور. سأل شرطياً عن أقرب مكان رخيص للمبيت، فأشار له إلى حي شعبي بعيد. استقل ميكروباصاً مزدحماً، ووصل بعد ساعة إلى غرفة صغيرة فوق سطح، إيجارها باليوم، فيها فراش رقيق وشباك يطل على سطح آخر.

في الأيام الأولى كان مراد يتجول باحثاً عن عمل. يدخل الورش في الأحياء الشعبية، يعرض خبرته، لكن معظمها كانت ترفض أو تعرض أجوراً زهيدة. كان يعود في المساء متعباً، يأكل طعمية وفلافل، وينام. لكنه لم يستسلم. تذكر كلام أبيه: «ابني نفسك». بعد أسبوعين سمع من رجل في مقهى شعبي عن ورشة كبيرة في حي راقٍ جداً من أحياء القاهرة، تتعامل حصرياً مع السيارات الفخمة: مرسيدس، بي إم دبليو، رنج روفر، وأحياناً سيارات أندر. قال الرجل: «الورشة دي بتدور على حد شاطر وهادي، لأن الزباين ناس مستواهم عالي».

قرر مراد أن يجرب. ارتدى أنظف ما عنده، ومشى مسافة طويلة حتى وصل إلى الحي الراقي. الشوارع واسعة ونظيفة، السيارات لامعة كالمرايا، والبيوت خلف أسوار عالية وأشجار كثيفة. أحس أنه دخل عالماً آخر تماماً عن عالم الصعيد. وقف أمام باب الورشة الكبيرة التي تحمل لافتة أنيقة، ودخل بخطوات ثابتة. طلب مقابلة المدير. كان المدير رجلاً في الخمسينيات، أنيقاً، ينظر إليه بتمعن. سأله عن خبرته، فأجاب مراد بلهجته الصعيدية الواضحة: «بصلح عربيات من وأنا عندي اتناشر سنة. في الصعيد أصلحت تراكتورات وسيارات نص نقل ومحركات ديزل. جربني».

أخذه المدير إلى سيارة مرسيدس حديثة كانت تعاني من عطل غامض في نظام الحقن. جلس مراد تحتها، وفكك بهدوء وثقة، واكتشف المشكلة في أقل من ساعة، وأصلحها بدقة. عندما أدار المدير المحرك، عمل بسلاسة تامة كأن شيئاً لم يكن. ابتسم المدير ومد يده وقال: «هتبدأ بكره. الراتب كويس، والزي رسمي، ولازم تكون محترم ودقيق مع الزباين. إحنا بنتعامل مع ناس كبار».

بدأ مراد عمله في اليوم التالي. كان يستيقظ قبل الفجر من غرفته الشعبية، يركب المواصلات المتغيرة حتى يصل إلى الحي الراقي قبل فتح الورشة. يرتدي القميص الأزرق عليه شعار الورشة، والبنطلون الأسود، ويبدأ يومه. يتعامل مع السيارات الفخمة كأنها كنوز نادرة. يمسحها قبل العمل، يغير الزيوت الأصلية، يفحص الفرامل الإلكترونية، ويصلح الأعطال المعقدة التي كانت تحير بعض الفنيين الآخرين. كان زملاؤه ينظرون إليه في البداية بشيء من الشك بسبب لهجته وشكله الريفي، لكن سرعان ما تحول الشك إلى احترام. يقول أحدهم: «الصعيدي ده إيده من ذهب، والموتور بيرجع يشتغل كأن ربنا خلقه من جديد».

في الأشهر الأولى ركز مراد كل طاقته على العمل. يعود في المساء إلى غرفته، يغسل الزيت عن يديه جيداً، يأكل، ويتصل بأهله كل أسبوع. يسمع صوت أمه وهي تبكي من الفرح، وصوت أبيه وهو يسأله عن صحته. عن محمود وسعاد لم يسأل كثيراً، ولم يذكر أحد شيئاً. كان يدخر كل ما يستطيع، ويرسل جزءاً إلى البيت. حياته أصبحت روتيناً صارماً: عمل، ادخار، نوم، ثم عمل من جديد. لم يكن يبحث عن صداقات أو علاقات. كان يعرف أنه جاء ليبني نفسه، لا ليتورط في شيء آخر.

مع الوقت بدأ المدير يثق به في المهام الخارجية. يرسله إلى الفلل الفخمة في الحي الراقي لإصلاح سيارات تعطل في بيوت أصحابها. يدخل مراد المرآب الواسع، يصلح العطل، ويتحدث مع البواب أو السائق بأدب، ثم يغادر. أحياناً تخرج صاحبة المنزل أو صاحبها لتسأله عن السيارة، فيرد باختصار واحترام، دون أن يطيل النظر أو الكلام. كان يحافظ على مسافة واضحة. في داخله كان لا يزال يحمل آثار ما حدث في بيت أهله، وكان يرفض أن يكرر أي شيء يشبه ذلك.

ذات يوم أُرسل إلى فيلا كبيرة لإصلاح رنج روفر أحدث موديل. عمل تحتها ساعتين كاملتين، بينما كانت أصوات الطيور تأتي من الحديقة المحيطة. انتهت المهمة بنجاح، وغادر دون أن يحدث شيء يستحق الذكر. عاد إلى الورشة وكتب تقريره بدقة. في المساء جلس في غرفته يتذكر قريته، والنيل، وشجرة النبق، ووجه أبيه. ابتسم في الظلام وقال لنفسه: «أنا هنا دلوقتي. بشتغل في عربيات الناس الكبار. ده اللي كنت نفسي فيه». ثم نام جاهزاً ليوم جديد.

مرت الشهور ببطء لكن بثبات. أصبح مراد معروفاً في الورشة بمهارته وهدوئه والتزامه. لم يعد أحد يسخر من لهجته. كان المدير يفضله في السيارات الأغلى والأكثر تعقيداً. كان يدخل الفلل، يصلح، ويخرج. حياته لا تزال بسيطة ومنضبطة. الغرفة الشعبية، المواصلات اليومية، والعمل المتواصل. لكنه كان يشعر أن الأرض تحت قدميه أصبحت أصلب. لم يعد الشاب الذي هرب من مطاردة صامتة في بيت أهله. أصبح الميكانيكي الذي تعتمد عليه الورشة في الحي الراقي.

في أحد المساءات، بعد يوم طويل أمضاه في إصلاح نظام تعليق معقد في سيارة بي إم دبليو، جلس مراد على سطح البناية التي يسكن فيها، ينظر إلى أضواء القاهرة الممتدة. تذكر الليلة التي قرر فيها الرحيل، ونظرة سعاد، وصوت أبيه. هز رأسه وطرد الذكريات. قال لنفسه بصوت خافت: «اللي فات مات. أنا هنا عشان أشتغل وأبني نفسي، مش عشان أي حاجة تانية». ثم نزل إلى غرفته ونام نوماً عميقاً هذه المرة.

وهكذا استمرت حياة مراد الهواري في مرحلتها الأولى بالقاهرة. يعمل في ورشة السيارات الفخمة في الحي الراقي، يصلح المحركات اللامعة، ويحافظ على حدوده بكل صرامة. لم تكن هناك علاقات، ولا لقاءات شخصية تتجاوز إطار العمل. كانت كل أيامه تدور حول الزيت والمفاتيح والكتالوجات الأجنبية التي بدأ يتعلم منها أكثر فأكثر. كان لا يزال ابن الصعيد الذي جاء حاملاً حقيبته الصغيرة ومهارته الكبيرة، وترك خلفه بيتاً مليئاً بالتوتر الصامت. وفي هذه المرحلة، كان كل ما يريده هو أن يثبت لنفسه ولأهله أنه قادر على النجاح بعيداً عن كل ما كان يطارده.

مع انتهاء عامه الأول تقريباً في المدينة، كان مراد قد ادخر مبلغاً لا بأس به، وأصبح اسماً موثوقاً في الورشة. كان المدير يكلمه أحياناً عن إمكانية ترقيته أو إعطائه عمولات إضافية على المهام الخارجية. كان يرد دائماً بالشكر والعمل الأكثر. في داخله كان يعرف أن هذا ليس سوى البداية. الطرق في القاهرة كثيرة، والسيارات الفخمة كثيرة، والفلل الراقية أكثر. لكنه كان يمشي بخطوات محسوبة، كمن يصلح محركاً حساساً: ببطء، وبدقة، ودون استعجال.

في نهاية ذلك الفصل من حياته، وقف مراد ذات فجر أمام باب الورشة قبل أن يفتح، يتنفس الهواء النقي نسبياً في الحي الراقي، ويتذكر رائحة الطمي في قريته. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال في سره: «يا رب، أقدرني على اللي جاي». ثم دخل ليبدأ يوماً جديداً من العمل، وسط السيارات الفخمة التي تنتظر يديه الماهرتين، بعيداً عن كل ما تركه خلفه في الصعيد، ومستعداً لما قد تحمله الأيام القادمة من مفاجآت لم يكن يتوقعها بعد.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
20 Chapters
1
**الفصل الأول: الرحيل من الصعيد**في قرية نائية من قرى الصعيد الأعلى، حيث يتعانق النيل مع الأرض الطينية الخصبة، وحيث تشرق الشمس كل صباح على حقول القصب التي تمتد كبحر أخضر لا نهاية له، عاش مراد الهواري. كان شاباً في السادسة والعشرين من عمره، طويل القامة حتى كاد رأسه يلامس عتبات الأبواب المنخفضة في البيوت الطينية، بشرة قمحاوية ناعمة اكتسبت لونها الذهبي من شمس الصعيد الحارقة طوال السنين، وعينان سوداوان هادئتان تخفيان خلفهما صبراً عميقاً وإرادة لا تنكسر. جسده ممشوق قوي، عضلاته مشدودة من سنوات العمل الشاق في الورشة وفي الحقول، ويداه كبيرتان خشنتان لكنهما ماهرتان تعرفان سر كل مسمار وكل ترس.كان بيت آل الهواري بيتاً طينياً واسعاً نسبياً مقارنة ببيوت القرية، يقع في طرف الحارة، محاطاً بفناء صغير فيه شجرة نبق قديمة وبئر ماء. يعيش فيه الأب الحاج عبد الله الهواري، رجل في الستين من عمره، ظهره منحني قليلاً من سنين الفلاحة، لكنه لا يزال يحتفظ بهيبته وصوته الجهوري. والأم الحاجة فاطمة، امرأة صبورة في أواخر الخمسينيات، تقضي يومها بين المطبخ والفرن البلدي، وتدعو لابنها مراد في كل صلاة. أما الأخ الأكبر م
last updateLast Updated : 2026-08-19
Read more
2
**الفصل الثاني: الورشة في الحي الراقي**استقر مراد الهواري في حياته الجديدة ببطء لكن بثبات، كمن يضبط محركاً حساساً يحتاج إلى صبر ودقة. الغرفة الصغيرة فوق السطح في الحي الشعبي أصبحت مكانه الوحيد للراحة، أما الورشة في الحي الراقي فكانت عالمه الحقيقي. كل صباح قبل أذان الفجر كان يستيقظ، يغتسل بالماء البارد، يرتدي القميص الأزرق الرسمي والبنطلون الأسود، ويخرج إلى الشارع الضيق المليء ببقايا الليل. يركب الميكروباص الأول ثم الثاني ثم الثالث، حتى يصل بعد ساعة ونصف إلى بوابة الورشة الكبيرة التي تفتح أبوابها مع شروق الشمس.الورشة كانت مكاناً واسعاً نظيفاً بشكل يفوق أي ورشة رآها في الصعيد. الأرضية إسمنتية لامعة، والعدد مرتبة في خزائن معدنية، والسيارات الفخمة تصطف في صفوف كأنها في معرض. مرسيدس سوداء، بي إم دبليو بيضاء، رنج روفر رمادية، وأحياناً سيارة أندر تأتي للصيانة الدورية. المدير، الحاج حسين، رجل في أواخر الخمسينيات، أنيق المظهر حتى في ملابس العمل، كان يثق بمراد أكثر مع مرور الأيام. يقول له وهو يسلم له مفاتيح سيارة جديدة: «إنت يا مراد بقيت عمود من عمدان الورشة. الزباين بدأوا يطلبوك بالاسم».كان
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
3
**الفصل الثالث: الفيلا والتهديد**في صباح يوم خميس من أيام الصيف القائظ، استدعى المدير مراد الهواري إلى مكتبه الصغير في آخر الورشة. كان الحاج حسين يمسك بسماعة الهاتف ويكتب عنواناً على ورقة، ثم رفع رأسه وقال: «مراد، في فيلا في شارع النخيل، الرولز رويس بتاعة الست نادية عطلت تاني. هي طلبتك بالاسم. خذ العدد اللي محتاجها وروحتلها دلوقتي». أخذ مراد الورقة، وضعها في جيب قميصه الأزرق، وحمل حقيبة الأدوات الجلدية الثقيلة، وخرج إلى الموتوسيكل المخصص للمهام الخارجية.الحي الراقي كان هادئاً في ذلك الصباح. الأشجار تظلل الشوارع، والسيارات الفاخرة مركونة أمام البوابات العالية. وصل مراد إلى الفيلا بعد عشرين دقيقة. السور الحجري مرتفع، والبوابة حديدية مزخرفة. ضغط على الجرس، ففتح البواب الشاب وقال بعد أن تحقق من اسمه: «اتفضل يا أستاذ، الست مستنياك في المرآب». سار مراد في الممر المرصوف بالحجر بين النجيل الأخضر وأحواض الزهور، حتى وصل إلى المرآب الواسع الذي كانت الرولز رويس السوداء تقف في وسطه كأنها تمثال أسود لامع.فتح غطاء المحرك وبدأ الفحص بهدوءه المعتاد. العطل كان في نظام التبريد هذه المرة، تسريب بسيط ف
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
4
**الفصل الرابع: الصديقة والجولة الكاملة**بعد أسابيع من الجولات المتكررة في فيلا نادية، أصبح مراد الهواري يذهب إلى هناك كجزء شبه روتيني من عمله. الرولز رويس تتعطل أو تحتاج صيانة في توقيتات غريبة، والمدير يرسله دون أن يشك في شيء، ونادية تنتظره في الصالة أو غرفة النوم. كانت الجولات تمضي على الوتيرة نفسها: خنجره الطويل ذو العروق البارزة يدخل شقها إلى المنتصف تقريباً أو أقل قليلاً، وزهرتيها تُعصران وتُمصان، وقطعتا الفراولة تحمرّان تحت أصابعه أو شفتيه. هي كانت تصل إلى الذروة مراراً، وهو ينتهي داخلها، ثم يعود إلى الورشة ووجهه صارم كعادته.في أحد الأيام، بينما كان مراد ينهي جولة جديدة مع نادية على السرير الكبير، جلست هي بجانبه تتنفس بصعوبة، وراحت تمرر أصابعها على صدره القمحاوي. قالت فجأة بصوت هادئ: «عندي صديقة... اسمها داليا. حكيت لها عنك من غير تفاصيل زيادة. هي مطلقه، وعايزة تشوفك». رفع مراد رأسه ونظر إليها بحذر. قال: «أنا مش بضاعة تتعرضيها». ضحكت نادية ضحكة قصيرة وقالت: «هي هتتصل بالورشة بحجة إن عربيتها مرسيدس عطلانة. هتروح لها، والباقي بتشوفه بنفسك. وهي مش زيّي... هتعرف تستحملك أحسن».لم
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
5
**الفصل الخامس: بين امرأتين**أصبحت حياة مراد الهواري تسير على إيقاعين متوازيين لا يلتقيان إلا في جسده. الإيقاع الأول هو الورشة في الحي الراقي: السيارات الفخمة، الزيت، المفاتيح، والمدير الذي يثق به أكثر كل يوم. والإيقاع الثاني هو الفيلات: نادية التي لا تزال تمسك بخيط التهديد القديم، وداليا التي تأخذ خنجره كاملاً دون تهديد وتطلب المزيد. كان ينتقل بينهما كمن ينتقل بين محركين مختلفين، كل واحد يحتاج ضبطاً خاصاً.في الأسبوع التالي للجولة الكاملة الأولى مع داليا، جاءه استدعاء من نادية. الرولز رويس «تحتاج فحصاً سريعاً». وصل مراد في الصباح، أصلح تسريباً بسيطاً في أحد الخراطيم، ثم صعد إلى الطابق العلوي كالمعتاد. نادية كانت تنتظره مرتدية روبًا مفتوحاً يكشف عن زهرتيها المكتنزتين وقطعتي الفراولة الوردية. قالت وهي تنظر إلى ساعة يدها: «اتأخرت النهارده... داليا حكولي إنك رحتها». لم ينكر مراد. قال فقط: «هي طلبت صيانة». ضحكت نادية ضحكة قصيرة ممزوجة بالغيرة وقالت: «يلا... عايزة أحس بيك قبل ما تروح لها تاني».بدأت الجولة على السرير. نادية استلقت وفتحت فخذيها، ومراد أدخل خنجره الطويل ذي العروق البارزة بب
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
6
**الفصل السادس: الظل الثالث** في الأسبوع الذي تلا تداخل الاستدعاءات بين نادية وداليا، جاء اتصال جديد إلى الورشة غيّر إيقاع حياة مراد الهواري مرة أخرى. المدير ناداه وهو يمسك بسماعة الهاتف وقال: «في ست اسمها لينا في فيلا في التجمع الخامس. عندها أودي آر ٨ وبي إم دبليو، الاتنين محتاجين صيانة كاملة. طلبت حد فاهم في العربيات الألمانية، ووصّوا عليك». كتب مراد العنوان وخرج. التجمع الخامس كان أبعد وأكثر فخامة، شوارع واسعة وكمبوندات مغلقة وحراسة مشددة. وصلت الفيلا بعد أربعين دقيقة. كانت حديثة البناء، زجاجية من جهات عدة، وحديقتها مصممة بعناية. فتحت البوابة امرأة في أواخر العشرينيات، طويلة، جسدها رشيق ومتناسق، شعرها أسود قصير أنيق، وملابسها عملية لكنها غالية. ابتسمت ابتسامة مهنية وقالت: «مراد الهواري؟ أنا لينا. ادخل المرآب مباشرة». عمل مراد على الأودي أولاً. كانت المشكلة معقدة في نظام التعليق الإلكتروني، واستغرق منه أكثر من ساعتين. لينا كانت تدخل المرآب بين الحين والآخر، تسأله أسئلة تقنية دقيقة تدل على أنها تفهم في السيارات أكثر من مجرد مالكة. قالت مرة وهي تنظر إلى يديه: «شغلك نظيف. نادية ودال
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
7
**الفصل السابع: عرض الخروج**الرسالة التي وصلته من لينا في الصباح بقيت مفتوحة على شاشة هاتفه طوال الطريق إلى الورشة. «لو جاهز تتكلم عن الحل، أنا موجودة». مراد قرأها مرات عدة وهو يركب المواصلات، وفي رأسه تدور صور الثلاث نساء: نادية وورقة التهديد القديمة، داليا التي تأخذه كاملاً بشراهة وغيرة، ولينا التي تأخذه كاملاً أيضاً لكنها تمد يداً بمخرج محتمل. لأول مرة منذ أن أجبرته نادية في فيلتها شعر أن هناك باباً قد يُفتح للخلف... أو للأمام.في الورشة كان اليوم عادياً في ظاهره. سيارات تحتاج تغييراً للزيت، فرامل تحتاج ضبطاً، ومحرك بي إم دبليو يصدر صوتاً غريباً أصلحه مراد في أقل من ساعة. المدير مرّ به وقال: «الست لينا كلمَت تاني. قالت العربية محتاجة فحص شامل بكره. بقيت زبون دائم يا ولد». يومئ مراد فقط. الزبونة الدائمة أصبحت أكثر من مجرد سيارات.في المساء ذهب أولاً إلى نادية استجابة لرسالتها التهديدية. الرولز رويس كانت في المرآب، لكنه لم يلمسها هذه المرة. صعد مباشرة. نادية كانت تنتظره غاضبة. قالت وهي تخلع الروب: «لينا بتلعب معاك على الحبلين. لو فكرت تسيبني بسببها...» لم يكمل مراد الجملة. اقترب منه
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
8
**الفصل الثامن: القرار**الصباح التالي كان ثقيلاً على مراد الهواري منذ اللحظة التي فتح فيها عينيه. الرسالة التي أرسلها إلى لينا في الليلة السابقة بقيت بلا رد حتى الساعة التاسعة، ثم جاءته رسالة قصيرة: «تعالى الساعة ستة مساء. لوحدنا». قرأها وهو يقف في الورشة أمام محرك مفتوح، وشعر أن اليوم سيكون مختلفاً عن كل الأيام التي سبقته منذ أن دخل فيلا نادية أول مرة.حاول أن يركز في شغله. أصلح نظام فرامل في رنج روفر، ثم غيّر طقم تروس في سيارة أودي، ثم فحص كمبيوتر محرك في مرسيدس حديثة. يداه كانتا تعملان بدقتهما المعتادة، لكن رأسه كان في مكان آخر. المدير لاحظ شروداً خفيفاً فقال له: «خد بالك يا مراد، العربيات دي مش بتسمح بالغلط». رد مراد: «حاضر يا حاج»، وأكمل عمله بصمت.في الظهر جاء اتصال من نادية. صوتها كان حاداً: «فينك؟ عربيتي محتاجة فحص». رد بهدوء: «مشغول في الورشة لحد العصر». أغلقت الخط في وجهه. بعدها بساعة جاءت رسالة من داليا: «أنا مستنياك النهارده. متتأخرش». لم يرد على أي منهما. كان قد حسم أمره مؤقتاً: المساء للينا أولاً.وصل إلى فيلا لينا في التجمع الخامس الساعة السادسة إلا ربعاً. البوابة فتحت
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
9
**الفصل التاسع: بعد سقوط التهديد**سقوط ورقة التهديد لم يكن نهاية القصة كما تخيل مراد في اللحظة الأولى. كان بداية نوع جديد من الفوضى. في الصباح التالي لتأكيد لينا أن التسجيلات اختفت، جاءه اتصال من نادية في السابعة صباحاً. صوتها كان مبحوحاً من الغضب أو البكاء أو الاثنين معاً: «إنت فاكر إنك خلصت مني؟ أنا لسة قادرة أعمل مشاكلك في الورشة... وفي حيك». رد مراد بهدوء لم يكن يملكه من قبل: «مفيش دليل. وأي كلام من غير دليل مش هيعمل حاجة. متتصليش تاني». أغلق الخط في وجهها للمرة الأولى منذ أن عرفها.لكن نادية لم تصمت. في الظهيرة وصلت إلى الورشة بنفسها. سيارة تاكسي توقفت أمام البوابة، ونزلت مرتدية نظارة كبيرة وحجاباً خفيفاً يخفي ملامحها جزئياً. طلبت المدير، وتحدثت معه دقائق بصوت منخفض. بعد أن خرجت استدعى المدير مراد إلى المكتب. قال له وهو ينظر إليه بتمعن: «الست دي بتقول إنك بتروح بيتها كتير وبتعمل حاجات برة الشغل. أنا مش بدخل في سيرتك الشخصية، بس خلي بالك من سمعة الورشة. الزباين الكبار مش بيحبوا المشاكل». مراد رد بجملة واحدة: «مفيش مشاكل يا حاج. الشغل منفصل». المدير سكت قليلاً ثم قال: «اتمنى يكون
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
10
**الفصل العاشر: الخبر**الكلمة التي قالتها داليا في الهاتف بقيت تدور في رأس مراد طوال اليوم كمحرك لا يتوقف عن الدوران. «أنا حامل. ومنك». أعادها مرات عدة وهو يقف تحت سيارة في الورشة، وهو يغسل يديه من الزيت، وهو يعود في المساء إلى غرفته الضيقة. لم ينم تلك الليلة. كان يحدق في السقف ويحسب الأيام والمواعيد والجولات. هل ممكن؟ نعم ممكن. هل أكيد منه وحده؟ هذا ما قالته هي. لكنه يعرف أن الثقة بينه وبينها لم تكن يوماً كاملة.في الصباح التالي اتصل بها. صوتها كان هادئاً هذه المرة، كأنها استعادت توازنها بعد الصدمة الأولى. قال لها مباشرة: «عايز أتأكد. هنشوف دكتور مع بعض». سكتت قليلاً ثم أجابت: «موافقه. بكره الساعة خمسة في عيادة في المعادي. هبعتلك العنوان». أغلق الخط وشعر أن الأرض الصلبة التي ظن أنه وجدها بعد سقوط تهديد نادية بدأت تهتز من جديد.ذهب في ذلك اليوم إلى لينا كما كان مخططاً لمعاينة جراج قديم في حي مصر الجديدة يمكن تحويله إلى ورشة صغيرة. لينا كانت منتظرة أمام المكان مرتدية ملابس عملية. دخلوا معاً، وتفقدوا المساحة والإضاءة واحتمالات التقسيم. بينما كان مراد يقيس الحائط بشريط القياس قالت لينا
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status