INICIAR SESIÓNقضيت تلك الليلة بلا نوم يُذكر. جلست في غرفتي القديمة، في البيت الذي تركه لي أبي، أحدّق في السقف وأستعيد كل التفاصيل التي قالها كمال. أخت. كلمة واحدة قلبت كل موازين حياتي. حاولت أن أتذكر، أن أبحث في ذاكرتي عن أي إشارة، أي حديث عابر لأبي قد يكون لمّح فيه إلى وجودها، لكنني لم أجد شيئاً. كان أبي رجلاً صامتاً، يحمل أسراره كما يحمل المهندس مخططاته: مطويةً بعناية، بعيداً عن أعين الآخرين.
في الصباح، فتحت الخزانة الخشبية التي كان أبي يحتفظ فيها بأوراقه الخاصة. لم أكن قد لمستها منذ الجنازة. وجدت بين الأوراق صوراً قديمة، بعضها يعود إلى عشرين عاماً أو أكثر. توقفت عند صورة لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة، الصورة مهترئة الأطراف، وخلفها بخط يد أبي: "لمى، سنتان." جلست على حافة السرير، أتأمل الصورة طويلاً. الطفلة في الصورة لا تشبهني في شيء، لكن هناك شيئاً في نظرة عينيها جعلني أشعر بألفة غريبة، وكأن الدم يعرف الدم حتى قبل أن يعرف العقل. لم أستطع مقاومة الرغبة في رؤيتها مرة أخرى. لم يكن لدي خطة واضحة، لم أكن أنوي أن أكشف لها الحقيقة في ذلك اليوم، لكنني وجدت قدميّ تقودانني نحو المكتبة القديمة قرب الميناء، بحجة البحث عن كتاب لن أقرأه على الأرجح. كانت المكتبة كما تخيلتها: مكان ضيق مكتظ بالرفوف الخشبية العالية، رائحة الورق القديم تملأ المكان، وضوء الشمس يتسلل من نافذة صغيرة ليرسم خطوطاً ذهبية على الأرض. وجدتها هناك، تقف على سلم صغير، ترتب كتباً في الرف العلوي. "أبحث عن كتاب في تاريخ العمارة المحلية"، قلت، محاولاً أن يبدو صوتي طبيعياً وأنا أعلم تماماً أن قلبي يدق بسرعة غير طبيعية. نزلت من السلم، ونظرت إليّ نظرة فاحصة، كأنها تحاول أن تتذكر أين رأتني من قبل. "أنت... الرجل الذي وقف أمام المكتبة أمس، أليس كذلك؟" ابتسمت بارتباك. "نعم، أعتذر إن كنت قد بدوت غريباً." ضحكت ضحكة خفيفة أزالت شيئاً من التوتر بيننا. "لا بأس، معظم زبائني غرباء الأطوار بطريقة أو بأخرى، هذا طبيعي في مهنة كهذه." ثم أشارت إلى رف بعيد. "كتب العمارة المحلية هناك، لكن أغلبها قديم جداً، ربما لن تجد ما يناسب بحثك إن كان حديثاً." "أنا مهندس معماري، في الواقع"، قلت، "الكتب القديمة تناسبني أكثر مما تتخيلين." توقفت للحظة، ونظرت إليّ باهتمام مختلف. "مهندس معماري؟ اسم عائلتك ليس... لا، لا بد أنها مصادفة." "ياسين"، قلت، مادّاً يدي. "ياسين بن رحال." تجمّد وجهها للحظة، وكأن الاسم أيقظ شيئاً في ذاكرتها. صافحتني بيد مترددة. "لمى. لمى الزاهي. اسم عائلتك... كان والدي يذكر مكتباً هندسياً بهذا الاسم أحياناً، منذ سنوات طويلة." شعرت بقلبي يتوقف للحظة. أرادت أن تكمل الحديث، لكن مجموعة من الزوار دخلت المكتبة في تلك اللحظة، فاعتذرت وذهبت لخدمتهم، تاركة إياي واقفاً بين الرفوف، أفكر في كل الطرق التي يمكن أن تنكشف بها الحقيقة، وكل الطرق التي يمكن أن تتحطم بها حياة إنسان لم يخترها. غادرت المكتبة دون أن أشتري كتاباً، لكنني عدت في اليوم التالي، ثم الذي يليه. لم أكن أخطط لذلك، لكنني وجدت نفسي أبحث عن أعذار لزيارتها، أستمع إلى صوتها وهي تتحدث عن الكتب التي تحبها، عن طفولتها التي قضتها في المدينة، عن أم توفيت وهي صغيرة، وأب "غاب" عن حياتها في ظروف لم تخبرني بها بالتفصيل. كل حديث كان يقربني منها كإنسانة، ويبعدني عن قراري بأن أخبرها من أكون. كنت أقنع نفسي كل مرة أن الوقت لم يحن بعد، أن عليّ أن أفهم أكثر قبل أن أهدم عالمها بجملة واحدة. لكن في أعماقي، كنت أعرف أن هناك سبباً آخر لتردّدي، سبباً بدأ يتشكل ببطء في داخلي، ولم أكن مستعداً بعد لمواجهته: أنني، دون أن أقصد، بدأت أنجذب إلى لمى بطريقة لا يجدر بأخ أن ينجذب بها إلى أخته... وهذا ما جعل الحقيقة التي أخفاها أبي أكثر تعقيداً وثقلاً مما تخيلت.مع اقتراب الأسبوع الأخير قبل موعد الزفاف، غمر المنزل القديم لأسرة بن رحال نشاط غير معتاد، بعد سنوات طويلة من الصمت الذي خيّم عليه منذ وفاة عبد الرحمن. بدأت لمى تقضي معظم أوقاتها هناك، تساعد في ترتيب التفاصيل الأخيرة، بينما تحول المنزل تدريجياً من مكان يحمل ذكريات ثقيلة إلى بيت ينبض بالحياة والأمل من جديد.في أحد الأمسيات، وبينما كانت لمى تساعد ياسين في ترتيب بعض الأغراض القديمة في العلية، عثرت على صندوق خشبي صغير لم يكن قد انتبه له من قبل، مخبأ خلف أكوام من الكتب القديمة والأوراق المهملة. فتحته بفضول، ووجدت بداخله مجموعة من الصور العائلية القديمة لم يرها ياسين من قبل، صور لوالده في شبابه، بعضها مع إدريس نفسه في لحظات مرح بدت بعيدة كل البعد عن الثقل الذي حملته قصتهما لاحقاً.جلسا معاً على أرضية العلية، يتصفحان الصور بحنان مختلط بحزن هادئ. كانت هناك صورة لاثنين من الشبان، عبد الرحمن وإدريس، يقفان أمام قطعة أرض فارغة، يبتسمان بحماس واضح، وخلف الصورة كتب بخط يد شاب: "بداية حلمنا الكبير، مشروع النخيل، صيف عام...""لم أكن أتخيل يوماً أنني سأرى صورة تجمع بينهما بهذه البساطة والفرح"، قالت لمى
بينما كانت التحضيرات لحفل الزفاف تسير بخطى ثابتة، وصل خبر غير متوقع هزّ استقرار الأسابيع الهادئة التي عاشها ياسين ولمى مؤخراً. اتصل بهما كمال ذات صباح، صوته يحمل قلقاً مهنياً معتاداً كلما تعلق الأمر بأي تطور جديد في قضية زهير. "تقدم محامي زهير باستئناف رسمي على الحكم"، أخبرهما بحذر، "مستنداً هذه المرة إلى طعن في إجراءات جمع الأدلة، تحديداً في كيفية حصول الشرطة على بيانات الموقع الجغرافي للهاتف المستخدم في التهديدات. يدّعي المحامي أن هناك خللاً إجرائياً في الحصول على إذن قضائي بذلك التتبع."شعرت لمى بموجة من القلق القديم تعود إليها رغم محاولاتها المستمرة للتحرر من ظلال تلك الفترة المظلمة. "هل يمكن أن ينجح هذا الاستئناف في تخفيف الحكم أو إلغائه؟"طمأنها كمال بحذر: "من الناحية الفنية، هذا احتمال ضعيف جداً، فالأدلة الأخرى، من شهادة عادل الموثقة إلى اعتراف فراس المسجل رسمياً، تكفي وحدها لإدانة قوية بغض النظر عن مسألة تتبع الهاتف. لكن هذا يعني أن ملف القضية سيبقى مفتوحاً قانونياً لفترة إضافية، وقد نحتاج لحضور جلسة استئناف قصيرة خلال الأشهر القادمة."حاول ياسين أن يخفف من قلق لمى، مذكّراً إي
مرّ شهر تقريباً على لقاء لمى بعمتها فاطمة، شهر حمل استقراراً نادراً في حياة الاثنين، بين تحضيرات الزفاف المتزايدة وزيارات متكررة لفاطمة التي أصبحت جزءاً أساسياً من دائرة العائلة الصغيرة المتنامية حول ياسين ولمى. لكن ياسين لم ينسَ ذلك التفصيل الذي ذكره كمال قبل أسابيع، عن شريك رابع محتمل ظهر اسمه بشكل غامض في مستندات مشروع النخيل القديمة.في أحد الأيام، وبينما كان ياسين يراجع بعض المخططات في مكتبه، اتصل به كمال بصوت يحمل جدية متجددة. "ياسين، عدت للتحقيق في تلك الإشارة الغامضة عن الشريك الرابع، ووجدت شيئاً مثيراً للاهتمام. يبدو أن هناك مستثمراً رابعاً كان جزءاً من المفاوضات الأولية لمشروع النخيل، رجل يُدعى كريم الوزاني، لكنه انسحب من الصفقة في اللحظات الأخيرة قبل توقيع العقد النهائي، لأسباب غير موثقة بوضوح في الأوراق التي لدي.""هل تظن أن لهذا أي تأثير على وضعنا القانوني الحالي؟" سأل ياسين بحذر، بدأ يشعر بنوع من الإرهاق من الاكتشافات المتلاحقة التي بدت وكأنها لن تتوقف أبداً."من الناحية القانونية الصرفة، لا، فقد انسحب رسمياً قبل توقيع العقد، ولا يملك أي حق قانوني في المشروع الحالي. لكن
اتفقت لمى مع فاطمة على اللقاء في اليوم التالي، في نفس المقهى الهادئ قرب الميناء الذي كان قد شهد لقاءها الحاسم مع عادل قبل أشهر. أصرّ ياسين على مرافقتها هذه المرة، بعد كل ما مرّا به من مفاجآت غير متوقعة، ولم تعترض لمى على ذلك، بل شعرت بارتياح لوجوده بجانبها في مواجهة أي حقيقة جديدة قد تنكشف.وصلت فاطمة في الموعد المحدد، امرأة في أواخر الستينيات من عمرها، ترتدي ملابس بسيطة أنيقة، وتحمل حقيبة يد قديمة تمسك بها بإحكام كما لو كانت تحتوي على كنز ثمين. جلست أمامهما بحذر، عيناها تتفحصان ملامح لمى بتمعن شديد، وكأنها تبحث عن شبه عائلي تعرفه جيداً."سامحيني على هذا اللقاء المفاجئ"، بدأت فاطمة حديثها بصوت مرتجف قليلاً من التأثر. "لكن حين سمعت قصتك من ابنة أختي، التي تعمل ممرضة في المستشفى وسمعت الحديث عن قضيتك المشهورة في المدينة مؤخراً، شعرت أن عليّ واجباً أخلاقياً لا يمكنني تجاهله."سألتها لمى بلطف: "كيف تربطك القرابة بوالدي بالضبط؟"أخرجت فاطمة من حقيبتها صورة قديمة مهترئة الأطراف، ووضعتها بحذر على الطاولة أمامهما. كانت الصورة لعائلة كاملة تقف أمام منزل قديم، من بينهم طفل صغير بدا وكأنه في الع
مرت الأسابيع التالية للمحاكمة بهدوء نسبي لم نعهده منذ أشهر طويلة، هدوء بدا في البداية غريباً بعد كل تلك الفترة المليئة بالتوتر والترقب المستمر. عاد كل من ياسين ولمى إلى روتين حياتهما اليومية، لكن بشعور مختلف تماماً هذه المرة، شعور بالأمان والاستقرار الذي طالما افتقداه.عاد المكتب الهندسي لياسين ينبض بالحياة من جديد، حيث بدأ يستقبل مشاريع جديدة بعد أشهر من الإهمال القسري، بينما استعادت مكتبة لمى رونقها المعتاد، وأعادت ترتيب الرفوف التي تضررت خلال حادثة الاقتحام، مضيفة إليها بعض الكتب الجديدة التي طالما حلمت باقتنائها.في أحد أمسيات الخريف الهادئة، وبينما كانا يتمشيان معاً على كورنيش الميناء، توقف ياسين فجأة أمام لمى، وأخرج من جيبه علبة صغيرة كان يخفيها بعناية منذ أيام. "لمى"، قال بصوت يحمل مزيجاً من التوتر والحسم، "منذ اللحظة التي عرفت فيها الحقيقة الكاملة عن مشاعري تجاهك، لم أعد أتخيل حياتي بدونك. عشنا معاً أصعب الأيام التي يمكن أن يمر بها اثنان، وأثبتنا لبعضنا البعض أننا قادران على مواجهة أي عاصفة سوياً. هل توافقين أن نبدأ فصلاً جديداً من حياتنا، كزوجين هذه المرة؟"فتح العلبة ليكشف ع
جاء يوم المحاكمة الجنائية الكاملة أسرع مما توقعنا، بعد أسابيع من التحضيرات المكثفة التي قادها كمال بالتنسيق مع النيابة العامة. كانت القاعة هذه المرة أكبر بكثير من قاعة الجلسات الأولية التي اعتدنا عليها، مخصصة للقضايا الجنائية الكبرى، وامتلأت بمقاعد شهود ومراقبين، من بينهم عدد من الصحفيين المحليين الذين بدأت القضية تثير اهتماماً إعلامياً متزايداً بعد تسرب بعض تفاصيلها إلى الصحافة المحلية في الأسابيع الأخيرة.جلسنا، أنا ولمى، في الصف المخصص للشهود والمتضررين، بينما جلس كمال إلى جانب ممثل النيابة العامة، محامٍ شاب يُدعى الأستاذ نبيل، كان قد تولى القضية رسمياً باسم الدولة بعد تصنيفها كقضية جنائية كاملة تتجاوز النزاع المدني الأصلي. دخل زهير القيسي وفراس بن عمر معاً، كل منهما يرتدي الزي الرسمي المخصص للمحتجزين، ملامحهما تحمل إرهاقاً واضحاً بعد أسابيع من الاحتجاز.بدأت المحاكمة بعرض الأستاذ نبيل للتهم الموجهة رسمياً: التحريض على الاعتداء بنية الترهيب، التهديد بالقوة لإجبار طرف على التنازل عن حق مالي، والتواطؤ في محاولة اقتحام مسكون بنية إجرامية واضحة، إضافة إلى تهمة منفصلة تتعلق بشبهة تزوير







