INICIAR SESIÓNمرّ أسبوعان على أول لقاء بيني وبين لمى، وأصبحت زياراتي للمكتبة عادة يومية لا أستطيع الاستغناء عنها. كنت أصل عادة قبيل المغرب، حين يخفّ الزوار وتبدأ لمى بترتيب الرفوف استعداداً للإغلاق، فأساعدها دون أن تطلب مني ذلك، ونجلس بعدها على الدرجات الحجرية أمام المكتبة، نراقب قوارب الصيادين العائدة، ونتحدث حتى يحلّ الظلام تماماً.
اكتشفت في تلك الأسابيع أشياء كثيرة عن لمى. كانت قد تربّت عند خالتها بعد وفاة والدتها، وكبرت وهي تحمل سؤالاً لم يُجب عنه أحد: من هو والدها؟ كل ما كانت تعرفه أن أمها رفضت الحديث عن الموضوع طوال حياتها، وأن خالتها كانت تتهرب من الإجابة كلما سألتها. "أحياناً أشعر أنني أعيش نصف حياة"، قالت لي ذات مساء، وهي تحتضن ركبتيها بذراعيها. "كأن هناك جزءاً مني ناقصاً، ولا أعرف حتى شكله." كانت كل كلمة تقولها تطعنني في مكان عميق، لأنني كنت أملك الإجابة التي تبحث عنها منذ سنوات، وكنت عاجزاً عن نطقها. حاولت مراراً أن أفتح الموضوع، أن أقول: "لمى، أظن أنني أعرف من هو والدك"، لكن الكلمات كانت تتحطم في حلقي في كل مرة. كان كمال، المحامي، يتصل بي بين الحين والآخر، يسألني إن كنت قد أخبرتها بعد. "كل يوم تؤجله، ياسين، يصبح الأمر أصعب"، قال لي في آخر مكالمة. "وهناك أيضاً مسألة الميراث. جزء من ممتلكات والدك يعود لها بحكم القانون، بمجرد أن تُعرف بنوّته." "أعرف، أعرف كل هذا"، أجبته بضيق. "لكن كيف أخبرها؟ كيف أقول لامرأة بدأت تثق بي، بدأت تفتح قلبها لي، أنني أخفيت عنها منذ اللقاء الأول أنني أخوها؟" صمت كمال طويلاً قبل أن يقول: "أخوها فقط؟ أم أن هناك شيئاً آخر تخفيه أيضاً، ياسين؟" سؤاله أصابني في مقتل، لأنه لامس شيئاً كنت أتهرب من الاعتراف به حتى مع نفسي. كانت مشاعري تجاه لمى قد تجاوزت منذ زمن حدود الأخوّة التي لم تُعلن بعد. كل لقاء كان يزيدني تعلّقاً بها، بضحكتها الهادئة، بشغفها بالكتب القديمة، بالطريقة التي تميل بها رأسها حين تفكر في سؤال صعب. كنت أدرك أن هذا الشعور محرّم، غير منطقي، وربما غير حقيقي أصلاً بما أنها أختي، لكنه كان موجوداً، يكبر رغماً عني. في تلك الليلة، عدت إلى البيت القديم وجلست أمام الصورة التي وجدتها، صورة لمى الطفلة بين ذراعي أمها. حاولت أن أستحضر فيها ملامح الأخت، أن أشعر تجاهها بما يفترض أن يشعر به أخ، لكن قلبي كان يرفض التصنيف، وكأنه يعرف شيئاً لا أعرفه أنا بعد. قررت في صباح اليوم التالي أن أذهب إلى كمال وأطلب منه أن يعيد فتح كل ملفات القضية، كل الأوراق المتعلقة بوصية أبي وبميلاد لمى. شيء في داخلي، حدس لم أستطع تجاهله، أخبرني أن هناك جزءاً من الحقيقة لم يُكشف بعد. جلس كمال خلف مكتبه، ينظر إليّ بقلق. "ماذا تقصد بإعادة الفتح؟ كل شيء واضح في الوصية، ياسين." "أريد أن أرى شهادة ميلادها"، قلت بحزم. "أريد أن أتأكد بنفسي." تردد كمال طويلاً، ثم فتح درجاً مغلقاً في مكتبه، وأخرج ملفاً رقيقاً لم يكن ضمن الأوراق التي عرضها عليّ من قبل. "كنت أنتظر اللحظة المناسبة لأريك هذا"، قال بصوت متعب. "والدك ترك لي تعليمات صارمة ألا أطلعك عليه إلا إذا طلبت أنت بنفسك، وإلا إذا شعرت أنا أن الأمر أصبح ضرورياً." فتح الملف أمامي، وسحب ورقة واحدة، شهادة ميلاد قديمة، مهترئة الحواف. قرأت الاسم في الأعلى: "لمى الزاهي"، ثم انتقلت عيناي إلى خانة اسم الأب، وتجمّد الدم في عروقي. لم يكن الاسم المكتوب هو اسم أبي. رفعت عينيّ إلى كمال، صوتي يرتجف وأنا أسأل: "إذاً... من هي بالنسبة لي؟ ولماذا كتب أبي في وصيته أنها أختي؟" ابتسم كمال ابتسامة حزينة، مليئة بسنوات من كتمان السر. "لأن الأمر أعقد بكثير مما تتخيل، ياسين. اجلس، فالحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد."مع اقتراب الأسبوع الأخير قبل موعد الزفاف، غمر المنزل القديم لأسرة بن رحال نشاط غير معتاد، بعد سنوات طويلة من الصمت الذي خيّم عليه منذ وفاة عبد الرحمن. بدأت لمى تقضي معظم أوقاتها هناك، تساعد في ترتيب التفاصيل الأخيرة، بينما تحول المنزل تدريجياً من مكان يحمل ذكريات ثقيلة إلى بيت ينبض بالحياة والأمل من جديد.في أحد الأمسيات، وبينما كانت لمى تساعد ياسين في ترتيب بعض الأغراض القديمة في العلية، عثرت على صندوق خشبي صغير لم يكن قد انتبه له من قبل، مخبأ خلف أكوام من الكتب القديمة والأوراق المهملة. فتحته بفضول، ووجدت بداخله مجموعة من الصور العائلية القديمة لم يرها ياسين من قبل، صور لوالده في شبابه، بعضها مع إدريس نفسه في لحظات مرح بدت بعيدة كل البعد عن الثقل الذي حملته قصتهما لاحقاً.جلسا معاً على أرضية العلية، يتصفحان الصور بحنان مختلط بحزن هادئ. كانت هناك صورة لاثنين من الشبان، عبد الرحمن وإدريس، يقفان أمام قطعة أرض فارغة، يبتسمان بحماس واضح، وخلف الصورة كتب بخط يد شاب: "بداية حلمنا الكبير، مشروع النخيل، صيف عام...""لم أكن أتخيل يوماً أنني سأرى صورة تجمع بينهما بهذه البساطة والفرح"، قالت لمى
بينما كانت التحضيرات لحفل الزفاف تسير بخطى ثابتة، وصل خبر غير متوقع هزّ استقرار الأسابيع الهادئة التي عاشها ياسين ولمى مؤخراً. اتصل بهما كمال ذات صباح، صوته يحمل قلقاً مهنياً معتاداً كلما تعلق الأمر بأي تطور جديد في قضية زهير. "تقدم محامي زهير باستئناف رسمي على الحكم"، أخبرهما بحذر، "مستنداً هذه المرة إلى طعن في إجراءات جمع الأدلة، تحديداً في كيفية حصول الشرطة على بيانات الموقع الجغرافي للهاتف المستخدم في التهديدات. يدّعي المحامي أن هناك خللاً إجرائياً في الحصول على إذن قضائي بذلك التتبع."شعرت لمى بموجة من القلق القديم تعود إليها رغم محاولاتها المستمرة للتحرر من ظلال تلك الفترة المظلمة. "هل يمكن أن ينجح هذا الاستئناف في تخفيف الحكم أو إلغائه؟"طمأنها كمال بحذر: "من الناحية الفنية، هذا احتمال ضعيف جداً، فالأدلة الأخرى، من شهادة عادل الموثقة إلى اعتراف فراس المسجل رسمياً، تكفي وحدها لإدانة قوية بغض النظر عن مسألة تتبع الهاتف. لكن هذا يعني أن ملف القضية سيبقى مفتوحاً قانونياً لفترة إضافية، وقد نحتاج لحضور جلسة استئناف قصيرة خلال الأشهر القادمة."حاول ياسين أن يخفف من قلق لمى، مذكّراً إي
مرّ شهر تقريباً على لقاء لمى بعمتها فاطمة، شهر حمل استقراراً نادراً في حياة الاثنين، بين تحضيرات الزفاف المتزايدة وزيارات متكررة لفاطمة التي أصبحت جزءاً أساسياً من دائرة العائلة الصغيرة المتنامية حول ياسين ولمى. لكن ياسين لم ينسَ ذلك التفصيل الذي ذكره كمال قبل أسابيع، عن شريك رابع محتمل ظهر اسمه بشكل غامض في مستندات مشروع النخيل القديمة.في أحد الأيام، وبينما كان ياسين يراجع بعض المخططات في مكتبه، اتصل به كمال بصوت يحمل جدية متجددة. "ياسين، عدت للتحقيق في تلك الإشارة الغامضة عن الشريك الرابع، ووجدت شيئاً مثيراً للاهتمام. يبدو أن هناك مستثمراً رابعاً كان جزءاً من المفاوضات الأولية لمشروع النخيل، رجل يُدعى كريم الوزاني، لكنه انسحب من الصفقة في اللحظات الأخيرة قبل توقيع العقد النهائي، لأسباب غير موثقة بوضوح في الأوراق التي لدي.""هل تظن أن لهذا أي تأثير على وضعنا القانوني الحالي؟" سأل ياسين بحذر، بدأ يشعر بنوع من الإرهاق من الاكتشافات المتلاحقة التي بدت وكأنها لن تتوقف أبداً."من الناحية القانونية الصرفة، لا، فقد انسحب رسمياً قبل توقيع العقد، ولا يملك أي حق قانوني في المشروع الحالي. لكن
اتفقت لمى مع فاطمة على اللقاء في اليوم التالي، في نفس المقهى الهادئ قرب الميناء الذي كان قد شهد لقاءها الحاسم مع عادل قبل أشهر. أصرّ ياسين على مرافقتها هذه المرة، بعد كل ما مرّا به من مفاجآت غير متوقعة، ولم تعترض لمى على ذلك، بل شعرت بارتياح لوجوده بجانبها في مواجهة أي حقيقة جديدة قد تنكشف.وصلت فاطمة في الموعد المحدد، امرأة في أواخر الستينيات من عمرها، ترتدي ملابس بسيطة أنيقة، وتحمل حقيبة يد قديمة تمسك بها بإحكام كما لو كانت تحتوي على كنز ثمين. جلست أمامهما بحذر، عيناها تتفحصان ملامح لمى بتمعن شديد، وكأنها تبحث عن شبه عائلي تعرفه جيداً."سامحيني على هذا اللقاء المفاجئ"، بدأت فاطمة حديثها بصوت مرتجف قليلاً من التأثر. "لكن حين سمعت قصتك من ابنة أختي، التي تعمل ممرضة في المستشفى وسمعت الحديث عن قضيتك المشهورة في المدينة مؤخراً، شعرت أن عليّ واجباً أخلاقياً لا يمكنني تجاهله."سألتها لمى بلطف: "كيف تربطك القرابة بوالدي بالضبط؟"أخرجت فاطمة من حقيبتها صورة قديمة مهترئة الأطراف، ووضعتها بحذر على الطاولة أمامهما. كانت الصورة لعائلة كاملة تقف أمام منزل قديم، من بينهم طفل صغير بدا وكأنه في الع
مرت الأسابيع التالية للمحاكمة بهدوء نسبي لم نعهده منذ أشهر طويلة، هدوء بدا في البداية غريباً بعد كل تلك الفترة المليئة بالتوتر والترقب المستمر. عاد كل من ياسين ولمى إلى روتين حياتهما اليومية، لكن بشعور مختلف تماماً هذه المرة، شعور بالأمان والاستقرار الذي طالما افتقداه.عاد المكتب الهندسي لياسين ينبض بالحياة من جديد، حيث بدأ يستقبل مشاريع جديدة بعد أشهر من الإهمال القسري، بينما استعادت مكتبة لمى رونقها المعتاد، وأعادت ترتيب الرفوف التي تضررت خلال حادثة الاقتحام، مضيفة إليها بعض الكتب الجديدة التي طالما حلمت باقتنائها.في أحد أمسيات الخريف الهادئة، وبينما كانا يتمشيان معاً على كورنيش الميناء، توقف ياسين فجأة أمام لمى، وأخرج من جيبه علبة صغيرة كان يخفيها بعناية منذ أيام. "لمى"، قال بصوت يحمل مزيجاً من التوتر والحسم، "منذ اللحظة التي عرفت فيها الحقيقة الكاملة عن مشاعري تجاهك، لم أعد أتخيل حياتي بدونك. عشنا معاً أصعب الأيام التي يمكن أن يمر بها اثنان، وأثبتنا لبعضنا البعض أننا قادران على مواجهة أي عاصفة سوياً. هل توافقين أن نبدأ فصلاً جديداً من حياتنا، كزوجين هذه المرة؟"فتح العلبة ليكشف ع
جاء يوم المحاكمة الجنائية الكاملة أسرع مما توقعنا، بعد أسابيع من التحضيرات المكثفة التي قادها كمال بالتنسيق مع النيابة العامة. كانت القاعة هذه المرة أكبر بكثير من قاعة الجلسات الأولية التي اعتدنا عليها، مخصصة للقضايا الجنائية الكبرى، وامتلأت بمقاعد شهود ومراقبين، من بينهم عدد من الصحفيين المحليين الذين بدأت القضية تثير اهتماماً إعلامياً متزايداً بعد تسرب بعض تفاصيلها إلى الصحافة المحلية في الأسابيع الأخيرة.جلسنا، أنا ولمى، في الصف المخصص للشهود والمتضررين، بينما جلس كمال إلى جانب ممثل النيابة العامة، محامٍ شاب يُدعى الأستاذ نبيل، كان قد تولى القضية رسمياً باسم الدولة بعد تصنيفها كقضية جنائية كاملة تتجاوز النزاع المدني الأصلي. دخل زهير القيسي وفراس بن عمر معاً، كل منهما يرتدي الزي الرسمي المخصص للمحتجزين، ملامحهما تحمل إرهاقاً واضحاً بعد أسابيع من الاحتجاز.بدأت المحاكمة بعرض الأستاذ نبيل للتهم الموجهة رسمياً: التحريض على الاعتداء بنية الترهيب، التهديد بالقوة لإجبار طرف على التنازل عن حق مالي، والتواطؤ في محاولة اقتحام مسكون بنية إجرامية واضحة، إضافة إلى تهمة منفصلة تتعلق بشبهة تزوير







