ログインبين اللهيب والقدر الفصل الأول: لقاء غيّر كل شيء كانت الساعة تقترب من الثامنة مساءً عندما غادرت ليان مبنى دار النشر التي تعمل فيها. حملت حقيبتها الجلدية، ولفّت وشاحها حول عنقها لتقاوم نسيم الشتاء البارد. كان يومًا طويلًا مليئًا بالمراجعات والاجتماعات، وكل ما كانت تتمناه هو كوب قهوة ساخن وبعض الهدوء. في الجهة المقابلة من الشارع، أضاء مقهى صغير واجهته الزجاجية بألوان دافئة. اعتادت أن تمر بجواره كل يوم، لكنها لم تدخله من قبل. في تلك الليلة، شعرت أن شيئًا ما يدفعها إلى تغيير روتينها. جلست قرب النافذة، وطلبت قهوتها المفضلة، ثم أخرجت رواية كانت تؤجل قراءتها منذ أسابيع. وما إن فتحت الصفحة الأولى حتى سمعت صوتًا هادئًا يقول: "أعتذر... هل هذا المقعد شاغر؟" رفعت رأسها، فرأت رجلًا طويل القامة، أنيق المظهر، يحمل حاسوبًا محمولًا وعدة ملفات. كانت ملامحه تجمع بين الصرامة والهدوء، وفي عينيه نظرة توحي بأنه يخفي قصة طويلة. أجابت بابتسامة خفيفة: "تفضل." جلس وهو يشكرها، ثم انشغل في عمله. مرّت دقائق في صمت، لم يقطعه سوى صوت المطر وهو يطرق زجاج المقهى. فجأة انزلقت الرواية من يد ليان وسقطت على الأرض. انحنى الرجل في اللحظة نفسها ليلتقطها، فاصطدمت يداهما برفق. ابتسم وقال: "يبدو أن الكتاب أراد أن يعرّفنا ببعض." ضحكت ليان لأول مرة منذ أيام. "أو ربما ملّ من الصمت." مدّ يده إليها قائلًا: "أنا آدم." صافحته وهي تقول: "ليان." كان اللقاء عابرًا، لكنه ترك في قلب كل منهما شعورًا غريبًا، وكأن القدر رتّب تلك اللحظة منذ سنوات. تبادلا حديثًا قصيرًا عن الكتب والسفر والعمل. اكتشفت ليان أن آدم رجل أعمال عاد إلى المدينة بعد غياب طويل، بينما أخبرته أنها تحلم بكتابة رواية تغير حياة الناس. نظر إليها بإعجاب وقال: "أحيانًا لا تغيّر الروايات العالم... لكنها تغيّر شخصًا واحدًا، وهذا يكفي." بقيت كلماته تتردد في ذهنها حتى بعد أن غادرت المقهى. في الخارج، كان المطر قد توقف، لكن رائحة الأرض المبتلة ملأت المكان. عرض آدم أن يوصلها
もっと見るالجزء الأولكان الطريق إلى محطة القطار القديمة خاليًا إلا من أضواء السيارات المتناثرة. جلس آدم خلف المقود، بينما كانت ليان تحدق من النافذة، تستعيد في ذهنها كلمات والدها المسجلة على الشريط.قال كريم وهو ينظر إلى ساعته:"تبقى أربعون دقيقة فقط على منتصف الليل."رد آدم دون أن يرفع عينيه عن الطريق:"إذا كانت هذه دعوة إلى فخ، فسنعرف ذلك قريبًا."أما مازن، فظل صامتًا، وكأنه يخفي شيئًا لم يحن وقت البوح به.لاحظت ليان ذلك، فسألته:"هل تعرف الدكتور سليم أكثر مما أخبرتنا؟"تنهد مازن طويلًا، ثم قال:"كنت أراه كثيرًا مع والدك، لكنه لم يكن يتحدث إلا قليلًا. كان يؤمن بأن الأرقام لا تكذب، ولهذا كان أول من اكتشف التلاعب في حسابات الشركة."سأله كريم:"ولماذا اختفى؟"هز مازن رأسه."لأنه أصبح يعرف أكثر مما يجب."وصلت السيارة إلى المحطة قبل منتصف الليل بعشر دقائق.كان المبنى مهجورًا، تتناثر فوق أرضيته أوراق قديمة، بينما توقفت عقارب الساعة المعلقة فوق الرصيف عند الثانية عشرة تمامًا، وكأن الزمن توقف في ذلك المكان منذ سنوات.نزل الأربعة بحذر.هبّت رياح باردة عبر السكة الحديدية، فارتفع صوت صفيرها بين العربات
الجزء الأولتجمد الجميع في أماكنهم عندما سمعوا باب المنزل القديم يُفتح ببطء، ثم ارتفعت أصوات خطوات تقترب من القبو.أطفأ كريم المصباح اليدوي وهمس:"ابقوا خلف الصناديق."وقفت ليان إلى جوار آدم، بينما كان مازن يراقب الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي بعينين لا تغفلان عن شيء.توقفت الخطوات.ثم جاء صوت رجل يقول:"لا تطلقوا النار... جئت وحدي."نظر آدم إلى كريم، ثم صعد الدرج بحذر.ما إن وصل إلى أعلى السلم حتى وجد رجلًا في أوائل الأربعينيات، يرتدي ملابس بسيطة ويرفع يديه في إشارة إلى أنه لا يحمل سلاحًا.قال الرجل بهدوء:"اسمي ياسر."سأله آدم بصرامة:"كيف عرفت أننا هنا؟"أجاب:"لأنني كنت أراقب هذا المنزل منذ سنوات."خرج الجميع من القبو، لكن ليان بقيت تنظر إليه بريبة.قالت:"ولماذا؟"تنهد ياسر، ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.ناولها إلى ليان.شهقت عندما رأت الصورة.كانت تجمع والدها، ووالد آدم، ورجلًا ثالثًا يقف مبتسمًا إلى جانبهما.وأشار ياسر إلى ذلك الرجل."هذا والدي."ساد الصمت.وأضاف:"كان شريكًا مع والدَيكما... لكنه اختفى قبل أن تنكشف الحقيقة."اقترب آدم من الصورة."لماذا لم تظهر من قبل؟"خفض ياسر ر
الجزء الأولكان المطر لا يزال يهطل بخفة عندما انطلقت سيارة آدم تشق شوارع المدينة القديمة. جلس الجميع في صمت، وكل منهم غارق في أفكاره.كانت ليان تمسك ساعة والدها بين يديها، تفتح غطاءها بين الحين والآخر، وكأنها تبحث عن رسالة أخرى مخبأة داخلها. أما آدم، فكان يراقب الطريق بعينين يقظتين، بعدما أصبح مقتنعًا بأنهم مراقبون في كل خطوة.قطع كريم الصمت قائلًا:"راجعت الخرائط القديمة للمكتبة."نظر إليه آدم."وماذا وجدت؟""المبنى بُني قبل أكثر من مئة عام، وفيه طابق سفلي لم يعد موجودًا في المخططات الحديثة."رفع مازن رأسه وقال:"لأن أحدًا تعمد إخفاء وجوده."التفت الجميع إليه.أضاف بصوت هادئ:"كان والد ليان يقول دائمًا إن بعض الوثائق لا يجوز أن تراها العيون الخطأ."بعد نحو نصف ساعة، ظهرت المكتبة القديمة في نهاية شارع ضيق تحيط به المباني الأثرية.كانت واجهتها الحجرية شاهقة، تتخللها نوافذ طويلة يغطيها الغبار، بينما ارتفع باب خشبي ضخم تعلوه ساعة متوقفة منذ سنوات.وقفت ليان تتأمل المكان.همست:"أتذكر هذا الباب... كنت أدخل منه وأنا طفلة."ابتسم مازن."وكان والدك يتركك تختارين كتابًا في كل زيارة."ارتسمت ع
الجزء الأوللم ينم أحد منهم تلك الليلة.ظل الرقم 24 يتكرر في أذهانهم، وكأنه مفتاح ينتظر من يكتشف الباب الذي يفتحه.في صباح اليوم التالي، اجتمع آدم، وليان، وكريم في مكتب آدم. كانت الأوراق والصور والوثائق تغطي الطاولة، بينما عُلقت خريطة كبيرة على الجدار، وبدأت الخيوط المتفرقة ترتبط ببعضها شيئًا فشيئًا.قال كريم وهو يشير إلى الصورة القديمة:"فتشت جميع الملفات التي أخذناها من المستودع، ولم أجد أي إشارة مباشرة إلى الرقم أربعة وعشرين."أخذ آدم الصورة مرة أخرى، ثم مرر أصابعه على حوافها."ربما الرقم لا يشير إلى وثيقة... ربما يشير إلى مكان، أو صندوق، أو حتى تاريخ."أما ليان، فكانت تقلب صفحات مذكرات والدها بتركيز شديد.وفجأة توقفت.قالت بحماس:"وجدت شيئًا."اقترب آدم وكريم منها.أشارت إلى صفحة صغيرة كُتب في أعلاها بخط والدها:"إذا ضاعت الحقيقة، فابحثوا في الرسالة الرابعة والعشرين... فهي آخر ما كتبته قبل أن يختفي كل شيء."ساد الصمت.قال آدم:"إذن الرسالة موجودة فعلًا."سألت ليان:"لكن أين؟"أغلقت الدفتر، ثم تذكرت شيئًا."كان والدي يملك صندوقًا حديديًا في مكتبه القديم داخل الشركة التي عمل بها قبل





