登入الفصل التاسع والثلاثون لم تكن برودة مياه النيل هي ما يجعل جسد سلمى يرتجف، بل كان الحضور الطاغي والرعب الصامت الذي ينبعث من الرجل المسن ذي المعطف الكشميري والعصا الذهبية. وقفت سلمى بصعوبة، مستندة إلى حافة خرسانية متهالكة، بينما تحول قصر الحديدي فوقها إلى شعلة ضخمة تلتهم السماء، معلنة نهاية حقبة وبداية كابوس لم يسبق له مثيل.نظر إليها العجوز بعينين تحملان حكمة شياطين الأرض، وابتسم بوقار مرعب. "نهوض مبهر من الرماد يا سلمى. طارق كان محقاً حين راهن عليكِ، وزياد كان أحمقاً حين ظن أنه يستطيع ترويضكِ. لكن اللعبة لم تنتهِ باحتراق الرقعة الزجاجية... لقد اجتزتِ اختبار القبول بشرف."أدركت سلمى أن الذي يقف أمامها ليس بيدقاً، ولا فارساً، ولا حتى ملكاً واجهة. هذا هو صانع الرقعة ذاتها، مهندس الظلال الذي يحرك الخيوط من خلف ستار "الجمجمة المتوجة"."من أنت؟ وماذا تريد مني؟" سألت سلمى بصوت أجش، تقطر منه المرارة والتحدي في آن واحد.ضحك العجوز ضحكة مخملية، لم تكن تحمل شراً ظاهراً، لكنها كانت أشد رعباً من صراخ الموت. "الأسماء لا تهم يا سلمى. أنا الموكل باختيار 'القيصر' الجديد لإمبراطورية الظلال في هذه المن
الفصل الثامن والثلاثون كانت قاعة مؤسسة "الحديدي" الكبرى تتحول بسرعة إلى مسلخ زجاجي تتطاير فيه شظايا الموت كأمواج غاضبة. النخبة التابعة لـ "الجمجمة المتوجة" لم يكونوا مجرد مرتزقة؛ كانوا آلات قتل بشرية تتحرك بتناسق مرعب، يطلقون نيرانهم التكتيكية بدقة جراحية لتمزيق أي غطاء تحتمي به سلمى. الرخام الفاخر كان يتفتت فوق رأسها، ورائحة البارود المحترق تخنق الأنفاس، بينما كانت تضغط على زناد بندقيتها لترد النيران بضراوة يائسة.على بُعد أمتار قليلة، كانت المعركة بين "عمر" و"زياد" قد وصلت إلى ذروتها الدموية. جسد عمر المنهك بفعل التعذيب والإرهاق لم يصمد طويلاً أمام حركات زياد القتالية السريعة والماكرة. وفي لحظة غفلة، استل زياد خنجراً تكتيكياً أسود من حزامه، وبحركة خاطفة، غرزه بعمق في الجانب الأيسر لعمر.دوى صراخ عمر ليمزق سكون فجر القاهرة البارد، وسقط على ركبتيه ينزف بغزارة. التفت زياد نحوه بابتسامة خبيثة، مستعداً لتوجيه الضربة القاضية، لكن رصاصة سلمى كانت أسرع. أطلقت سلمى النار لتستقر رصاصتها في كتف زياد، دافعة إياه للخلف ليسقط بجوار أحد المكاتب المحطمة، تاركاً عمر ينزف على الأرضية الرخامية.لك
الفصل السابع والثلاثون كانت الرحلة نحو المقر القديم لمؤسسة "الحديدي" على ضفاف النيل أشبه بمسيرة الجنائز. قادت سلمى السيارة بصمت مطبق، تخترق شوارع العاصمة التي بدأت تخلع عنها ثوب الليل تدريجياً لتستقبل فجراً رمادياً كئيباً. بجوارها، كان طارق يغيب عن الوعي تارة ويفيق تارة أخرى، يتشبث بمسدسه كما يتشبث الغريق بلوح خشب متآكل في محيط هائج. النزيف استنزف قواه حتى الرمق الأخير، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق غريب، بريق رجل يدرك أنه يذهب إلى محطته الدموية الأخيرة."هل تتذكرين هذا المكان؟" همس طارق بصوت متقطع عندما لاح المبنى الزجاجي القديم في الأفق، يقف كشاهد قبر عملاق يعكس مياه النيل المعتمة. "هنا بنينا كل شيء... وهنا سُفك أول دم.""وهنا سينتهي كل شيء،" أجابت سلمى ببرود، وأوقفت السيارة على بُعد أمتار من البوابة الرئيسية المحطمة.ترجلت سلمى بخطوات ثابتة وواثقة، لم تعد تلك المرأة التي تهرب في الأنفاق المظلمة. كانت ترتدي سترة تكتيكية فوق ثيابها الممزقة، وبندقية هجومية تتدلى من كتفها، بينما أحكمت قبضتها على الملف الأسود. أسندت طارق الذي أصر على مرافقتها رغم اقترابه من حافة الموت، وعملا معاً لدف
الفصل السادس والثلاثون في تلك اللحظة التي انتشرت فيها العينة الأولى من "بروتوكول أوزيريس" في أحشاء الشابكة المظلمة، بدا وكأن الزمن يتوقف بين الصفيح والحديد الخردة. المطر الذي كان يهطل بقسوة على ساحة المستودع المهجور صار يلمع كقطرات من زئبق تحت أضواء السيارات السوداء التي طوقت المكان. ترجل المرتزقة بحركات ميكانيكية مدربة، أسلحتهم الهجومية مثبتة على صدورهم، يحيطون بسلمى وطارق في حلقة مغلقة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار.لكن أحداً منهم لم يجرؤ على الضغط على الزناد.كان صوت زياد لا يزال يتدفق من مكبر صوت هاتف سلمى، محاطاً بصمت يطبخ الغضب، حيث يتزاحم فيه صرير الأسنان مع أنفاسه المتهدجة إثر الهزيمة التي تلقاها في القبو."تظنين أنكِ ذكية يا سلمى؟" قال زياد عبر الخط، محاولاً تغليف نبرته بجليد زائف. "نشر هذه العينة لن يحميكِ، بل جعل من حتفكِ مطلباً لأجهزة استخبارات خمس دول على الأقل. لقد حولتِ نفسكِ من مجرد طريدة لسادة الرقعة إلى هدف تصفية عاجل للعالم بأكمله."ضحكت سلمى، وضحكتها خرجت جافة، مريرة، تشبه اصطدام النصال في ليل ممطر. رفعت هاتفها بثبات، ونظرت إلى قائد المرتزقة الذي كان يثبت نقطة
الفصل الخامس والثلاثون كانت سحابة النيتروجين المتجمدة تبتلع كل شيء في قبو قصر العدل، تحول الدماء النازفة على الأرضية إلى بلورات حمراء قانية، وتكتم صرخات القناصة الذين فقدوا بصرهم في هذا الزمهرير المفاجئ. ركضت سلمى عبر الممرات المعتمة، والملف الأسود مضموم إلى صدرها بقوة وكأنه رضيع شيطاني انتزعته للتو من أحشاء الهاوية. خلفها، كان طارق الحديدي يلهث بصوت يمزق الصدر، يطلق نيراناً تغطية عشوائية في قلب الضباب، ليصنع جداراً من الرصاص يمنع أي محاولة للحاق بهما."من هنا!" زأرت سلمى وهي تركل باب الطوارئ الفولاذي الذي يقود إلى شبكة الصرف القديمة الملحقة بالمبنى.خرجا إلى ليل القاهرة الذي لا يزال يلفظ أمطاره الغزيرة. كانت صفارات الإنذار في قصر العدل تعوي كذئاب جريحة، تنذر العاصمة بأكملها باختراق لم يسبق له مثيل. وصلا إلى السيارة المسروقة التي تركاها في الزقاق الخلفي. ألقى طارق بجسده المنهك في مقعد الراكب، بينما جلست سلمى خلف المقود، وأدارت المحرك الذي زأر في سكون الليل، لتنطلق السيارة كقذيفة عمياء تمزق برك المياه على الأسفلت.داخل السيارة، كان الصمت أثقل من الرصاص. طارق يضغط على جرحه الذي انفت
الفصل الرابع والثلاثون توقف الزمن في قبو قصر العدل. لم يعد هناك صوت لمراوح التبريد العملاقة، ولا لقطرات الدماء التي تتساقط من أجساد الحراس المذبوحين، بل ساد صمت مقبض، صمت يشبه اللحظة التي تسبق ارتطام طائرة بالأرض. وقفت سلمى متصلبة، عيناها متسعتان في رعب يمزق العقل، تحدق في الرجل الذي يقف أمامها ببدلته البيضاء الناصعة وابتسامته الجليدية."زياد..."خرجت الكلمة من بين شفتيها الجافتين كحشرجة احتضار. الرجل الذي حطمت حياتها لأجله، الرجل الذي بكت على قبره دماً، والذي حولها موته إلى مسخ يتغذى على الانتقام؛ يقف الآن أمامها حياً، يتنفس، ويمسك بـ "بروتوكول أوزيريس" وكأنه يحمل كأس نصر في مسابقة دموية.نظر طارق الحديدي إلى زياد، وللمرة الأولى منذ أن عرفته سلمى، رأت في عيني طارق ارتباكاً حقيقياً. القاتل البارد، العقل المدبر الذي ظن أنه يحرك جميع خيوط اللعبة، أدرك فجأة أنه كان مجرد بيدق أعمى في رقعة صممها غيره."كيف؟" نطق طارق بصوت خشن، يده ترتجف فوق زناد سلاحه. "لقد رأيت جثتك بنفسي. لقد أمرت بتصفيتك ودفنك!"ضحك زياد ضحكة خافتة، تردد صداها بين أرفف الخوادم المعدنية. لم تكن ضحكة الشاب البريء ال






