LOGINبقيتُ للحظات أحدق في آسر بعد تلك اللحظة، وكأن عقلي احتاج إلى وقت طويل حتى يستوعب ما حدث.
لم أعرف ماذا أقول، ولا حتى أين أنظر... خفضتُ عيني إلى الأرض، وشعرتُ بحرارة واضحة تشتعل في وجهي. أما آسر فكان يبتسم. لم يقل شيئاً في البداية، وكأنه يعرف أن أي كلمة إضافية ستجعل ارتباكي يصبح أسوأ، ثم قال بهدوء: ـ هل ما زلتِ سعيدة؟ رفعتُ عيني إليه للحظة، ثم خفضتهما بسرعة: ـ جداً.. وأكثر مما كنتُ أتوقع.استيقظت في صباح اليوم التالي على صوت حركة خفيفة بجواري.فتحتُ عينيّ ببطء، ثم التفتُّ نحو مادلين.كانت مستيقظة منذ وقت، تجلس على طرف السرير وهي ترتب شعرها، وقد ارتدت ملابس مناسبة للخروج.حدقتُ فيها للحظات، ثم أغمضتُ عينيّ من جديد.ـ لا...سمعتها تضحك:ـ ماذا؟ـ لا أريد أن أستيقظ.ـ لكنني أريدكِ أن تستيقظي لنخرج معاَ.سحبتُ الغطاء فوق رأسي:ـ يمكنكِ الذهاب وحدكِ.ـ لا أستطيع، لأن لدينا مغامرة جديدة اليوم.اختفى النعاس من عينيّ:ـ وما هي؟ـ آسر هو الذي يعرف.وبعد أن جهزنا أنفسنا، نزلنا إلى الطابق السفلي، فوجدنا آسر ينتظرنا قرب الباب الخلفي للمزرعة.كان يحمل حقيبة صغيرة على ظهره، وبجواره خريطة قديمة مطوية.نظرتُ إلى الخريطة، ثم إليه:ـ ما هذه؟ابتسم:ـ اليوم لدينا مغامرة جديدة، سنذهب إلى شلال صغير خلف المزرعة.اقتربت مادلين بحماس:ـ أخيراً... كنتُ أخشى أن تجعلنا نقضي اليوم كله في المطبخ.
بقيتُ للحظات أحدق في آسر بعد تلك اللحظة، وكأن عقلي احتاج إلى وقت طويل حتى يستوعب ما حدث. لم أعرف ماذا أقول، ولا حتى أين أنظر... خفضتُ عيني إلى الأرض، وشعرتُ بحرارة واضحة تشتعل في وجهي. أما آسر فكان يبتسم. لم يقل شيئاً في البداية، وكأنه يعرف أن أي كلمة إضافية ستجعل ارتباكي يصبح أسوأ، ثم قال بهدوء: ـ هل ما زلتِ سعيدة؟ رفعتُ عيني إليه للحظة، ثم خفضتهما بسرعة: ـ جداً.. وأكثر مما كنتُ أتوقع. اتسعت ابتسامته قليلاً، وقبل أن أجد شيئاً آخر أقوله، وصلنا صوت مادلين من بعيد: ـ سارة! آسر! حان وقت العودة. شعرتُ براحة غريبة؛ على الأقل لن أضطر إلى البقاء هنا أكثر وأنا لا أعرف كيف أتصرف. نهض آسر أولاً، ثم مد يده لي. أمسكتها، ونهضت بمساعدته: ـ لنذهب. ـ نعم. مشينا نحو المنزل، وأنا أحاول أن أتصرف بشكل طبيعي، لكنني كنت أعرف أنني لا أنجح كثيراً في ذلك. وم
بعد أن استرحنا قليلاً، قررت مادلين أن علينا استكمال الجولة وقالت: ـ لم نرَ الإسطبل بعد. رفعتُ رأسي: ـ الإسطبل؟ ابتسم آسر: ـ هذا هو جزئي المفضل. قالت مادلين بحماس: ـ طبعاً، وأنا لم آتِ إلى هنا لأجمع الخضار فقط! ضحكتُ: ـ وأنا لم أركب حصاناً في حياتي. نظر إليّ آسر: ـ إذن، ربما حان الوقت لتجربي. ترددتُ: ـ لا أعرف إن كنت أستطيع. لم يحاول إقناعي: ـ لا داعي للخوف، فأنا معكِ. نظرتُ إليه، وشعرتُ بالراحة لمجرد أنه قالها بهذه البساطة. ثم اتجهنا نحو الإسطبل. كان المكان هادئاً، ورائحة العشب والخشب تملأ الهواء. اقترب آسر من أحد الأحصنة، ومد يده إليه، ثم ربت على عنقه بهدوء. راقبته باهتمام؛ كان مختلفاً هنا... في المستشفى كان الطبيب الهادئ الذي يراقب كل حركة مني، وفي منزلي كان الرجل الذي أعرفه وأحبه، أما هنا فبدا أكثر عفوية، وكأن هذا المكان أعاد إليه جزءاً قديماً منه. التفت إليّ ثم ناداني: ـ تعالي. اقتربتُ بحذر: ـ ألن يعضني؟ ابتسم: ـ لن يفعل. ـ أنت متأكد؟ ـ نعم. وقف بجانبي، وأمسك يدي برفق، ثم قربها من الحصان. ترددتُ للحظة قبل أن ألمس عنقه؛ كان دافئاً وهادئاً. تحرك قليلاً،
لم أكن أعرف أن النوم في مزرعة يمكن أن يكون مختلفاً إلى هذا الحد. بعد أن انتهينا من جولتنا في المنزل والحديقة، أخبرنا آسر أن الغرفة الموجودة في الطابق العلوي أصبحت لنا أنا ومادلين، بينما اختار لنفسه غرفة أخرى في الجهة المقابلة من الممر. في البداية، ظننتُ أنني سأنام بسرعة؛ كنتُ متعبة من الطريق، ومن كل ما حدث خلال اليوم، لكن ما إن أطفأنا الأنوار حتى بدأنا نتحدث أنا ومادلين... عن طفولتنا، وعن الأشياء التي نحبها، وحتى عن آسر. وهنا تحديداً، أصبحت مادلين أكثر إزعاجاً: ـ هل تعلمين أن آسر عندما كان في الجامعة كان... ـ مادلين لقد اتفقنا، لا قصص جامعة بعد منتصف الليل. ضحكت: ـ ماذا؟ أنتِ من سألتِ. ـ لم أسأل عن كل فضائحه. ـ هذه ليست فضائح، هذه ذكريات ثمينة. ضحكتُ وأنا أدفن وجهي في الوسادة: ـ هل أنتِ مستمتعة بهذا كثيراً؟ ـ جداً! ساد الصمت للحظات، ثم قالت: ـ بالمناسبة... هل كنتِ تغارين مني فعلاً؟ رفعتُ رأسي:
لم أكن أعرف إلى أين يأخذنا آسر.منذ أن غادرنا المدينة، بدأت المباني تختفي تدريجياً من حولنا، وحلّت مكانها مساحات واسعة من الحقول والأشجار.راقبتُ الطريق من نافذة السيارة، وأنا أشعر بأن شيئاً ما في الجو قد تغيّر؛ كان الهواء أنقى، والطرقات أكثر هدوءاً، وحتى صوت السيارة بدا مختلفاً وسط ذلك الفراغ الواسع.التفتُّ إلى مادلين التي كانت تجلس بجانبي.ـ أنتِ تعرفين إلى أين نحن ذاهبون، أليس كذلك؟هزت كتفيها وضحكت.ـ مرة واحدة فقط. مع أصدقائنا من الجامعة. أتذكر الأشجار، لكنني لا أتذكر الطريق.نظرتُ إليها بشك، ثم التفتُّ نحو آسر؛ كان يقود بهدوء، وكأنه يستمتع تماماً بفضولنا.ـ وأنت أيضاً، ألن تخبرني؟رفع حاجبه ونظر إليّ للحظة قبل أن يعيد عينيه إلى الطريق.ـ لو أخبرتكِ، فلن تكون مفاجأة.ـ بدأت أكره مفاجآتك.ضحكت مادلين.ـ لا تصدقها، هي تحب المفاجآت... لكنها تحب أن تعرفها قبل حدوثها.وبعد دقائق، انعطف آسر إلى طريق ضيق تحيط به الأشجار.توقفتُ عن الكلام وأنا أراقب الطريق أمامنا، وفي نهايته ظهرت بوابة كبيرة قديمة.ضغط آسر على زر جهاز صغير في سيارته، فانفتحت البوابة ببطء... ودخلنا.توقفت أنفاسي للحظة.ل
مر أسبوع منذ ذلك اليوم في المستشفى.أسبوع واحد فقط...ومع ذلك، عندما أفكر في الأيام الماضية، أشعر وكأن شيئاً كبيراً قد تغيَّر في حياتي.استيقظتُ هذا الصباح على صوتٍ يناديني من مكان قريب:ـ سارة... استيقظي.فتحتُ عيني ببطء، وما إن رأيتُ مادلين واقفةً بالقرب مني حتى اعتدلتُ في جلستي باستغراب:ـ مادلين؟ابتسمت وهي تنظر إلى الساعة:ـ أخيراً استيقظتِ! ظننتُ أنني سأضطر إلى إزعاجك أكثر.نظرتُ إليها بدهشة:ـ ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟ضحكت بخفة:ـ جئتُ مبكراً.ـ أجل هذا واضح.. لكن لِمَ؟ـ لأن لدينا يوماً طويلاً.رفعتُ حاجبي:ـ لدينا؟ـ نعم، لدينا.قالتها وكأن الأمر محسوم منذ البداية، ثم جلست على طرف المقعد القريب مني:ـ آسر ينتظرنا في الأسفل.توقفتُ للحظة:ـ آسر أيضاً؟ـ طبعاً.ثم ابتسمت ابتسامة واسعة:ـ أم أنكِ كنتِ تظنين أنني سأسمح لكِ بالخروج وحدكِ؟ضحكتُ دون أن أشعر.لم أكن أعرف متى أصبحت مادلين تتحدث معي بهذه العفوية، بل لم أكن أعرف متى أصبحت أنا أيضاً أجيبها بالطريقة نفسها.قبل أسبوع فقط، كنتُ أنظر إليها بحذر؛ أراقب كل كلمة تقولها لآسر، وكل نظرة تجمعهما، وأحاول أن أفهم ما الذي تمثله







