INICIAR SESIÓNفي تلك الأثناء، كانت دارين تتصل بهاتف هاشم مراراً وتكراراً، لكن إجابة واحدة كانت تجيبها: "الهاتف مغلق". بدأ القلق الفظيع يسري في أوصالها كالسم؛ تساءلت برعب: هل اكتشفوا أن واقعة الحريق مدبرة؟ هل وجدوا دليلا على الفيديوهات التى احتفظ بها احمد ترى ماذا حدث هناك؟! لم تكن تعلم أن هاشم أغلق هاتفه تماماً منذ اللحظة الأولى التي اجتمع فيها بنادية... في شقة نادية... جلست نادية مع هاشم بعد أن ارتديا ملابسهما، وهي تحاول أن تفهم منه ما ينوي فعله في الفترة القادمة. نظر إليها هاشم بنبرة صادقة وقال: ـ "نادية.. حتى أكون صادقاً معكِ، لن أستطيع أن أعدكِ بشيء محدد الآن حتى أرتب أموري جيداً. لو ظهرتِ في فترة سابقة، لكُنتُ تطلقتُ من دارين فوراً ، لكننا عدنا لبعضنا للتو ولا أستطيع صدمتها مجدداً، خاصة أنني أنا من طلبتُ منها العودة. وإذا علمتْ الآن بما حدث، ستتعرض الشركة لانهيار كامل. . وأنتِ لا ترضين بخسارتي، أليس كذلك؟" ردت نادية بهدوء تشوبه الريبة : "بالطبع لا أرضى بخسارتك.. ولكن لماذا عدلتَ عن موقفك فجأة؟ ألم تكن تعتبرني خائنة؟" اقترب منها وقبل رأسها بحنان قائلاً: "أعتذر
كان التناقض في داخل نادية كفيلاً بقتلها؛ جزءٌ منها استسلم كلياً للمسة هاشم الناعمة ولهفته الحارقة إليها، والجزء الآخر مرتعب ومشتت، يفكر في سليم: أين اختبأ؟ وهل يشعر بهما الآن؟ هل يراها ويسمع أصوات أنينها ونشوتها وهي ترتمي في أحضان شقيقه وغريمه؟ عصر الفزع قلبها: كيف سيشعر سليم وهو الذي يعشقها؟ ورغم أنها لا تحمل له أي مشاعر عاطفية ، إلا أنها لم تكن لتنسى معروفه الكبير معها ، وأنه كان الوحيد الذي ساندها وآواها في أحلك أوقاتها. لكن هاشم لم يمنحها فرصة أكبر للتفكير؛ إذ وجدتها بين أضلاعه على السرير الفسيح. استغل هاشم شرودها وجردها بلهفة من كل ما يمكن أن يحجبها عن عينيه، ليعيد إلى روحهما ذكرى أيامهما الخوالي وهما يذوبان معاً في أتون الحب والمتعة. تعالت أصوات صرير السرير وهو يهتز مع حركتهما المتلاحقة، واختلطت بأصوات آهات النشوة واللذة التي كانت كفيلة بانتزاع قلب سليم المعتصر قهراً تحت السرير. واستمرت اللحظات تحترق حتى انتهيا تماماً بعد مرات ومرات من إشباع الشغف والاشتياق المتراكم. تمدد هاشم بجوارها يلتقط أنفاسه المجهدة ويلهث بلهفة، ضاماً جسدها العاري ال
تجمّدت نادية في مكانها، واتسعت عيناها بذهول شلّ تفكيرها، بينما تراجعت أنفاسها إلى أقصى صدرها وهي تُطالع ملامح هاشم الماثلة أمامها. لم يُمهلها هاشم ثانية واحدة؛ اندفع نحوها بلهفة جنونية، ونظر إليها بملامح يمتزج فيها الفرح الشديد بالذهول، قبل أن يطبق كفيه الدافئين على وجنتيها المرتجفتين كأنه يتحقق من وجودها: ـ "نادية!.. أنتِ حقاً على قيد الحياة؟! لم تموتي؟!" ولم ينتظر إجابة؛ سحبها إلى أحضانه بقوة حارقة، واعتصر ظهرها بساعديه ليضمها إلى صدره كأنه يحاول إدخالها بين أضلاعه ، وعيناه تفيضان بدموع محبوسة ، يطبع قبَلات متلاحقة بلهفة على رأسها ووجهها ووجنتيها . استكانت في قبضته لكسر من الثانية تحت تأثير الصدمة، ثم تمالكت نفسها ونظرت إليه باستغراب وجسدها يرتجف: ـ "كيف... كيف عرفت مكاني؟!" دخل هاشم إلى الشقة وأغلق الباب خلفه بقدَمه دون أن يفلت يدها. هتفت نادية برعب يتسلل إلى عروقها، وقلبها يخفق بكتمة من الفزع أن يلمح سليم في المكان: ـ "إلى أين أنت داخل؟! هاشم... اخرج!" تجاهل رجاءها، وأمسك يدها بصرامة وجذبها نحو الصالة الصغيرة. أدارت نادية عينيها في أرجاء المكان بلهف
أشاح سليم ببصره بذكاء متصنعاً عدم الاهتمام: بعد سؤال ناديه فاجاب بهدوء وثبات "لم أعد ألاحقهم أو أهتم بأخبارهم.. وجدتُ أنكِ لم تعدِ تشغلين بالكِ بموضوع الانتقام منهم، فالتفتُّ إلى أعمالي وأبحاثي؛ فالأعمال كثيرة جداً هذه الأيام ولستُ متفرغاً لأي شيء آخر.. ماذا عنكِ أنتِ؟" ردت نادية وهي تضع أطباق الطعام الشهية أمامه: ـ "أنا أجلس هنا وأفعل الشيء الوحيد الذي تعلمته في حياتي وهو التداول عبر الإنترنت؛ أودعتُ مبلغا بسيطاً في الحساب الجديد للتداول، والباقي أعيش منه بكرامة. . ولكنني أريد أن أطلب منك شيئاً مهماً يا سليم." نظر إليها سليم باهتمام مشوب بالفضول : "تفضلي يا نادية.. ماذا تريدين؟" طأطأت رأسها بقلق ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة حائرة: ـ "هويتي الشخصية.. كيف أستردها أو أصنع أخرى جديدة؟ أنت تعلم أنني لا أستطيع التحرك أو السفر أو إنجاز أي معاملة رسمية بدون أوراق هوية تثبت وجودي." جلس سليم ينتظر الطعام، بينما كان عقله ينسج الاحتمالات والخطوات التالية بحذر شديد. ـ "حسناً، دعيني أبحث أولاً فيما إذا كان والدكِ قد استخرج شهادة وفاة حقيقية لكِ، أ
عاد هاشم إلى الفيلا مصدوماً، يجر قدميه بذهول تام ولا ينطق ببنت شفة من هول المنظر. استقبلته دارين بلهفة متصنعة، وسألته بارتباك خافض: ـ "هاشم! ماذا حدث؟! أخبرني أرجوك!" جلس هاشم على حافة السرير كالميت ، والدموع تتساقط من عينيه بكسرة وحرقة . اقتربت منه دارين واحتضنته بعمق، ودَفَنَت رأسه في صدرها وهي تمرر أطراف أصابعها على شعره بحنان مزيف، وسألته بصوت خفيض: ـ "هل هناك أي أخبار عن أحمد؟ هل نجا؟" هز هاشم رأسه بنفي قاطع ومؤلم. أغمضت دارين عينيها في ارتياح مكتوم، وقبّلت رأسه وهي تتصنع الحزن والذهول : ـ "يا للهول! كيف يحدث كل هذا بين يوم وليلة؟!" وفي شقة سليم... كان يتابع الأخبار العاجلة على مواقع التواصل الاجتماعي ، وفجأة انتفض واقفا برعشة ذهول وهو يطالع صور الحريق والجثة المتفحمة! تحدث مع نفسه بنبرة صدمة وارتياب: (أليست هذه شقة أحمد صديق هاشم؟! هل يعقل أن تكون دارين هي من تسببت في هذا الحريق لتتخلص من تهديده؟! يبدو أن النهاية تقترب بسرعة ودون جهد مني.. وسنرى آل الشندويلي وهم يتساقطون ويتعرضون للفضيحة الكبرى قريبًا!) أمسك سليم هاتفه بقلة صبر وتر
عادت دارين إلى الفيلا، ورأسها يغلي بكوابيس الخديعة والمذلة. أخذت تطوف في صالتها الشاسعة وتسأل نفسها بقهر: (كيف يفعل أحمد بي ذلك؟! أليس المفترض أنه يحبني؟! أهكذا يكون الحب.. ابتزاز وفضيحة وتمزيق لكرامتي؟!) وفجأة، توقفت حركتها الهستيرية، ولمعت في عينيها نظرة شر حادة وقاسية، وهمست بصوت ملؤه الغل: "حسناً يا أحمد.. أنت من اخترت اللعب بالنار، واستعد لنتائج اختيارك!" وفي شقة نادية الصغيرة، كانت ترتيبات الانتقام تتسارع بدقة . ارتدت باروكتها السوداء القصيرة ذاتها، وتوجهت بثقة إلى الشارع المقابل لشركة هاشم في موعد خروجه. وقف هاشم يترجل من بوابة الشركة، وفجأة، تسمرت عيناه على الرصيف المقابل! هذه المرة لم يتردد أو يفرك عينيه؛ بل اندفع بسرعة جنونية محاولاً قطع الشارع وهو يثبت نظره عليها كالمسحور. ولكن، وقبل أن يصل إليها بثوانٍ، توقفت حافلة نقل عام ضخمة حجبت عنه الرؤية تماماً. وما إن تحركت الحافلة مبتعدة، حتى كان الرصيف خاوياً! وقف هاشم في منتصف الطريق، والسيارات تطلق أبواقها حوله، يتنفس بصعوبة ويصرخ في داخله: (لا! هذه ليست خيالات ولا هواجس! إنها نادية ب







