LOGINرفع رأسه المدفون في تجويف عنقها قليلًا، وحدّق بعينين شاردتين نحو الجدار، ثمّ تحوّل صوته على نحوٍ غير متوقّع إلى نبرةٍ أكثر لينًا، كأنّه يهدّئ طفلًا غاضبًا."لاحقًا... مهما كان اليوم، متى ما أردتِ، يمكنكِ أن تأتي في أيّ وقت... أنا... سأمنحكِ كلّ ما أستطيع."ذلك الردّ الذي لا يمتّ إلى الموضوع بصلة جعل قلبَ ريم يغوص تمامًا.لم يكن واعيًا على الإطلاق!اغتنمت لحظة غفلته، فاستدارت فجأة، وفتحت فمها وعضّته بقوّة في كتفه!عضّتْه بكلّ ما أوتيت من قوّة، حتى كادت تتذوّق طعمَ الدم فورًا.أطلق فؤاد أنينًا مكتومًا، لكنه لم يغضب؛ بل ابتسم ابتسامةً غريبة، مشوبةٍ بإثارةٍ مرضيّة."هاه... هل تحاول زوجتي تجربة حيلةٍ جديدة؟"بدا أنّ الألم لم يردعه، بل زاده إثارةً.اقترب منها من جديد، فشدّها بذراعٍ واحدة وأطبق عليها داخل صدره بإحكام، بينما رفعت يده الأخرى ذقنها، وانحنى ليقبّلها مرّةً أخرى."فؤاد! توقّف!" انهمرت دموع ريم، وخرج صوتها مبحوحًا وهي تطلق نداء الاستغاثة الأخير:"أنا مريضة! أرجوك... لا تلمسني."توقّفت حركةُ فؤاد مرّةً أخرى.انحنى ينظر إليها، إلى عينيها الغارقتين بالدموع، فمرّت في نظرته لمحةُ صراعٍ و
"نحن بصدد إجراءات الطلاق! افهم الوضع جيّدًا!"ضحك فؤاد ضحكةً منخفضة، لكنّها كانت مجبولةً ببرودةٍ قاسية، تنضح بعنادٍ أعمى لا يبالي بشيء."لم أوقّع على اتفاقية الطلاق بعد، وما دمتُ لم أوقّع، فأنتِ ما زلتِ زوجتي، زوجة فؤاد الحديدي!"اقترب خطوةً، وكان ظله الطويل باعثًا على ضغطٍ قويٍّ يخنق الأنفاس."أنا الآن، أريدكِ."نطق هذه الكلمات ببطءٍ ووضوح، كأنّه يقرّر حقيقةً لا تقبل الجدل ولا تحتمل الرفض.وقبل أن ينتهي من كلامه، انحنى مجدّدًا وقبّل شفتيها قسرًا، قبلةً لا تقبل المقاومة، وهذه المرّة كانت أشدّ افتراسًا.عجزت ريم عن الإفلات، ولم تشعر إلا بأنفاسه الحارّة، تترافق مع همهمةٍ مبحوحة قرب أذنها:"ساعديني... يا حبيبتي..."وتلك الكلمة "حبيبتي"، كانت مشبعةً بتوقٍّ غريب وألمٍ مكبوت، فخفق قلب ريم بعنفٍ مفاجئ.حينها فقط أدركت بوضوح أنّ هناك أمرًا غير طبيعيّ فيه؛ كان جسده محمومًا على نحوٍ مخيف، ونظرته شاردة تتخلّلها رغبةٌ جامحة، ولم يكن هذا فؤاد الذي اعتادت أن تعرفه.هل يُعقل... أنّه تناول شيئًا مريبًا؟راودها هذا الخاطر فأصابها بقشعريرةٍ باردة.ولا حاجة للتخمين؛ لا بدّ أنّها كانت "صنيعة" نادين.دفعته
كان مروان يُسند فؤاد وهو يقوده باتجاه المقصورة، ثم قال بصوتٍ منخفض:"سيّد فؤاد، هل ترغب أن أستدعي طبيبًا؟""أين هي؟""السيّدة الشابة في غرفة الاستراحة التابعة لمقصورة السيادة، فقد كان الجدّ قد استدعاها للحديث قبل قليل."انفرج حاجبا فؤاد قليلًا؛ يبدو أنّها لم تكن في لقاءٍ سرّيّ مع سيف.وفي غرفة الاستراحة التابعة لمقصورة السيادة، كانت ريم تُجري اتصالًا هاتفيًّا.جاءها من الطرف الآخر من الهاتف ضحكُ سلوى الظافر:"ما رأيكِ؟ حيلة تحويل التهمة نجحت تمامًا، ضربةٌ واحدة بثلاثة أهداف، متعة لا توصف! مؤسف أنّكِ لم تكوني في الموقع، لكن لا بأس، فقد جعلتُ أحدهم يصوّر كلّ شيء. سأجعلها حديث البلاد كلّها!"صحيح، هذه الحيلة كانت بالفعل ضربةً واحدة لثلاثة أهداف، أولًا لم تُفسِد حفل عائلة الحديدي؛ وثانيًا وجّهت ضربةً قاسية لطارق الألفي؛ والأهمّ من ذلك أنّها جعلت نادين تفقد ماء وجهها تمامًا.قالت ريم بنبرةٍ لا تخلو من العتاب:"أنتِ جريئة أكثر من اللازم، وعندما نعود ستُحبِسكِ خالتي في غرفتكِ بالتأكيد!""هاها، أنا من يأخذ بثأره في الحال ولا يؤجّله. وما الخوف من الحبس في الغرفة، فقط لا تنسي أن ترسلي لي الطعام.
"طارق! حتى في مثل هذا الموقف، ما زلتَ تحميها؟"طارق: "...""حقًّا لم أتخيّل أنّكنّ، أيتها النجمات الصغيرات، من أجل إعلانٍ تافه كهذا، يمكن أن تصلن إلى هذا القدر من انعدام الحياء، فتقمن بإغواء الجهة المالكة للعلامة علنًا؟ أين مهنيّتكِ؟ أين خطّكِ الأحمر؟ أم أنّ كلّ ذلك قد التهمته الكلاب؟"كانت كلّ كلمةٍ تنطق بها سلوى كأنّها نصلُ سكين، تُغرس بقسوة في قلب نادين، وتخترق في الوقت نفسه آذان كلّ من يحيط بالمشهد.انهارت نادين تمامًا؛ شعرها مبعثر، وخدّاها متورّمان محمّرَان، والدموع تختلط بالمهانة، في حالةٍ مُزرية.في تلك اللحظة، أصبحت هدفًا لسهام الجميع؛ مديرُ أعمالها غائب، وسندُها العائليّ ضعيف.وأصبحت الآن "حديثَ الساعة" الأكثر إثارة في هذا الحفل الفاخر، وحالةَ "سقوطٍ اجتماعيٍّ علنيّ" تُبَثّ على الهواء مباشرة.تعالت همهماتُ من حولها أكثر فأكثر."يا للعجب، حقًّا لم نتوقّع ذلك، ممثّلة الصفّ الأوّل وتضطرّ للكسب بهذه الطريقة...""نعم، نعرف الوجوه ولا نعرف القلوب؛ يبدو أنّها تبالغ كثيرًا من أجل الحصول على الفرص، أليس كذلك؟""طبع الآنسة الكبرى من عائلة الزناتي حادٌّ فعلًا، لم تتردّد وبادرت بالضرب!""
اندفعت إلى صدره موجةُ غضبٍ مبهم، ممزوجةً بضيقٍ خانق، فاجتاحت قلبه في لحظة.كاد يجزّ على أسنانه غيظًا، ثم أعاد الاتصال بمروان، وصوته منخفضٌ قاسٍ يقطر برودةً:"اعثر على زوجتي فورًا! حالًا! وأحضِرها إليّ!"أنهى فؤاد المكالمة، وكبح الضيق المتصاعد في صدره، ثم استدار ليستعدّ للعودة إلى الحشد.غير أنّه ما إن خطا خطوتين فقط، حتى انتبه إلى أنّ الأجواء على سطح اليخت لم تكن على ما يرام.كان الضيوف الذين تفرّقوا في أرجاء المكان قبل قليل، منشغلين بمشاهدة الألعاب الناريّة، قد بدأوا الآن يلتفّون جميعًا نحو اتجاهٍ واحد، يتحلّقون ويتبادلون الهمسات، كأنّهم يشهدون حدثًا جللًا."ما الذي يحدث؟""يبدو أنّ الآنسة الكبرى من عائلة الزناتي تشاجرت مع الممثلة نادين!""أيعقل ذلك؟ في مناسبة كهذه؟"انقبض قلبُ فؤاد فجأة، فأسرع في خطاه وهو يشقّ الحشود.وفي قلب التجمّع، كانت سلوى تقف بوجهٍ محتقن بالغضب في مواجهة نادين.كان الجوّ مشدودًا إلى أقصى حدّ، مشبعًا بروح المواجهة وكأنّ الشرر يتطاير في الهواء."طَقّ!"دوّى صوتٌ حادٌّ واضح، كسر الضجيج المحيط.ثمّ، وفي اللحظة التالية، أشارت سلوى بيدٍ قويّة، فإذا بعشرات الصور تُنثَ
كان هذا البُعد مثاليًّا تمامًا؛ يجنّب ضجيج اليخت الرئيسيّ، ويتيح في الوقت نفسه الاستمتاع بمشهد الألعاب الناريّة كلّه أمام العين، كما لو كانوا يشاهدون لوحةً عملاقةً متحرّكةً، متلألئةً بالألوان."واو، يا له من جمال!""التقطوا بسرعة! هذه الزاوية مذهلة!"رفع الضيوف هواتفهم تباعًا، وتعالت أصوات التقاط الصور من كلّ جانب، محاولين تخليد هذه اللحظة القصوى من الرومانسية والبذخ.في السماء، كانت أسرابُ الطائرات المسيّرة التابعة لمجموعة الحديدي تحلّق بصمت، كعيونٍ وفيّة، توثّق من مختلف الزوايا هذه اللحظة المهيبة والجميلة.بدت نادين كطاووسٍ فتح ريشه أخيرًا، تكاد تذوب كلّيًا في صدر فؤاد المتين.رفعت وجهها إليه، وفي عينيها بريقٌ يفوق لمعان الألعاب الناريّة.كان بريقًا مشحونًا بمزيجٍ معقّد من الحماسة والافتتان، ولذّة تحقّق ما طال انتظاره."فؤاد، انظُر... ما أجملها..."جاء صوتُها مشوبًا بدلالٍ متعمَّد ولمسةِ ارتعاشٍ خفيف.وفي تلك اللحظة مرَّ أحدُ عمّالِ الخدمة حاملاً صينيّة، فبادرت نادين بخفّةٍ والتقطت كأسين من الشمبانيا ذات اللون الذهبيّ الصافي.استدارت، وقدّمت إحدى الكأسين إلى فؤاد، بينما ثبتت عيناها ع







