لم أكن أتخيل أن العودة إلى "مرسى الضياء" ستكون بهذا الثقل. المدينة نفسها لم تتغير كثيراً؛ الأزقة الضيقة ما زالت تتسلق التلة نحو الميناء القديم، ورائحة الملح ما زالت تتسلل من البحر لتختلط برائحة الخبز الطازج من أفران الصباح. لكنني أنا من تغيّرت. عدت رجلاً يحمل حقيبة سفر خفيفة، وقلباً مثقلاً بذكريات لا أعرف كيف أتخلص منها.كان أبي قد توفي منذ خمس سنوات، وتركني وحيداً في مواجهة إرث لم أطلبه يوماً: بيت قديم على أطراف المدينة، ومكتب هندسي يحمل اسم العائلة منذ ثلاثة أجيال، وسمعة لا بد أن أكون على قدرها. غادرت "مرسى الضياء" بعد الجنازة مباشرة، هرباً لا أدري من ماذا بالضبط، وقضيت السنوات الخمس في مدينة بعيدة، أبني لنفسي حياة أخرى، بلا جذور، بلا أسئلة.لكن الرسالة التي وصلتني قبل أسبوعين غيّرت كل شيء.كانت رسالة من محامي العائلة، السيد كمال، يخبرني فيها أن هناك أمراً يخص وصية أبي لم يُكشف عنه بعد، وأن حضوري إلى المدينة بات ضرورياً "لأسباب قانونية وشخصية"، على حد تعبيره. لم يوضح أكثر من ذلك، مهما ألححت عليه بالهاتف. وحين سألته إن كان الأمر يتعلق بالمال أو بالممتلكات، صمت قليلاً ثم قال جملة ما ز
Última actualización : 2026-08-28 Leer más