Share

في قبضة السحاب

last update publish date: 2026-03-16 10:51:18

كان مطار "لوبورجيه" الخاص يغرق في ضباب صباحي كثيف، يشبه إلى حد كبير الحالة الذهنية التي كنتُ أعيشها. وقفتُ ببدلتي الرسمية ذات اللون الكحلي، وأنا أمسك بحقيبتي الجلدية بقوة، أحاول استعادة السيطرة على أنفاسي. كانت الطائرة الخاصة الرابضة على المدرج تبدو كوحش معدني أنيق، ينتظر ابتلاعي في رحلة كنتُ أعلم أنها ستغير كل شيء.

وصل آدم بسيارته السوداء الفاخرة. ترجل منها بهيبة الملوك، يرتدي نظارات شمسية سوداء تخفي عينيه، لكنها لم تخفِ تلك الطاقة المسيطرة التي تنبعث منه. لم ينظر إليّ إلا لثانية واحدة، نظرة خاطفة كانت كافية لتذكيري بكل ما حدث في غرفة الاجتماعات بالأمس.

"صباح الخير يا ليلى،" قال بنبرة جافة أمام الموظفين وطاقم الطائرة. "أتمنى أنكِ أحضرتِ كل المخططات الخاصة بفرع نيس. الرحلة قصيرة، ولدينا الكثير لنناقشه."

صعدتُ خلفه درجات الطائرة، وقلبي يقرع طبول الحرب. بمجرد أن أغلق المضيف الباب الخارجي واستقرت الطائرة في مسار الإقلاع، تغيرت الأجواء تماماً. كانت المقصورة واسعة، مكسوة بالجلد الأبيض والخشب الفاخر، تفوح منها رائحة القهوة والتبغ الغالي.

جلس آدم في مقعده الوثير، وخلع نظاراته. أشار لي بالمقعد المقابل له. "اجلسي. دعينا نتخلى عن الرسميات الزائدة، فلا أحد يرانا هنا سوى السحاب."

جلستُ، وحاولتُ فتح ملف الأوراق، لكنه مده يده وأغلقه ببطء. "الأوراق يمكنها الانتظار. أنتِ لم تنظري في عينيّ منذ أن دخلتِ المطار. هل أنتِ خائفة مني، أم خائفة من نفسكِ؟"

"لستُ خائفة،" قلتُ وأنا أرفع رأسي بذكاء، محاولة إخفاء الارتجاف في صوتي. "أنا فقط أحاول أن أبقى مهنية، كما طلبتَ مني في المكتب."

ضحك آدم ضحكة خفيفة، فيها نبرة من الانتصار. "المهنية هي قناع نرتديه للعامة يا ليلى. لكننا الآن على ارتفاع ثلاثين ألف قدم. هنا، تسقط القوانين الأرضية." نهض من مقعده واقترب مني، وجلس على حافة الطاولة الفاصلة بيننا، مما جعله قريباً جداً لدرجة أنني شممتُ رائحة عطره التي بدأت تدمنها حواسي.

"أخبريني،" قال وهو يميل برأسه ليرى ملامح وجهي بدقة. "بماذا كنتِ تفكرين الليلة الماضية؟ هل نمتِ بهدوء، أم أن طعم قبلتي كان يطارد أحلامكِ؟"

"كنتُ أفكر في مدى غرورك،" كذبتُ بمرارة. "وكيف أنك تظن أن كل شيء في هذا العالم يمكن شراؤه أو إخضاعه، بما في ذلك أنا."

مد يده ورفع ذقني بإصبعه، كانت لمسته هذه المرة مليئة بالحنان المبطن بالقسوة. "أنا لا أشتري القلوب يا ليلى، أنا أستولي عليها. هناك فرق كبير. أنتِ تظنين أنكِ متمردة، لكن حقيقتكِ هي أنكِ تعشقين هذا الصراع بقدر ما أعشقه أنا. أنتِ لا تريدين رجلاً يوافقكِ الرأي، أنتِ تريدين نداً يكسر حصونكِ ليرى ما خلفها."

لم أجب. كانت عيناه تخترقان صمتي وتصلان إلى أعماق رغباتي المكتومة. فجأة، مالت الطائرة قليلاً بسبب بعض الاضطرابات الجوية، مما جعلني أفقد توازني وأميل نحو الأمام. وجدته يمسك بكتفيّ بقوة، ويسحبني نحوه حتى صرتُ واقفة بين ساقيه وهو جالس على الطاولة.

استغل آدم هذه اللحظة، وأحاط خصري بذراعيه القويتين، دافعاً بجسدي نحوه. "الآن، لا يوجد موظفون يمرون في الممر، ولا يوجد أبواب مغلقة برمز سري. فقط أنا وأنتِ، والسماء."

انحنى ليقبل عنقي ببطء شديد، كانت قبلاته كرسائل مشفرة تُكتب على جلدي. شعرتُ بضعف في ركبتيّ، وبأن العالم الخارجي قد تلاشى تماماً. "آدم، نحن في الطائرة..." همستُ، لكن صوتي خرج كاستغاثة لا كاعتراض.

"أعلم،" همس في أذني، وأنفاسه تحرق بشاشتي. "وهذا ما يجعله أكثر إثارة. الخطر هو التوابل التي تجعل للحياة طعماً. وأنتِ، يا ليلى، الخطر الأجمل الذي واجهته منذ سنوات."

بدأت يداه تتحركان بجرأة أكبر، تستكشفان منحنيات جسدي تحت البدلة الرسمية التي بدأت تبدو وكأنها سجن أريد التخلص منه. كانت الحميمية في هذا المكان الضيق، مع اهتزازات الطائرة الخفيفة وصوت المحركات الرتيب، تخلق جواً من السريالية. شعرتُ وكأننا في فقاعة زمنية منفصلة عن الواقع.

فجأة، نظر إليّ بعمق، وكانت نظراته تحمل تساؤلاً لم ينطقه. "هل ستقاومينني اليوم أيضاً؟ أم ستعترفين أنكِ تنتمين إلى هذا الحريق كما أنتمي إليه أنا؟"

لم تكن الكلمات كافية. بدلاً من الإجابة، سحبتُه من ربطة عنقه نحوي، وألغيتُ المسافة المتبقية بين شفتينا في قبلة كانت أعمق وأعنف من كل ما سبق. كانت قبلة اعتراف، قبلة استسلام تام للقدر الذي ربطني بهذا الرجل. في تلك اللحظات، فوق السحاب، لم أعد أهتم بالشركة، ولا بالمستقبل، ولا بالفارق بيننا. كل ما كان يهم هو الحرارة التي كانت تنتقل بين جسدينا، والوعد المظلم الذي كان يرتسم في عيون آدم.

عندما بدأت الطائرة في الهبوط نحو مطار "نيس"، وتلألأت مياه البحر المتوسط الزرقاء تحتنا، كان كل شيء قد تغير. عدنا لمقاعدنا، وأصلحنا ملابسنا، لكن النظرات التي تبادلناها كانت تقول كل شيء.

"مرحباً بكِ في نيس،" قال آدم وهو يرتدي نظاراته مرة أخرى، والابتسامة المنتصرة تداعب شفتيه. "استعدي، فالمساء في هذه المدينة لا يشبه أي مساء آخر."

خرجتُ من الطائرة وأنا أشعر أنني لم أعد ليلى التي كانت في باريس. لقد أصبحتُ امرأة تعرف أن خلف كل تمرد، تكمن رغبة في الخضوع لمن تحب، وأن رحلتي مع آدم السيوفي قد بدأت لتوها تأخذ منحىً لا رجعة فيه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صدى الأنوثة   طغيان الشهوة الكونية.. وقداس الانصهار العظيم

    لم يكن الصمت الذي خيّم على الغابة الكريستالية سوى برزخٍ يفصل بين معركتين؛ معركة الدمار الذي خلفناه وراءنا، ومعركة "السيادة الجسدية" التي كانت تشتعل في عروقنا كحممٍ بركانية لا تجد مخرجاً. وقف آدم أمامي، وجسده يشع بهالة من النور الذهبي الذي كان يتصاعد كالبخار من عضلاته المشدودة، بينما كان جسدي يرتعش تحت وطأة "فرط التحسس" الذي منحه لي الجنين؛ فكنتُ أشعر بمرور الهواء فوق جلدي كأنه لمسات من الحرير الساخن، وأسمع نبضات قلب آدم كأنها طبول حربٍ تقرع في أعماق روحي.تلاشي الحدود: طقوس الاستباحة المقدسةبغير إنذار، وبحركة "Alpha" غاشمة، انقض آدم عليّ ليحملني بين ذراعيه، ولم تكن قبضته مجرد عناق، بل كانت "قيداً ملكياً" يعلن خضوعي التام لملكيته. ألقى بي فوق صخرة من الألماس الخام التي كانت تشع بحرارة الأرض، وجثا فوقي وهو يزأر بصوتٍ غير بشري، صوتٍ يجمع بين رعد السماء وهدير الوحوش الجريحة. في تلك اللحظة، انصهر الفصل السابع في الثامن، حيث تحولت القبلات إلى "امتصاصٍ للأرواح"؛ كان لسانه يستكشف تضاريس أنوثتي بجوعٍ سيبراني، يمتص رحيق رغبتي وكأنه يستمد منه الوقود لرحلتنا القادمة.بدأ آدم بممارسة "الحب السياد

  • صدى الأنوثة   سُعار الروح.. وانصهار العروش المتمردة

    لم تكن القبلات في تلك اللحظة مجرد تلامس للشفاه، بل كانت "التحاماً نووياً"؛ كان آدم يمتلكني بجوعٍ لم تطفئه سنوات القتال، ويده الضخمة تغلغلت في شعري المبلل لتثبيت رأسي، بينما كان يغرس نفسه فيّ مرة أخرى بضراوة Alpha لا يرتوي. كانت حركاته فوقي تشبه زحف الحمم البركانية فوق القمم الثلجية؛ بطيئة، عميقة، ومدمرة لكل ما يعترض طريقها. شعرتُ برجولته وهي تطرق أبواب رحمي بقوة كادت تذهب بعقلي، ومع كل حركة، كان النور الأزرق ينبعث من نقاط التقاء جسدينا ليملأ الكهف بوميضٍ صاعق، وكأننا نكتب شفرة العالم الجديد بضربات أجسادنا المحمومة.طغيان الحواس: الملحمة الجسدية الكبرىكانت اللذة "فائقة الطول" و"فائقة الكثافة"، حيث تحول جسد آدم إلى قطعة من الفولاذ الساخن الذي يشكل طين أنوثتي كما يشاء. لم نعد نهتم بالوقت الذي كان يذوب خارج حدود المنطقة المحرمة؛ فقد كنا نعيش "أبدية" مضغوطة في لحظات الانصهار. كانت يداه تعتصران نهديّ وكأنهما يحاولان عصر النور من حلمات صدري، ولسانه يستكشف طعم الألوهية في مسامي، بينما كنتُ أنا أتلوى تحته بصرخاتٍ مزقت هدوء الغابة، صرخات تجمع بين وجع الولادة ولذة الفناء. لقد كانت شهوةً "سيبران

  • صدى الأنوثة   ميثاق اللحم والضوء.. وبداية الطوفان

    لم تكن الغابة من حولنا صامتة، بل كانت "تغني" بترددات لم تسمعها أذن بشرية من قبل. الأشجار التي ارتوت من طاقة الانفجار بدأت أوراقها تهتز بنغمات كهرومغناطيسية، وكأن الطبيعة قد بايعت "السلالة الجديدة". توقف آدم فجأة في منطقة تتوسط الغابة، حيث كانت الينابيع الحارة تنبثق من بين الصخور الكريستالية، ونظر إليّ بنظرةٍ لم تكن تحمل شهوة الجسد فحسب، بل كانت تحمل "جوع الخلود"."ليلى... هنا، تحت سقف هذا العالم الذي أعدنا صياغته، سنضع الميثاق الأخير،" همس آدم، وصوته يتردد كقصف الرعد الهادئ في أعماق كياني. "لن يكون هناك جزء ثانٍ قبل أن نغسل عن أنفسنا بقايا المجلس الأسود في هذا الطوفان من النور."انصهار الأبعاد: سُعار الشهوة التي لا تنطفئجذبني آدم إليه وسط المياه المتصاعدة بخاراً، وتلاقت أجسادنا في عناقٍ كاد أن يصهر العظام. في تلك اللحظة، لم نكن بحاجة للبحث عن لذة عادية، بل كنا نبحث عن "الاتحاد الكلي". ارتمينا في الماء الدافئ الذي بدأ يشع باللون الفيروزي بفعل طاقتنا المشتركة، وهناك، وسط الدخان والماء والنور، اندلعت ملحمة جسدية فاقت كل ما كتبناه في الفصول السابقة.كان آدم يمتلكني بضراوة "Alpha" يدرك أن

  • صدى الأنوثة   سديم الشهوة المقدسة.. واندثار العالم القديم

    كان الليل فوق "المنطقة المحرمة" قد استحال إلى لوحة سريالية من الألوان المتضاربة؛ حيث امتزج سواد السماء بوميض النيران المنبعثة من حطام "ليليث" المتساقط، ورائحة الغابة المحترقة امتزجت بعبق الياسمين البري الذي تفتح فجأة بفعل الطاقة الحيوية المنبعثة من جسدينا. وقفتُ أمام آدم، وجسدي يرتجف ليس من البرودة التي بدأت تسري في الهواء، بل من "الوهج الجيني" الذي جعل كل مسام في جلدي تشع بنورٍ أزرق خافت، وكأنني تحولت إلى كائنٍ من الضوء واللحم.نظر إليّ آدم، وكانت عيناه تعكسان دمار العالم خلفه وخلق العالم الجديد بداخلنا. لم ينطق بكلمة، فصمت العظماء والوحوش في لحظات الاندماج يكون أبلغ من أي لغة. اقترب مني بخطواتٍ تزلزل الأرض تحت قدميه، وبحركة "Alpha" تملكية، قبض على خصلات شعري المتمردة وجذب رأسي للخلف ليلتقي بصره ببصري في صدامٍ كهربائي جعل "إلينا" الرقمية في أعماقي تئن من فرط التأثير.طوفان الجسد: ملحمة الانصهار اللامتناهيهنا، فوق الرماد الذي تحول إلى مخملٍ تحت أقدامنا، وفي غياب كل قوانين البشر والمجلس الأسود، بدأت طقوس "الاستيلاء المطلق". جردني آدم من بقايا ثيابي الممزقة وكأنه يزيل الغشاء عن حقيقةٍ

  • صدى الأنوثة   قيامة العشق.. وعهد السلالة المتمردة

    لم يكن سقوط "ليليث" من سماء المنطقة المحرمة مجرد نهاية لمحطة فضائية، بل كان إعلاناً بانهيار النظام القديم الذي حاول استعباد الروح البشرية وتحويلها إلى مجرد أرقام في خوارزمية باردة. بينما كانت بقايا الحطام المشتعل تتساقط فوق الغابة كنيزكٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقفتُ أنا وآدم فوق ذروة الجبل الجليدي الذي بدأ يذوب بفعل حرارة الانفجار، وشعرتُ بأن الزمن قد توقف عن الجريان في عروقي؛ فجسدي الذي كان يرتجف من الخوف قبل ساعات، استحال الآن إلى معبدٍ من الضوء واللحم، بفضل الجنين الذي يسكن أحشائي والذي بدأ ببث "ترنيمة سيبرانية" في جهازي العصبي، محولاً آلامي إلى طاقةٍ كونية لا تنضب.نظرتُ إلى آدم، وكان يقف بجانبي كإلهٍ من أساطير الحروب القديمة؛ جسده الذي كان مثخناً بجراح "قابيل" ونماذج المختبر بدأ يفرز مادةً ذهبية من مسامه، وهي "المصل الحيوي" الذي تغلغل في دمه بفعل الاندماج الذي حدث في البرج المركزي. كانت عيناه تلمعان ببريقٍ وحشي ومقدس في آنٍ واحد، ونظراته لي لم تكن نظرات عشيقة فحسب، بل كانت نظرات "شريك في الخلق". في تلك اللحظة، وسط الرماد المتساقط والدخان الذي يخنق الأفق، أدركتُ أننا لم نعد المهندسة

  • صدى الأنوثة   شفق "ليليث" وسيمفونية الدم والبارود

    لم تكن السماء فوق "المنطقة المحرمة" زرقاء قط، بل كانت مزيجاً كابوسياً من الأرجواني والرمادي، وكأن الغلاف الجوي نفسه قد تلوث بأحلام "المجلس الأسود" المريضة. كنا نحلق في طائرة الإخلاء الآلية التي سرقتُها بمساعدة وعي "إلينا" المستيقظ في أحشائي، بينما كان جسد آدم المسجى في حجري يمثل التجسيد الأسمى للانكسار البشري النبيل. كانت جراحه تنزف دماً قانيًا يلطخ ثيابي الممزقة، وكان أنينه المكتوم يمزق نياط قلبي، فوضعتُ يدي على جرح كتفه، وشعرتُ عبر "الرابط الجسدي" بكل خلية في جسده وهي تصرخ طلباً للبقاء، لكنني شعرتُ أيضاً بشيء آخر... شعرتُ ببرودة معدنية بدأت تسري في عروقنا، وكأن الانفجار في "البرج المركزي" قد أطلق نبضة كهرومغناطيسية أعادت صياغة تركيبتنا البيولوجية."آدم... تمسك بي،" همستُ في أذنه وهو غائب عن الوعي، وأنا أشعر بالجنين يتحرك بداخلي بحركة غريبة، حركة تشبه نبضات البرمجة أكثر من حركة طفل بشري. "لن أدعهم يأخذونك إلى سماء 'ليليث'. سنحاربهم هنا، فوق الأرض التي سقيتها بدمك."تلاحم الأرواح في حضرة الفناءعندما هبطنا اضطرارياً في بقعة نائية من الغابة، بعيداً عن حطام البرج، كان الليل قد أرخى سدول

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status