INICIAR SESIÓNانقشع ظلام تلك الليلة الطويلة،
لتشرق شمس الصباح حاملةً معها فصلاً جديداً من التوتر والصراعات الصامتة داخل جدران قصر الشندويلي. استيقظت نادية والعبء يثقل صدرها الصغير؛ كانت قابعة في غرفتها، تحتضن جسدها بخوف وهلع من بطش دارين وسخام ليلتها الماضية. كانت الأفكار تتضارب في رأسها كأمواج عاتية، ولم يقطع حبل توجسها إلا صوت مقبض الباب وهو يتحرك بعنف. تذكرت أنها أغلقته بالمفتاح من الداخل خوفاً، فانتفضت من مكانها بوجل لاهثة، وأدارت المفتاح مسرعة لتفتح الباب. دلف كبرياء دارين إلى الغرفة قبل جسدها، ونظرت إليها بعينين تشتعلان صلفاً وقالت بنبرة حادة: "لماذا هذا الباب مغلق؟!" وقبل أن تجيب نادية، امتدت يد دارين بحركة سريعة وخاطفة، وانتزعت المفتاح من قفل الباب بصرامة مكملة: "هذا الباب لن يُغلق مجدداً من الداخل أبداً.. تفهمين؟ والآن، ماذا فعلتِ منذ الصباح؟" ردت نادية بصوت متحشرج تكاد الحروف تخرج من حنجرتها بصعوبة بفعل البكاء والخوف: "لم.. لم أفعل شيئاً يا سيدتي.. بقيتُ هنا في غرفتي." انطلقت من شفتي دارين ضحكة ساخرة تحمل بين طياتها شراً دفيناً، وفجأة امتدت يدها بقسوة وجذبت نادية من خصلات شعرها المموج بعنف، لتقرب وجهها المذعور منها وهتفت بفحيح أفعى: "أنتِ هنا مجرد خادمة في قصري! هل ظننتِ للحظة أنكِ أصبحتِ سيدة هذا المنزل بمجرد اتفاق لعين؟! ستنزلين فوراً وتساعدين الخدم في المطبخ والأعمال السفلية.. هل تفهمين؟!" دمعت عينا نادية من شدة الألم، وحاولت تخفيف قبضتها قائلة بتوسل: "آه.. حاضر يا سيدتي، سأنزل فوراً.. شعري أرجوكِ..." أفلتتها دارين باحتقار دفعت بجسدها الصغير لتترنح أرضاً ، واستدارت لتنزل الدرج والغضب لا يزال يملأ أحشاءها. لكن ما إن رأت "هاشم" يقف في الردهة الفخمة مرتدياً بدلته الرسمية بكامل أناقته كرئيس تنفيذي، حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة ساحرة، وتبدل حالها تماماً وكأنها لم تكن تقطر شراً منذ ثوانٍ. اقتربت منه بدلال قائلة: "حبيبي.. هل أنت جاهز لنذهب معاً إلى الشركة؟" التفت إليها هاشم بابتسامة هادئة، وطبع قبلة حانية على خدها: "نعم يا حبيبتي.. جاهز. نتناول فطورنا سوياً أولاً ثم نتحرك، فلدينا جدول أعمال حافل جداً اليوم." في غرفة الطعام الكبرى، كانت الأجواء مشحونة بصمت ثقيل. نزلت نادية مطأطئة الرأس، ترتدي ملابس الخدم البسيطة ، وبدأت تضع الأطباق على المائدة بيدين ترتجفان. لم تقو طوال الوقت على رفع عينيها لتلتقي بعيني هاشم. لاحظ هاشم حركتها، واعتصر حاجبيه بضيق لم يستطع إخفاءه . نظر إلى دارين الجالسة أمامه بنظرات عاتبة وحادة، كأنه يسألها بصمت: "ماذا تفعل هذه الفتاة هنا ولماذا تخدم؟!" فهمت دارين نظراته فوراً، فالتفتت إلى نادية وقالت بجفاء واستعلاء: "حسناً.. اذهبي الآن واتركينا بمفردنا، إذا احتجنا شيئاً سنناديكِ." أسرعت نادية بالخروج كمن يهرب من حبل المشنقة. ما إن اختفت عن الأنظار حتى وضع هاشم شوكته، وأمسك يد دارين بضغط عاتب قائلًا بصوت منخفض: "دارين.. لماذا جعلتها تعمل مع الخدم بالأسفل؟ لم يكن هذا اتفاقنا!" نظرت إليه دارين ببرود، وسحبت يدها برقة ممتزجة بالعناد: "وهل هي ليست خادمة؟ إنها تعمل في البيوت منذ صغرها يا هاشم، هذا هو مكانها الطبيعي." تنهد هاشم بضيق وقال بنبرة تحذيرية مخفوضة: "دارين.. أرجوكِ، لا تخلطي الأمور." قاطعته دارين بحدة سيدة الأعمال التي لا تقبل النقاش في إمبراطوريتها: "هاشم.. أرجوك أنت، اتركني أدير شؤون بيتي كما أريد!" تنفس هاشم بغضب مكتوم، وعاد لتناول طعامه ببرود كبحه كبرياؤه، مفضلاً عدم تصعيد النقاش معها في الصباح حتى لا يتلف جدول عملهما المشترك. بعد دقائق، وقفت دارين مع هاشم عند الباب الخارجي للقصر ، وقالت بابتسامة رقيقة: "حبيبي، اسبقني أنت إلى السيارة وسأتبعك خلال دقيقة واحدة." أومأ لها وخرج، وما إن غاب جسده وراء الباب حتى تبدلت ملامح دارين إلى الصرامة. التفتت حولها ونادت بصوت حازم: "فاطمة!.. تعالي إلى هنا فوراً." أقبلت رئيسة الخدم العجوز مسرعة: "نعم يا دارين هانم؟" أمسكت دارين بذراعها، ونظرت في عينيها بحدة قائلة: "اسمعيني جيداً يا فاطمة.. عيناكِ تكونان على هذه الفتاة (نادية) في كل ثانية. لا ترهقيها كثيراً في العمل الشاق لأننا نريدها بصحة جيدة، ولكن... إذا عاد هاشم بيه إلى القصر في أي وقت، أو حاول التحدث إليها، تتصلين بي فوراً وبدون أن يشعر أحد.. هل هذا مفهوم؟" أومأت فاطمة برأسها بوجل: "أمركِ يا هانم، سأفعل ما قلته تماماً." ابتسمت دارين بانتصار، وعدّلت من هندام حقيبتها الفاخرة، ثم خرجت بخطوات واثقة لتلحق بزوجها، تاركة خلفها شبكة من العيون والجواسيسبعد عدة أيام، حان موعد مغادرة المستشفى بعد تمام الشفاء التام لنادية وطفلها الصغير ساجد. اصطحبهما سليم في موكب فاخر ومحاط بالرعاية إلى قصرهما الفسيح، الذي تزيّن ببهجة استثنائية وأضواء دافئة استقبالاً للطفل واحتفالاً بعودته إلى أحضان أمه الحقيقية. دخلت نادية البهو الفسيح وهي تحمل الصغير بين ذراعيها ، تضمه إلى صدرها بلهفة وحنان لا يوصف، وتستنشق عبيره العذب بدموع ترقرق في عينيها من شدة الفرح والسكينة. أمالت رأسها على كتف سليم الذي كان يسير بجوارها ممسكاً بخصرها بدفء وقالت بصوت متهدج يفيض بالشجن: ـ "لا أصدق نفسي حتى الآن يا سليم.. أحتضن طفلي الحقيقي بين يدي بعد كل هذه الفتره من الوجع والحرمان! لم يخطر في بالي أبداً أن الأقدار ستكشف هذه الخديعة وتمنحني أملي المفقود .. ولكنني لن أترك أولئك الأشرار، ولن أفرط في حق طفلي وما اقترفوه بحقه!" ابتسم سليم بدفء وأمان، وجذبها من يدها ليجلسها على الأريكة المريحة، ثم انحنى وقبل رأسها ورأس الصغير بلهفة ، وقال بنبرة واثقة وحاسمة: ـ "لا تقلقي يا حبيبتي.. لقد تحركتُ بالفعل قانونياً وأنا بجواركِ في المستشفى؛
بعدما طمأن الأطباء الجميع على نجاح زراعة النخاع واستقرار حالة الصغير، غادر هاشم المستشفى وجسده يشتعل بغضب أعمى. وعلى المقعد المتحرك، كانت ثريا هانم تجلس مشلولة الحركة ، قد أصابتها جلطة مفاجئة إثر الصدمة المروعة؛ فالطفل الذي أمرت بقتله قديماً والتخلص منه، اتضح أنه الحفيد الوحيد والفريد لابنها هاشم ، لتذوق مرارة إثمها وظلمها وهي عاجزة حتى عن النطق. وصل هاشم إلى الفيلا القديمة كالثور الهائج، ودفع الأبواب بقسوة وهو يصرخ باسم دارين. وجدها تجلس في البهو ترتجف خوفاً ، فتقدم منها بخطوات عاصفة، وقبل أن تتفوه بحرف ، امتدت يده القوية ولطمها على وجنتها بصفعة مدوية جعلتها تتترنح وتوشك على السقوط أرضاً. ولم يكتفِ بذلك؛ بل امتدت يده بجنون وجذبها من شعرها بقسوة وهزها بعنف، في مشهد متكرر وكأن الزمن يعيد نفسه حين كانت هي وثريا تضربان نادية قديماً في مثل هذا البهو. صرخ هاشم بوجهها الشاحب وعيناه تطيران شرراً: ـ "أريد أن أعرف الحقيقة الآن يا خائنة! ماذا حدث وكيف وصل طفل نادية إليكِ؟! أين ذهب طفلكِ أنتِ؟! لقد كنتُ أرى بطنكِ تكبر شيئاً فشيئاً أمامي طوال تسعة أشهر، فك
مرّ اليومان على نادية كأنهما دهر كامل؛ لم تذق فيهما طعم النوم، ولم تفارق مقعدها الخشبي المتاخم لزجاج العناية المركزة، تدعو الله وتستعيد في ذهنها كل ملامح الصغير "ساجد". وفي المقابل، كان هاشم قد احتجز دارين داخل جدران الفيلا القديمة تحت حراسة مشددة، يمنعها من الخروج أو الحديث حتى تكشف التحاليل حقيقة هذه المهزلة التي زلزلت أركان العائلة. وفجأة، شق هدوء الممر الموحش خطو أقدام الطبيب وهو يحمل بين يديه ملف النتائج النهائية. انتفضت نادية من مكانها بقلب يخفق بشدة، وعينان تفيضان ببريق الأمل والخوف معاً. تجمع سليم وهاشم وثريا هانم حول الطبيب في ذهول وترقب قاطعين الأنفاس. توقف الطبيب، ونظر إلى نادية بابتسامة دافئة تزين وجهه ، ثم قال بنبرة جليلة أثارت قشعريرة في أرجاء المكان : ـ "تجهزي للعملية فوراً يا أم ساجد. . النتيجة إيجابية ومطابقة بنسبة مئة بالمئة، وابنك البطل يحتاج إليكِ الآن لينجو!" في تلك اللحظة الخاطفة، كادت الأرض تميد تحت قدمي نادية من شدة الفرحة. استدارت بلهفة وجنون نحو سليم، وارتمت في أحضانه تبكي بحرقة وسعادة لم تعهدها من قبل، تشكر الله الذي أع
وقف الجميع في أروقة المستشفى الفاخر يتملكهم التوتر والترقب القاتل، في انتظار خروج نتائج التحاليل الجينية التي ستحدد مصير الصغير ساجد. كانت نادية تقف بجوار دارين ، وتضع يدها على كتفها بحنو ورحمة راقية، تحاول تهدئة روعها ومواساتها رغم كل ما مضى: ـ "لا تقلقي يا دارين.. سيكون بخير بإذن الله، أطمئني وتفائلي خيراً." وفجأة، انفتح باب المكتب وخرج الطبيب يجر خطواته ببطء ، وعلامات الذهول الشديد تعلو وجهه، ممسكاً بالتقارير الطبية. نادى بملامح مشدودة: ـ "هاشم بيه.. دارين هانم.. تفضلا، هناك شيء غريب جداً وغير مفهوم في نتائج التحاليل، وقد أعدتها أكثر من مرة لتأكيد الصدق الطبية!" في تلك اللحظة الخاطفة، بدأت دارين تفرك كفيها ببعضهما برعب واضطراب قاتل، وتصبب العرق الشاحب من جبهتها؛ ودارت في رأسها ظنون سوداء وهي تهمس لنفسها بفرع : "هل عرف الطبيب أنني لست والدته الحقيقية وأن هاشم ليس أبوه؟! أم ماذا حدث بالظبط؟!" تقدم هاشم بلهفة وقلق عارم وسأل: ـ "ماذا هناك أيها الطبيب؟! طمئنا أرجوك!" تنفس الطبيب الصعداء وقال بنبرة قاطعة هزت أرجاء المكان: ـ "لقد أعدتُ الفحوصات والتحاليل ف
مرت شهور من السعادة والهناء على نادية وسليم ، شهدت خلالها حياتهما سكوناً أسطورياً لم يتكدر بصفو ؛ انقضت أشباح الماضي ، وأورقت القلوب بالحب الصادق والسكينة داخل أروقة قصرهم المضيء . وفي يوم كانا يجلسان فيه معاً يتبادلان أطراف الحديث الهادئ ، قُطع الهدوء فجأة بدخول هاشم مكسوراً ومسحوقاً . اقتحم البهو بخطوات متخبطة ، والدموع تنهمر من عينيه الشاحبتين، وملامحه الشاحبة تشي بهلع قاتل . وقف أمام سليم ونادية ، وخرّ على ركبتيه بقلة حيلة وترجٍّ يمزق القلوب ، وصاح بصوت حزين يخنقه البكاء: ـ "سليم! الحقني يا أخي.. ابني يضيع مني! أرجوك ساعدني!" وقف سليم ونادية مندهشين من منظره وانهياره المفاجئ ، وسأله سليم بصوت يملؤه الذهول والشفقة: ـ "ماذا حدث له؟! ماذا أصاب الصغير؟!" مسح هاشم وجهه بكفيه المرتجفتين وقال والرجاء يقطر من نبرته: ـ "ارتفعت حرارته فجأة وساءت حالته.. ذهبتُ به إلى المستشفى، فطالب الطبيب بعمل فحوصات دقيقة وباهظة الثمن لا أملك من قيمتها جنيهاً واحداً! أرجوكما ساعداني.. لقد تركته مع أمه في المستشفى وجئتُ أركض إليكما. . أرجوكِ يا نادية هانم ، أنا أعلم أنني اس
في البهو الفسيح بقصر نادية وسليم، خيّم هدوء ساحر تملؤه السكينة والسكينة الخالصة. كانا يجلسان معاً على الأريكة الجلدية الفاخرة يتأملان شاشة التلفاز بنظرات هادئة ، بينما يلف سليم ذراعه الصلبة حول خصر نادية، يضمها إلى صدره كأنه يخبئ أثمن جواهره من العالم. التفت سليم ببطء، ومال برأسه نحوها بعيون تفيض بعشق عميق طال كتمانه. استنشق عبير شعرها الفواح، وقبلها من رقبتها بقبلة دافئة رقيقة أذابت كل الذكريات القاسية من روحها، ثم نظر في عينيها متحدثاً بصوت خفيض يقطر حناناً: ـ "ألم يحن الأوان لنتزوج رسمياً ونقيم حفل زفاف أسطورياً تتحدث عنه البلد بأكملها يا حبيبتي؟" اتسعت عينا نادية ببريق ساحر ممتزج بذهول طفولي ناعم ، ورفعت يدها لتتلمس وجنته بذهول محبوب تسأل باستفهام يملؤه الفرح: ـ "حقاً يا سليم؟! هل سأرتدي فستان زفاف أبيض وأقيم فرحاً كأي عروس؟" ابتسم سليم بدفء وشغف، وجذب كفها ليقبله بلهفة وقال: ـ "سيكون أكبر وأجمل حفل زفاف يمكن أن ترينه في حياتكِ كلها! وسأحضر لكِ أجمل وأغلى فستان زفاف تصميماً من الخارج ليكون يليق بملكة قلبي.. ما رأيكِ؟" أمالت نادية رأسها على صدره الد







