Inicio / الرومانسية / ظل في المرآة / المكتبة القديمة

Compartir

المكتبة القديمة

Autor: Zikostras
last update Fecha de publicación: 2026-08-28 19:24:07

قضيت تلك الليلة بلا نوم يُذكر. جلست في غرفتي القديمة، في البيت الذي تركه لي أبي، أحدّق في السقف وأستعيد كل التفاصيل التي قالها كمال. أخت. كلمة واحدة قلبت كل موازين حياتي. حاولت أن أتذكر، أن أبحث في ذاكرتي عن أي إشارة، أي حديث عابر لأبي قد يكون لمّح فيه إلى وجودها، لكنني لم أجد شيئاً. كان أبي رجلاً صامتاً، يحمل أسراره كما يحمل المهندس مخططاته: مطويةً بعناية، بعيداً عن أعين الآخرين.

في الصباح، فتحت الخزانة الخشبية التي كان أبي يحتفظ فيها بأوراقه الخاصة. لم أكن قد لمستها منذ الجنازة. وجدت بين الأوراق صوراً قديمة، بعضها يعود إلى عشرين عاماً أو أكثر. توقفت عند صورة لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة، الصورة مهترئة الأطراف، وخلفها بخط يد أبي: "لمى، سنتان."

جلست على حافة السرير، أتأمل الصورة طويلاً. الطفلة في الصورة لا تشبهني في شيء، لكن هناك شيئاً في نظرة عينيها جعلني أشعر بألفة غريبة، وكأن الدم يعرف الدم حتى قبل أن يعرف العقل.

لم أستطع مقاومة الرغبة في رؤيتها مرة أخرى. لم يكن لدي خطة واضحة، لم أكن أنوي أن أكشف لها الحقيقة في ذلك اليوم، لكنني وجدت قدميّ تقودانني نحو المكتبة القديمة قرب الميناء، بحجة البحث عن كتاب لن أقرأه على الأرجح.

كانت المكتبة كما تخيلتها: مكان ضيق مكتظ بالرفوف الخشبية العالية، رائحة الورق القديم تملأ المكان، وضوء الشمس يتسلل من نافذة صغيرة ليرسم خطوطاً ذهبية على الأرض. وجدتها هناك، تقف على سلم صغير، ترتب كتباً في الرف العلوي.

"أبحث عن كتاب في تاريخ العمارة المحلية"، قلت، محاولاً أن يبدو صوتي طبيعياً وأنا أعلم تماماً أن قلبي يدق بسرعة غير طبيعية.

نزلت من السلم، ونظرت إليّ نظرة فاحصة، كأنها تحاول أن تتذكر أين رأتني من قبل. "أنت... الرجل الذي وقف أمام المكتبة أمس، أليس كذلك؟"

ابتسمت بارتباك. "نعم، أعتذر إن كنت قد بدوت غريباً."

ضحكت ضحكة خفيفة أزالت شيئاً من التوتر بيننا. "لا بأس، معظم زبائني غرباء الأطوار بطريقة أو بأخرى، هذا طبيعي في مهنة كهذه." ثم أشارت إلى رف بعيد. "كتب العمارة المحلية هناك، لكن أغلبها قديم جداً، ربما لن تجد ما يناسب بحثك إن كان حديثاً."

"أنا مهندس معماري، في الواقع"، قلت، "الكتب القديمة تناسبني أكثر مما تتخيلين."

توقفت للحظة، ونظرت إليّ باهتمام مختلف. "مهندس معماري؟ اسم عائلتك ليس... لا، لا بد أنها مصادفة."

"ياسين"، قلت، مادّاً يدي. "ياسين بن رحال."

تجمّد وجهها للحظة، وكأن الاسم أيقظ شيئاً في ذاكرتها. صافحتني بيد مترددة. "لمى. لمى الزاهي. اسم عائلتك... كان والدي يذكر مكتباً هندسياً بهذا الاسم أحياناً، منذ سنوات طويلة."

شعرت بقلبي يتوقف للحظة. أرادت أن تكمل الحديث، لكن مجموعة من الزوار دخلت المكتبة في تلك اللحظة، فاعتذرت وذهبت لخدمتهم، تاركة إياي واقفاً بين الرفوف، أفكر في كل الطرق التي يمكن أن تنكشف بها الحقيقة، وكل الطرق التي يمكن أن تتحطم بها حياة إنسان لم يخترها.

غادرت المكتبة دون أن أشتري كتاباً، لكنني عدت في اليوم التالي، ثم الذي يليه. لم أكن أخطط لذلك، لكنني وجدت نفسي أبحث عن أعذار لزيارتها، أستمع إلى صوتها وهي تتحدث عن الكتب التي تحبها، عن طفولتها التي قضتها في المدينة، عن أم توفيت وهي صغيرة، وأب "غاب" عن حياتها في ظروف لم تخبرني بها بالتفصيل.

كل حديث كان يقربني منها كإنسانة، ويبعدني عن قراري بأن أخبرها من أكون. كنت أقنع نفسي كل مرة أن الوقت لم يحن بعد، أن عليّ أن أفهم أكثر قبل أن أهدم عالمها بجملة واحدة.

لكن في أعماقي، كنت أعرف أن هناك سبباً آخر لتردّدي، سبباً بدأ يتشكل ببطء في داخلي، ولم أكن مستعداً بعد لمواجهته: أنني، دون أن أقصد، بدأت أنجذب إلى لمى بطريقة لا يجدر بأخ أن ينجذب بها إلى أخته... وهذا ما جعل الحقيقة التي أخفاها أبي أكثر تعقيداً وثقلاً مما تخيلت.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • ظل في المرآة   بداية جديدة

    مرت الأسابيع التالية للمحاكمة بهدوء نسبي لم نعهده منذ أشهر طويلة، هدوء بدا في البداية غريباً بعد كل تلك الفترة المليئة بالتوتر والترقب المستمر. عاد كل من ياسين ولمى إلى روتين حياتهما اليومية، لكن بشعور مختلف تماماً هذه المرة، شعور بالأمان والاستقرار الذي طالما افتقداه.عاد المكتب الهندسي لياسين ينبض بالحياة من جديد، حيث بدأ يستقبل مشاريع جديدة بعد أشهر من الإهمال القسري، بينما استعادت مكتبة لمى رونقها المعتاد، وأعادت ترتيب الرفوف التي تضررت خلال حادثة الاقتحام، مضيفة إليها بعض الكتب الجديدة التي طالما حلمت باقتنائها.في أحد أمسيات الخريف الهادئة، وبينما كانا يتمشيان معاً على كورنيش الميناء، توقف ياسين فجأة أمام لمى، وأخرج من جيبه علبة صغيرة كان يخفيها بعناية منذ أيام. "لمى"، قال بصوت يحمل مزيجاً من التوتر والحسم، "منذ اللحظة التي عرفت فيها الحقيقة الكاملة عن مشاعري تجاهك، لم أعد أتخيل حياتي بدونك. عشنا معاً أصعب الأيام التي يمكن أن يمر بها اثنان، وأثبتنا لبعضنا البعض أننا قادران على مواجهة أي عاصفة سوياً. هل توافقين أن نبدأ فصلاً جديداً من حياتنا، كزوجين هذه المرة؟"فتح العلبة ليكشف ع

  • ظل في المرآة   يوم المحاكمة

    جاء يوم المحاكمة الجنائية الكاملة أسرع مما توقعنا، بعد أسابيع من التحضيرات المكثفة التي قادها كمال بالتنسيق مع النيابة العامة. كانت القاعة هذه المرة أكبر بكثير من قاعة الجلسات الأولية التي اعتدنا عليها، مخصصة للقضايا الجنائية الكبرى، وامتلأت بمقاعد شهود ومراقبين، من بينهم عدد من الصحفيين المحليين الذين بدأت القضية تثير اهتماماً إعلامياً متزايداً بعد تسرب بعض تفاصيلها إلى الصحافة المحلية في الأسابيع الأخيرة.جلسنا، أنا ولمى، في الصف المخصص للشهود والمتضررين، بينما جلس كمال إلى جانب ممثل النيابة العامة، محامٍ شاب يُدعى الأستاذ نبيل، كان قد تولى القضية رسمياً باسم الدولة بعد تصنيفها كقضية جنائية كاملة تتجاوز النزاع المدني الأصلي. دخل زهير القيسي وفراس بن عمر معاً، كل منهما يرتدي الزي الرسمي المخصص للمحتجزين، ملامحهما تحمل إرهاقاً واضحاً بعد أسابيع من الاحتجاز.بدأت المحاكمة بعرض الأستاذ نبيل للتهم الموجهة رسمياً: التحريض على الاعتداء بنية الترهيب، التهديد بالقوة لإجبار طرف على التنازل عن حق مالي، والتواطؤ في محاولة اقتحام مسكون بنية إجرامية واضحة، إضافة إلى تهمة منفصلة تتعلق بشبهة تزوير

  • ظل في المرآة   مسار العدالة

    قضينا الأيام التالية في نقاشات مطوّلة مع كمال حول أفضل السبل الممكنة لمعالجة موضوع عائلة بلحاج بطريقة تجمع بين الالتزام الأخلاقي والحكمة القانونية. اقترح كمال في البداية حلاً وسطاً: تكليف محامٍ متخصص في قضايا الملكية العقارية القديمة بدراسة الوضع القانوني الدقيق لمطالبة عائلة بلحاج، لتحديد ما إذا كانت لا تزال قائمة قانونياً أم سقطت بالتقادم، قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن كيفية التعامل معها."إذا ثبت أن المطالبة سقطت قانونياً بالتقادم"، أوضح كمال في أحد لقاءاتنا، "فسيبقى القرار بشأن أي تعويض أخلاقي طوعي بأيديكم أنتم، دون أي إلزام قانوني. أما إذا ثبت أن المطالبة لا تزال قائمة من الناحية القانونية الصرفة، فسنحتاج لمقاربة مختلفة تماماً، ربما تتضمن تسوية مالية عادلة تحفظ حقكم في الجزء الأكبر من المشروع مع تعويض عائلة بلحاج عن حقهم التاريخي فيه."وافقنا على هذا التوجه، وبدأ كمال بالتنسيق مع محامٍ متخصص يُدعى الأستاذ رشيد، صديق قديم له اشتهر بخبرته الواسعة في قضايا الملكية العقارية المعقدة والقديمة. استغرقت دراسة الملف القانوني الكامل أكثر من أسبوعين من المراجعة الدقيقة لكل الوثائق والسجلات ا

  • ظل في المرآة   عائلة بلحاج

    قضى كمال الأسبوع التالي بأكمله غارقاً في أرشيف سجلات الملكية العقارية القديمة في مصلحة الشؤون العقارية بالمدينة، محاولاً تتبع تاريخ الأرض التي أُقيم عليها مشروع النخيل بشكل كامل ودقيق. اتصل بنا في مساء أحد الأيام، صوته يحمل مزيجاً من الإرهاق والحماس المهني الذي عرفت أنه يعني اكتشافاً مهماً."وجدت شيئاً"، قال بمجرد دخوله المنزل، حاملاً حقيبة مليئة بالأوراق والصور المصورة من الأرشيف الرسمي. "سجل الملكية الأصلي لتلك الأرض يعود بالفعل إلى عائلة بلحاج، منذ أكثر من خمسين عاماً كما أشارت الوثيقة التي وجدناها. لكن القصة أكثر تعقيداً مما تخيلنا. يبدو أن الأرض بيعت في الستينيات من القرن الماضي من قبل أحد أفراد عائلة بلحاج، رجل يُدعى الطاهر بلحاج، إلى مستثمر أجنبي غادر البلاد لاحقاً دون أن يكمل بناء أي مشروع عليها.""وماذا حدث للأرض بعد ذلك؟" سألت بترقب."بقيت الأرض شبه مهملة لعقود، دون تطوير حقيقي، حتى اشتراها والدك وإدريس وزهير قبل عشرين عاماً من ورثة ذلك المستثمر الأجنبي، بعقد بيع موثق بشكل قانوني كامل حسب كل الأوراق التي راجعتها. من الناحية القانونية الصرفة، يبدو أن ملكيتكم شرعية تماماً، فقد

  • ظل في المرآة   المغلف الآخر

    توقفت في منتصف الطريق نحو السيارة، والهاتف لا يزال ملتصقاً بأذني، أشعر بجسدي يتجمد فجأة رغم دفء الشمس التي كانت تحيط بنا للتو بشعور من السلام الهش. "ماذا تقصد بأمر آخر تماماً؟" سألت الملازم سليم بصوت يحمل قلقاً متجدداً لم أتوقع أن أشعر به مرة أخرى في ذلك اليوم بالذات، يوم كنت أظن أنه سيحمل أخيراً بداية النهاية لكل هذه المحنة."لا أستطيع أن أشرح لك كل التفاصيل عبر الهاتف"، أجاب الملازم بحذر مهني معتاد. "لكنني أفضّل أن تأتيا أنت والآنسة لمى إلى المركز في أقرب وقت ممكن، مع كمال إن أمكن، لنراجع هذا المغلف معاً. أعتقد أن محتواه يخصكما بشكل مباشر، وأفضل أن تريا الأصل بأنفسكما بدل أن أحاول وصفه بشكل غير دقيق."نظرت إلى لمى، ووجدت القلق قد عاد يخيم على وجهها بسرعة مذهلة بعد لحظات قليلة فقط من الراحة النادرة التي عشناها. اتصلنا بكمال فوراً، الذي كان لا يزال في محيط المحكمة، فانضم إلينا مباشرة، وتوجهنا معاً إلى مركز الشرطة بقلوب مثقلة بترقب مختلط بين الفضول والخوف من مجهول جديد.استقبلنا الملازم سليم في مكتبه، وعلى طاولته وضع مغلفاً بنياً قديماً، أصغر حجماً من المغلف الذي وجدناه سابقاً في مكتب

  • ظل في المرآة   مذكرة التوقيف

    لم يمضِ الصباح التالي بسهولة رغم الشعور بالانتصار الجزئي الذي حققناه تلك الليلة. جلسنا، أنا ولمى وكمال، في مكتب الملازم سليم، نتابع بترقب شديد الخطوات القانونية التي بدأت تتسارع فجأة بعد أشهر من الترقب البطيء المرهق. أوضح كمال أن الأدلة المستخرجة من هاتف فراس، رغم قوتها الظاهرية، تحتاج إلى مسار قانوني دقيق حتى تصمد أمام أي طعن محتمل من محامي زهير المتمرس."الرسائل النصية وحدها قد لا تكون كافية لإثبات تورط زهير بشكل قاطع لا يقبل الشك"، أوضح كمال بحذر مهني معتاد. "محاميه قد يجادل بأن الرقم المستخدم غير مسجل باسمه رسمياً، وأن أي شخص آخر كان يمكن أن يستخدمه. سنحتاج إلى أدلة إضافية تربط الهاتف فعلياً بحوزة زهير أو استخدامه المباشر، ربما عبر تحليل بيانات الموقع الجغرافي وقت إرسال تلك الرسائل، لمطابقتها مع تحركات زهير المعروفة في تلك الأوقات."وافق الملازم سليم على هذا التوجه، وأوضح أن فريقه بدأ بالفعل في طلب سجلات تفصيلية من شركة الاتصالات لتتبع مواقع الهاتف المستخدم في الأسابيع الماضية، بالتوازي مع استجواب فراس نفسه بشكل مكثف في محاولة لدفعه للاعتراف والتعاون مقابل تخفيف محتمل في العقوبة ا

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status