LOGINكان اسم مراد الهواري معروفًا في قريته أكثر مما كان يتمنى. لم يكن ابن عائلة ثرية، ولا صاحب منصب، ولا شيخًا من شيوخ البلدة. كان مجرد شاب في أواخر العشرينات، ورث عن أبيه حب السيارات ومهارة التعامل مع المحركات، حتى أصبحت يداه تعرفان أسرار الحديد أكثر مما تعرفان أسرار الناس. كان طويل القامة، عريض الكتفين، أسمر البشرة بفعل سنوات العمل تحت شمس الصعيد، وله عينان حادتان تمنحانه مزيجًا غريبًا من الهدوء والجرأة. في الصباح الباكر، كان يقف أمام الورشة الصغيرة التي يعمل بها مع أخيه الأكبر حسام. ورشة متواضعة في طرف القرية، سقفها من الصاج، وأرضها مغطاة بطبقات قديمة من الزيت، وعلى جدرانها صور لسيارات ومحركات وأدوات معلقة بعناية. يقرر السفر الي القاهرة للهرب من زوجة اخيه ولكنة يكتشف انه هرب من نار الي الجحيم
View More**الفصل الأول: الرحيل من الصعيد**
في قرية نائية من قرى الصعيد الأعلى، حيث يتعانق النيل مع الأرض الطينية الخصبة، وحيث تشرق الشمس كل صباح على حقول القصب التي تمتد كبحر أخضر لا نهاية له، عاش مراد الهواري. كان شاباً في السادسة والعشرين من عمره، طويل القامة حتى كاد رأسه يلامس عتبات الأبواب المنخفضة في البيوت الطينية، بشرة قمحاوية ناعمة اكتسبت لونها الذهبي من شمس الصعيد الحارقة طوال السنين، وعينان سوداوان هادئتان تخفيان خلفهما صبراً عميقاً وإرادة لا تنكسر. جسده ممشوق قوي، عضلاته مشدودة من سنوات العمل الشاق في الورشة وفي الحقول، ويداه كبيرتان خشنتان لكنهما ماهرتان تعرفان سر كل مسمار وكل ترس. كان بيت آل الهواري بيتاً طينياً واسعاً نسبياً مقارنة ببيوت القرية، يقع في طرف الحارة، محاطاً بفناء صغير فيه شجرة نبق قديمة وبئر ماء. يعيش فيه الأب الحاج عبد الله الهواري، رجل في الستين من عمره، ظهره منحني قليلاً من سنين الفلاحة، لكنه لا يزال يحتفظ بهيبته وصوته الجهوري. والأم الحاجة فاطمة، امرأة صبورة في أواخر الخمسينيات، تقضي يومها بين المطبخ والفرن البلدي، وتدعو لابنها مراد في كل صلاة. أما الأخ الأكبر محمود، فكان في الثانية والثلاثين، متزوجاً منذ خمس سنوات من امرأة تدعى سعاد، وأنجبا طفلين صغيرين. كانوا جميعاً يعيشون تحت سقف واحد، يتشاركون الطعام والضيق والفرح القليل. مراد كان يعمل منذ صباه في ورشة الميكانيكا الوحيدة في القرية، ورشة عم سيد العجوز. الورشة عبارة عن سقيفة من الصفيح والطوب اللبن، مليئة برائحة الزيت المحروق والحديد الصدئ، وفيها تراكتورات قديمة وسيارات نصف نقل معطلة ودراجات نارية متهالكة. منذ أن كان مراد في الثانية عشرة، كان يأتي بعد المدرسة ليساعد عم سيد في فك المحركات وتنظيف القطع. تعلم كيف يغير الزيت، كيف يصلح مضخة الوقود، كيف يضبط الإشعال، وكيف يعيد الحياة إلى محرك كان الجميع يظنه ميتاً. كان عم سيد يقول له دائماً وهو يمسح يديه بقطعة قماش متسخة: «إنت يا مراد عندك موهبة. العربيات بتتكلم معاك زي ما الطين بيتكلم مع الفلاح». مع مرور السنوات أصبح مراد العمود الفقري للورشة. يأتي في الصباح الباكر قبل أذان الفجر، يفتح الباب الحديدي الصدئ، ويبدأ يومه بترتيب العدد. يصلح ما يستطيع، ويشرح للزبائن بلغة بسيطة ما حدث لمحركاتهم. كان أهل القرية يثقون به ثقة عمياء. يقول أحدهم: «لو مراد لمس الموتور، يبقى هيرجع يشتغل ولو كان ميت». وفي المساء يعود إلى البيت متعباً، يديه سوداوين من الزيت، لكنه راضٍ. يجلس مع أبيه تحت شجرة النبق، يشرب الشاي الثقيل، ويستمع إلى حكايات القرية القديمة. لكن داخل البيت كانت هناك مشكلة صامتة تأكل الأسرة من الداخل. الأخ الأكبر محمود كان يعاني من مشكلة جنسية مزمنة. منذ زواجه لم يستطع أن يكون رجلاً كاملاً مع زوجته سعاد. كانت الليالي تمر ثقيلة، وهو يفشل مرة بعد مرة، حتى أصبح يتجنب غرفة النوم، وينام في السطح أو في غرفة الضيوف بحجة التعب. سعاد، التي كانت في التاسعة والعشرين، امرأة ممتلئة الجسد، ذات بشرة بيضاء نسبياً مقارنة بنساء القرية، وشعر أسود طويل، عاشت سنوات من الحرمان. في البداية صبرت، ثم بدأت تشكو لأهلها، ثم أصبحت النظرات التي ترميها نحو مراد مختلفة. مراد كان يلاحظ ذلك منذ أشهر. في البداية ظن أنه يتخيل. كانت سعاد تمر به وهو يغسل يديه في الحوض الخارجي، فتتوقف ثوانٍ أطول من اللازم، وتنظر إلى ذراعيه المفتولتين أو إلى صدره العريض الظاهر من فتحة القميص. أحياناً تأتي إليه في الورشة بحجة أن محمود أرسلها لتطلب منه شيئاً، فتقف قريبة منه أكثر مما ينبغي، ورائحة عطرها الرخيص تملأ المكان. مرة قالت له بصوت منخفض وهي تناوله كوب الشاي: «إنت مختلف عن أخوك يا مراد... ربنا خلقك راجل». ابتلع مراد ريقه ولم يرد، وانصرف إلى داخل الورشة بسرعة. تكررت المواقف. في إحدى الليالي الحارة، بينما كان الجميع نياماً، استيقظ مراد ليشرب ماء، فوجد سعاد واقفة في الممر مرتدية ثوباً رقيقاً يكشف عن تفاصيل جسدها. نظرت إليه طويلاً وقالت: «محمود نايم بره... وأنا مش قادرة أنام». ابتعد مراد خطوة وقال بهدوء لكن بحزم: «عودي يا سعاد. ده حرام، وده بيت أهلي». عادت إلى غرفتها صامتة، لكن النظرة في عينيها لم تختفِ. في اليوم التالي حاولت لمس يده وهو يمر بجانبها في المطبخ، فسحب يده بسرعة وخرج من البيت. كان مراد يعاني في صمت. يحترم أخاه رغم ضعفه، ويحب أباه وأمه، ولا يريد أن يدمر الأسرة. لكنه كان يشعر أن الجدران تضيق عليه. في الليل يسمع صوت سعاد وهي تتنهد في الغرفة المجاورة، أو يسمع خطواتها الخفيفة تقترب من باب غرفته ثم تعود. مرة وجدها قد وضعت له قميصاً نظيفاً على فراشه مع ورقة صغيرة مكتوب عليها كلمة واحدة: «احتجتك». مزق الورقة وأحرقها في الفرن، وقرر أن الأمر تجاوز الحد. جلس ذات مساء مع أبيه تحت الشجرة. قال له بصوت خافت بعد أن تأكد أن لا أحد يسمع: «يا أبوي، أنا مش قادر أفضل هنا. الدنيا ضاقت عليّ». نظر إليه الحاج عبد الله طويلاً، وكأنه يقرأ ما في قلبه دون أن يُقال. سكت الأب قليلاً ثم قال: «أنا عارف يا بني. سعاد مش مرتاحة، ومحمود حالته معروفة. لو فضلت هنا هتحصل مصيبة. روح القاهرة، اشتغل هناك، وابني نفسك. الصعيد بيرجع لأولاده لما يكبروا». بكت الأم عندما سمعت الخبر، لكنها في النهاية باركته وقالت: «ربنا يصلح حالك يا مراد، ومتنساش تصلي». في الليلة الأخيرة قبل الرحيل، جلس مراد في غرفته الصغيرة يجمع ملابسه القليلة في حقيبة جلدية قديمة. كان يسمع صوت محمود وهو يشخر في السطح، وصوت سعاد وهي تتمشى في الفناء كأنها تنتظر فرصة أخيرة. لم يخرج إليها. أغلق الباب بالمفتاح، ونام نوماً متقطعاً. في الصباح الباكر، قبل أن يستيقظ أحد، ودّع أباه وأمه في صمت، وحمل حقيبته، ومشى نحو محطة القطار في البلدة المجاورة. كانت الرحلة طويلة ومتعبة. ركب مراد القطار من محطة الصعيد في ساعة الفجر. جلس على المقعد الخشبي بجوار نافذة مفتوحة، ينظر إلى الحقول وهي تمر بسرعة، والنخيل يبتعد تدريجياً. تذكر وجه أمه وهي تمسح دموعها، ووجه أبيه وهو يضع يده على كتفه ويقول: «إنت راجل يا مراد». ثم تذكر نظرة سعاد الأخيرة عندما رأته يحمل الحقيبة، نظرة مختلطة بين الغضب والحاجة. هز رأسه وطرد الفكرة. القطار كان يهتز ويزأر، والركاب من حوله نيام أو يتهامسون. أحس مراد للمرة الأولى منذ سنوات أنه يتنفس بحرية، رغم الخوف من المجهول. وصل إلى محطة مصر في القاهرة بعد ساعات طويلة. نزل من القطار وحقيبته على كتفه، ووجد نفسه وسط عالم لم يتخيله. الزحام جنوني، السيارات تمشي كأنها في سباق، الناس يركضون في كل اتجاه، والروائح تختلط: عادم، وطعام، وعرق، وعطور. سأل شرطياً عن أقرب مكان رخيص للمبيت، فأشار له إلى حي شعبي بعيد. استقل ميكروباصاً مزدحماً، ووصل بعد ساعة إلى غرفة صغيرة فوق سطح، إيجارها باليوم، فيها فراش رقيق وشباك يطل على سطح آخر. في الأيام الأولى كان مراد يتجول باحثاً عن عمل. يدخل الورش في الأحياء الشعبية، يعرض خبرته، لكن معظمها كانت ترفض أو تعرض أجوراً زهيدة. كان يعود في المساء متعباً، يأكل طعمية وفلافل، وينام. لكنه لم يستسلم. تذكر كلام أبيه: «ابني نفسك». بعد أسبوعين سمع من رجل في مقهى شعبي عن ورشة كبيرة في حي راقٍ جداً من أحياء القاهرة، تتعامل حصرياً مع السيارات الفخمة: مرسيدس، بي إم دبليو، رنج روفر، وأحياناً سيارات أندر. قال الرجل: «الورشة دي بتدور على حد شاطر وهادي، لأن الزباين ناس مستواهم عالي». قرر مراد أن يجرب. ارتدى أنظف ما عنده، ومشى مسافة طويلة حتى وصل إلى الحي الراقي. الشوارع واسعة ونظيفة، السيارات لامعة كالمرايا، والبيوت خلف أسوار عالية وأشجار كثيفة. أحس أنه دخل عالماً آخر تماماً عن عالم الصعيد. وقف أمام باب الورشة الكبيرة التي تحمل لافتة أنيقة، ودخل بخطوات ثابتة. طلب مقابلة المدير. كان المدير رجلاً في الخمسينيات، أنيقاً، ينظر إليه بتمعن. سأله عن خبرته، فأجاب مراد بلهجته الصعيدية الواضحة: «بصلح عربيات من وأنا عندي اتناشر سنة. في الصعيد أصلحت تراكتورات وسيارات نص نقل ومحركات ديزل. جربني». أخذه المدير إلى سيارة مرسيدس حديثة كانت تعاني من عطل غامض في نظام الحقن. جلس مراد تحتها، وفكك بهدوء وثقة، واكتشف المشكلة في أقل من ساعة، وأصلحها بدقة. عندما أدار المدير المحرك، عمل بسلاسة تامة كأن شيئاً لم يكن. ابتسم المدير ومد يده وقال: «هتبدأ بكره. الراتب كويس، والزي رسمي، ولازم تكون محترم ودقيق مع الزباين. إحنا بنتعامل مع ناس كبار». بدأ مراد عمله في اليوم التالي. كان يستيقظ قبل الفجر من غرفته الشعبية، يركب المواصلات المتغيرة حتى يصل إلى الحي الراقي قبل فتح الورشة. يرتدي القميص الأزرق عليه شعار الورشة، والبنطلون الأسود، ويبدأ يومه. يتعامل مع السيارات الفخمة كأنها كنوز نادرة. يمسحها قبل العمل، يغير الزيوت الأصلية، يفحص الفرامل الإلكترونية، ويصلح الأعطال المعقدة التي كانت تحير بعض الفنيين الآخرين. كان زملاؤه ينظرون إليه في البداية بشيء من الشك بسبب لهجته وشكله الريفي، لكن سرعان ما تحول الشك إلى احترام. يقول أحدهم: «الصعيدي ده إيده من ذهب، والموتور بيرجع يشتغل كأن ربنا خلقه من جديد». في الأشهر الأولى ركز مراد كل طاقته على العمل. يعود في المساء إلى غرفته، يغسل الزيت عن يديه جيداً، يأكل، ويتصل بأهله كل أسبوع. يسمع صوت أمه وهي تبكي من الفرح، وصوت أبيه وهو يسأله عن صحته. عن محمود وسعاد لم يسأل كثيراً، ولم يذكر أحد شيئاً. كان يدخر كل ما يستطيع، ويرسل جزءاً إلى البيت. حياته أصبحت روتيناً صارماً: عمل، ادخار، نوم، ثم عمل من جديد. لم يكن يبحث عن صداقات أو علاقات. كان يعرف أنه جاء ليبني نفسه، لا ليتورط في شيء آخر. مع الوقت بدأ المدير يثق به في المهام الخارجية. يرسله إلى الفلل الفخمة في الحي الراقي لإصلاح سيارات تعطل في بيوت أصحابها. يدخل مراد المرآب الواسع، يصلح العطل، ويتحدث مع البواب أو السائق بأدب، ثم يغادر. أحياناً تخرج صاحبة المنزل أو صاحبها لتسأله عن السيارة، فيرد باختصار واحترام، دون أن يطيل النظر أو الكلام. كان يحافظ على مسافة واضحة. في داخله كان لا يزال يحمل آثار ما حدث في بيت أهله، وكان يرفض أن يكرر أي شيء يشبه ذلك. ذات يوم أُرسل إلى فيلا كبيرة لإصلاح رنج روفر أحدث موديل. عمل تحتها ساعتين كاملتين، بينما كانت أصوات الطيور تأتي من الحديقة المحيطة. انتهت المهمة بنجاح، وغادر دون أن يحدث شيء يستحق الذكر. عاد إلى الورشة وكتب تقريره بدقة. في المساء جلس في غرفته يتذكر قريته، والنيل، وشجرة النبق، ووجه أبيه. ابتسم في الظلام وقال لنفسه: «أنا هنا دلوقتي. بشتغل في عربيات الناس الكبار. ده اللي كنت نفسي فيه». ثم نام جاهزاً ليوم جديد. مرت الشهور ببطء لكن بثبات. أصبح مراد معروفاً في الورشة بمهارته وهدوئه والتزامه. لم يعد أحد يسخر من لهجته. كان المدير يفضله في السيارات الأغلى والأكثر تعقيداً. كان يدخل الفلل، يصلح، ويخرج. حياته لا تزال بسيطة ومنضبطة. الغرفة الشعبية، المواصلات اليومية، والعمل المتواصل. لكنه كان يشعر أن الأرض تحت قدميه أصبحت أصلب. لم يعد الشاب الذي هرب من مطاردة صامتة في بيت أهله. أصبح الميكانيكي الذي تعتمد عليه الورشة في الحي الراقي. في أحد المساءات، بعد يوم طويل أمضاه في إصلاح نظام تعليق معقد في سيارة بي إم دبليو، جلس مراد على سطح البناية التي يسكن فيها، ينظر إلى أضواء القاهرة الممتدة. تذكر الليلة التي قرر فيها الرحيل، ونظرة سعاد، وصوت أبيه. هز رأسه وطرد الذكريات. قال لنفسه بصوت خافت: «اللي فات مات. أنا هنا عشان أشتغل وأبني نفسي، مش عشان أي حاجة تانية». ثم نزل إلى غرفته ونام نوماً عميقاً هذه المرة. وهكذا استمرت حياة مراد الهواري في مرحلتها الأولى بالقاهرة. يعمل في ورشة السيارات الفخمة في الحي الراقي، يصلح المحركات اللامعة، ويحافظ على حدوده بكل صرامة. لم تكن هناك علاقات، ولا لقاءات شخصية تتجاوز إطار العمل. كانت كل أيامه تدور حول الزيت والمفاتيح والكتالوجات الأجنبية التي بدأ يتعلم منها أكثر فأكثر. كان لا يزال ابن الصعيد الذي جاء حاملاً حقيبته الصغيرة ومهارته الكبيرة، وترك خلفه بيتاً مليئاً بالتوتر الصامت. وفي هذه المرحلة، كان كل ما يريده هو أن يثبت لنفسه ولأهله أنه قادر على النجاح بعيداً عن كل ما كان يطارده. مع انتهاء عامه الأول تقريباً في المدينة، كان مراد قد ادخر مبلغاً لا بأس به، وأصبح اسماً موثوقاً في الورشة. كان المدير يكلمه أحياناً عن إمكانية ترقيته أو إعطائه عمولات إضافية على المهام الخارجية. كان يرد دائماً بالشكر والعمل الأكثر. في داخله كان يعرف أن هذا ليس سوى البداية. الطرق في القاهرة كثيرة، والسيارات الفخمة كثيرة، والفلل الراقية أكثر. لكنه كان يمشي بخطوات محسوبة، كمن يصلح محركاً حساساً: ببطء، وبدقة، ودون استعجال. في نهاية ذلك الفصل من حياته، وقف مراد ذات فجر أمام باب الورشة قبل أن يفتح، يتنفس الهواء النقي نسبياً في الحي الراقي، ويتذكر رائحة الطمي في قريته. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال في سره: «يا رب، أقدرني على اللي جاي». ثم دخل ليبدأ يوماً جديداً من العمل، وسط السيارات الفخمة التي تنتظر يديه الماهرتين، بعيداً عن كل ما تركه خلفه في الصعيد، ومستعداً لما قد تحمله الأيام القادمة من مفاجآت لم يكن يتوقعها بعد.**الفصل العشرون: ما قبل الولادة**الأسابيع الأخيرة من الشهر الثامن وبداية التاسع كانت الأكثر ثقلاً على الجميع. داليا أصبحت حركتها بطيئة جداً، وبطنها كبيراً لدرجة أنها تحتاج مساعدة أحياناً للنهوض من السرير أو الجلوس. زهرتيها باتتا ثقيلتين وممتلئتين بشكل واضح، وقطعتا الفراولة حساستين إلى أقصى حد. النوم انقطع عليها ليلاً بسبب الحركات القوية أو الحرقة أو الحاجة المتكررة للحمام. مراد كان يمر عليها يومياً تقريباً الآن، حتى لو لساعة واحدة فقط ليطمئن ويسأل عن أي تغيير.في أحد المواعيد النهائية قبل الولادة المتوقعة قال الطبيب بوضوح: «أي انقباض كل عشر دقائق أو أقل، أو نزول ماء، أو نزيف... فوراً المستشفى. ومتخليهاش لوحدها فترات طويلة». مراد سجل الأرقام والطوارئ في هاتفه للمرة العاشرة. بعد الخروج ساعد داليا في الركوب وقال لها: «من النهارده همر عليك كل يوم حتى لو نص ساعة». لم تعترض. كانت مرهقة أكثر من أن تجادل.في الفيلا بعد العودة ساعدها على الاستلقاء. بعد راحة قصيرة طلبت منه القرب بحذر شديد. قال: «لو حسيتي بأي ضغط أو ألم نوقف في الثانية». خلعت ملابسها بمساعدته. لمس زهرتيها الثقيلتين من الأسفل أو
**الفصل التاسع عشر: الشهر الثامن**الشهر الثامن دخل ثقيلاً وواضحاً على كل شيء. بطن داليا أصبح كبيراً وبارزاً، وزهرتيها ثقيلتين جداً لدرجة أنها تضطر أحياناً إلى رفعهما بيديها وهي تتحرك داخل الفيلا. الحركات داخل بطنها صارت قوية ومستمرة، والنوم بات صعباً عليها. مراد كان يذهب إليها كل يومين تقريباً، يساعدها في بعض الأمور البسيطة، يرافقها إلى المواعيد الطبية الأسبوعية الآن، ويدفع كل ما يلزم دون تأخير. الطبيب كرر في آخر زيارة: «الأسابيع الجاية حساسة. أي انقباض منتظم أو نزيف لازم الطوارئ فوراً. والراحة شبه كاملة».في أحد الأيام بعد الفحص جلسا في سيارتها. داليا كانت تتنفس بثقل. قالت له: «بقيت أخاف من أي حركة زيادة». مراد رد وهو يقود: «خلاصي إنك تسمعي كلام الطبيب حرفياً. أنا موجود للمتابعة والطوارئ لو حصلت». عندما وصلا إلى الفيلا ساعدها على الصعود ثم أحضر لها ما تحتاجه. بعد ساعة من الراحة اقتربت منه وطلبت القرب بحذر. قال لها: «لو في أي مشقة نوقف فوراً».خلع ملابسها ببطء شديد. زهرتيها الثقيلتين لمسهما من الأسفل أولاً كأنه يحمل وزنهما، ثم انحنى وراح يمص قطعتي الفراولة بحذر بالغ لأنهما باتتا حساس
**الفصل الثامن عشر: الشهور الثقيلة**الشهر السابع من الحمل لم يأتِ بهدوء. جاء ثقيلاً على جسد داليا وعلى جدول مراد معاً. البطء في حركتها أصبح واضحاً، والامتلاء في زهرتيها بات ثقيلاً لدرجة أنها تشكو منه أحياناً وهي تحاول النوم على جنبها. الحركات داخل بطنها صارت قوية ومتكررة، والغثيان الذي اختفى لفترة عاد جزئياً مع بعض الأيام. مراد كان يذهب معها إلى المواعيد الطبية كل أسبوعين تقريباً، يجلس في غرفة الانتظار بين النساء الحوامل، يسمع نبض الجنين عبر السماعات، ويدفع الفواتير دون تعليق كثير. الطبيب كان يكرر في كل مرة: «الحمل مستقر، لكن الراحة ضرورية، والوزن زاد بشكل مقبول حتى الآن».في أحد المواعيد الصباحية جلسا أمام الشاشة السوداء التي تظهر الجنين يتحرك. داليا أمسكت يد مراد وضغطت عليها بقوة حين سمعت النبض الواضح. هو لم يسحب يده هذه المرة. تركها حتى انتهى الفحص. بعد الخروج من العيادة وقفا في موقف السيارات. قالت له وهي تمسح عيناها: «كل مرة بسمع النبض بحس إن الوقت بيجري أسرع مما أقدر أتحكم فيه». رد مراد بهدوء وهو يفتح باب السيارة لها: «الوقت ماشي زي ما هو. إحنا بنمشي معاه». لم تضف شيئاً. ركبا وع
**الفصل السابع عشر: التوازن الهش**الشهر السادس من الحمل جعل بطن داليا أكثر بروزاً، وزهرتيها أكثر ثقلاً وامتلاءً، وخطواتها أبطأ. مراد كان يلاحظ التغيير في كل زيارة. المواعيد الطبية أصبحت كل أسبوعين، والتحاليل أكثر، والطبيب يكرر نصائحه بالراحة وتجنب الإجهاد. مراد يلتزم بالحضور والدفع، ثم يعود إلى ورشته ليكمل يومه.الورشة نفسها كانت تتحسن ببطء. العملاء زادوا، والسمعة بدأت تمشي بين أوساط محدودة في التجمع ومصر الجديدة. مراد يفتح مبكراً ويغلق متأخراً، يصلح بنفسه معظم الوقت، ويستعين بعامل مساعد في الأيام المزدحمة فقط. لينا تمر مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع، تراجع الحسابات، وتقترح تحسينات صغيرة. ياسمين تأتي بشكل متقطع، إما بسيارة تحتاج خدمة أو برسالة مباشرة تطلب لقاء.في أحد الأيام بعد ظهر مزدحم جاءته رسالة من داليا: «حاسسة بتعب أكتر من العادي. لو تقدر تمر». أغلق مراد الورشة مبكراً نسبياً وذهب إليها. وجدها مستلقية على الكنبة، وجهها شاحب قليلاً. فحصت نفسها بالهاتف مع الطبيبة التي طمأنتها أن الأمر طبيعي في هذه المرحلة. بعد أن هدأت اقتربت منه وطلبت القرب. مراد ساعدها في خلع ملابسها بحذر. زهرتيها ا





