LOGINبعد سبع سنوات من الزواج لم تكن مريم تتوقع أن تكون الذكرى السابعة لزواجها هي اليوم الذي ستنتهي فيه حياتها كما عرفتها. في السابعة مساءً، أطفأت الشموع السبع الموضوعة أمامها على مائدة الطعام، واحدة تلو الأخرى. لم يكن هناك احتفال كبير. فقط كعكة صغيرة، طبق العشاء الذي أعدته بنفسها، وزجاجة نبيذ بقيت مغلقة لأنها كانت تعرف أن سليم لن يشرب معها. كان سليم دائمًا مشغولًا. في السنة الأولى، قالت لنفسها إنه يحتاج إلى الوقت. في السنة الثالثة، أقنعت نفسها بأن الحب لا يُقاس بعدد الكلمات. وفي السنة السابعة… لم تعد تملك شيئًا تقنع به نفسها. نظرت إلى الساعة. الثامنة. ثم التاسعة. وعندما تجاوزت العاشرة، سمعت صوت مفتاح يدور في قفل الباب. رفعت رأسها بسرعة، وقلبها الذي اعتاد الخيبة تحرك رغمًا عنها. دخل سليم. كان يرتدي بدلته السوداء، ملامحه هادئة كعادته، وفي يده ملف بني لم تره من قبل. توقفت ابتسامتها الصغيرة قبل أن تكتمل. لم يقل: «كل عام وأنتِ بخير». لم ينظر حتى إلى الشموع. وضع الملف أمامها. ثم قال بصوت خالٍ من أي تردد: — مريم… وقّعي. نظرت إلى الملف. لم تفهم. فتحته بيد مرتجفة. كانت الصفحة الأولى تحمل كلمتين فقط. اتفاقية الطلاق. ظل الصمت بينهما طويلًا. ثم رفعت عينيها إليه. — اليوم؟ لم يجب. ابتسمت مريم ابتسامة موجوعة. — بعد سبع سنوات كاملة… لم تجد يومًا آخر؟ لأول مرة تغير شيء في عيني سليم. شيء يشبه الألم. لكنه اختفى سريعًا. قال: — لو كنتِ تعرفين الحقيقة، لطلبتِ الطلاق قبلي. تجمدت يدها فوق الورقة. الحقيقة؟ أي حقيقة يمكن أن تكون أقسى من سبع سنوات عاشتها وهي زوجته… دون أن تشعر يومًا أنها كانت امرأة يحبها؟ وقبل أن تسأله، اهتز هاتفه على الطاولة. ظهرت رسالة واحدة على الشاشة. رسالة من رقم لم يكن مسجلًا باسم. قرأها سليم، فتغير وجهه. أما مريم، فقد قرأت آخر سطر قبل أن يقلب الهاتف. «لقد حان الوقت لتخبرها أنني لم أمت.»
View Moreالفصل الأول
الورقة التي أنهت سبع سنوات كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا، حين أدركت مريم أن انتظارها لم يعد انتظار زوج يعود إلى منزله. كان انتظارًا لشيء آخر. شيء لم تعرف له اسمًا حتى تلك اللحظة. جلست أمام مائدة الطعام الصغيرة التي أعدتها بنفسها، تنظر إلى الشموع السبع الموضوعة فوق الكعكة. سبع شموع. واحدة عن كل سنة. ابتسمت بسخرية خافتة وهي تتأملها. في العام الأول، كانت قد أشعلت شمعة واحدة وهي تضحك لأن سليم لم يكن يعرف حتى عدد السنوات التي مرت على زواجهما. في العام الثاني، طلبت منه أن يعود مبكرًا. في العام الثالث، لم تطلب شيئًا. وفي العام الرابع، بدأت تتعلم كيف تحتفل وحدها. أما العام الخامس، فقد نامت قبل أن يعود. العام السادس مر كأنه لم يكن. والآن… العام السابع. سبع سنوات كاملة. وضعت يدها على فنجان القهوة أمامها، لكنه كان باردًا منذ أكثر من ساعة. نظرت إلى هاتفها للمرة العاشرة. لا رسائل. لا مكالمات. لا حتى كلمة واحدة. فتحت محادثتهما. آخر رسالة أرسلتها كانت قبل ساعتين. «هل ستتأخر؟» لم يجب. تنهدت وأغلقت الهاتف. كانت تعرف أن سليم لا يحب الاحتفالات. تعرف أنه يكره المناسبات العائلية. تعرف أنه يغرق في العمل حتى ينسى الوقت. لكنها كانت تتمنى، ولو لمرة واحدة، أن يتذكر أنها ليست موظفة تنتظر تعليماته، ولا ضيفة في بيته، ولا امرأة اعتاد وجودها حتى أصبح غيابها شيئًا لا يلاحظه. كانت زوجته. على الأقل هكذا كانت تظن. رفعت عينيها إلى الحائط المقابل. هناك، داخل إطار فضي، كانت صورة زفافهما. مريم في فستان أبيض بسيط. وسليم بجوارها، بملامحه الجامدة التي لم تتغير كثيرًا منذ ذلك اليوم. كان الجميع يبتسم في الصورة. الجميع باستثناءه. لم تفهم يومها سبب نظرته البعيدة. ظنت أنها رهبة الزواج. ثم ظنت أنه التعب. ثم أخبرت نفسها أنه رجل لا يجيد التعبير عن مشاعره. كم كانت بارعة في اختلاق الأعذار له. ربما أكثر مما ينبغي. مدت يدها وأخذت الصورة من مكانها. مررت أصابعها فوق الزجاج. همست: — سبع سنين يا سليم. ثم ضحكت ضحكة قصيرة. — ولا مرة قلت لي فيها إنك سعيد لأنك تزوجتني. وضعت الصورة مكانها. في اللحظة نفسها، سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل. تجمدت. ثم سمعت الباب الخارجي يُفتح. نظرت إلى الساعة. الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة. ترددت لحظات قبل أن تنهض. رتبت شعرها بسرعة، ومسحت أثر التعب عن وجهها، ثم وقفت أمام المرآة. لم تكن تريد أن يبدو أنها كانت تنتظره. كان كبرياؤها آخر شيء بقي لها. سمعت خطواته تقترب. ثم انفتح الباب. دخل سليم. كان يرتدي بدلة سوداء، وربطة عنق رمادية، ويحمل حقيبة جلدية في يده. توقف عند المدخل عندما رأى مائدة الطعام. كانت عيناه هادئتين. باردتين. ثم انتقل نظره إلى الكعكة. الشموع. الزهور. وأخيرًا إليها. لم يقل شيئًا. انتظرت مريم. ثانية. ثانيتين. خمسًا. ثم قالت بابتسامة صغيرة: — تأخرت. أجاب وهو يخلع معطفه: — كان عندي اجتماع. نظرت إلى الساعة. — لحد الساعة حداشر؟ — الاجتماع امتد. — النهارده بالذات؟ توقف. نظر إليها. — ماذا تقصدين؟ أشارت إلى الكعكة. — ولا حاجة. ثم ابتسمت. — كل سنة وإنت طيب. ظل ينظر إليها. وكأن العبارة فاجأته. — اليوم؟ رفعت حاجبها. — نعم، اليوم. اقترب قليلًا. — ذكرى زواجنا؟ ضحكت. لكن ضحكتها خرجت أضعف مما أرادت. — أخيرًا افتكرت. لم يجب. جلس على المقعد المقابل. كانت هناك مسافة بينهما لا تتجاوز مترًا واحدًا، لكنها بدت لمريم أكبر من المسافة بين مدينتين. قالت: — كنت فاكرة إنك هتجيب ورد. نظر إليها دون تعبير. — لماذا؟ — لأن الناس المتزوجة بتجيب ورد في ذكرى جوازها. — أنا لست مثل الناس. — دي حقيقة. صمت. شعرت بالحرج من نفسها. لماذا كانت تحاول جرّه إلى حديث عاطفي تعرف مسبقًا أنه لن يأتي؟ خفضت عينيها. — حضرت لك العشاء. قال: — لست جائعًا. رفعت رأسها. — حتى دي؟ — ماذا؟ — ولا حتى تحاول؟ تنفس ببطء. — مريم، أنا متعب. كان يمكنها أن تقبل تلك الجملة لو جاءت في أي يوم آخر. لكنها جاءت اليوم. في الذكرى السابعة. بعد سبع سنوات من الانتظار. قالت بهدوء: — وأنا كمان تعبت. رفع عينيه إليها. هذه المرة بدا أنه فهم شيئًا. لكن قبل أن يتكلم، وضع حقيبته على الطاولة. فتحها. وأخرج ملفًا بني اللون. وضعه أمامها. تجمدت ملامحها. نظرت إلى الملف. ثم إليه. — إيه ده؟ لم يجب. — سليم؟ قال: — افتحيه. ترددت. مدت يدها ببطء. فتحت الملف. كانت الصفحة الأولى واضحة. واضحة إلى درجة أنها لم تحتج إلى قراءة السطور كلها. كلمة واحدة كانت كافية. طلاق. توقفت أنفاسها. لم تتحرك. لم تبكِ. لم تصرخ. فقط ظلت تنظر إلى الورقة وكأن عقلها يرفض أن يصدق ما تراه عيناها. رفعت رأسها ببطء. — إيه ده؟ قال بصوت ثابت: — أوراق الطلاق. ابتسمت. ابتسامة صغيرة، غريبة. — أنا شايفة. — إذن لا داعي للسؤال. وضعت الورقة على الطاولة. — أنت جاي البيت الساعة حداشر، في ذكرى جوازنا السابعة، ومعاك ورقة طلاق؟ — نعم. — وكنت مخطط تقولها كده؟ — كان يجب أن تعرفي. — أعرف إيه؟ صمت. شعرت بأن قلبها بدأ يخفق بعنف. — سليم، بص في عيني وقولي إنك فعلًا عايز تطلقني. رفع عينيه إليها. — أريد الطلاق. كانت الجملة بسيطة. لكنها هدمت شيئًا بداخلها. شيئًا ظل قائمًا طوال سبع سنوات. قالت: — ليه؟ لم يجب. — ليه؟ كرر الصمت نفسه. اقتربت منه. — هل في حد تاني؟ لم تتغير ملامحه. وهذا كان أسوأ من الإجابة. قالت: — فيه واحدة؟ — الأمر ليس كما تظنين. ضحكت بمرارة. — الجملة دي عمرها ما كانت بداية حاجة كويسة. سحب نفسًا طويلًا. — لا توجد امرأة أخرى. — متأكد؟ — نعم. — إذن ليه؟ نظر إليها طويلًا. ثم قال: — لأن هذا الزواج انتهى منذ وقت طويل. تراجعت خطوة. — انتهى؟ — نعم. — بالنسبة لك؟ — بالنسبة لنا. هزت رأسها. — غريب. — ماذا؟ — إنك عرفت إنه انتهى وأنا لسه متجوزة منك. لأول مرة بدا على وجهه شيء يشبه الانزعاج. — مريم. — لا، خليني أتكلم. اقتربت من الطاولة. — سبع سنين يا سليم. رفعت أصابعها. — سبع سنين وأنا كل يوم أقول يمكن يتغير. ثم رفعت إصبعًا آخر. — كل سنة أقول يمكن يكون عنده سبب. ثم الثالث. — كل مرة كنت بتبعد فيها كنت أقول لنفسي: هو مش بيكرهني، هو بس مش بيعرف يحب. ضحكت. — طلعت غبية. — أنتِ لستِ غبية. — لا، أنا كنت غبية جدًا. مد يده نحوها. — مريم... ابتعدت. — متلمسنيش. توقفت يده في الهواء. ثم أنزلها. قال: — لم أرد أن أؤذيك. — ومع ذلك أذيتني. — أعرف. — لا، أنت لا تعرف. كانت عيناها تلمعان. لكنها رفضت أن تبكي أمامه. — أنت لا تعرف معنى إن واحدة تصحى كل يوم جنب راجل وتحس إنها لوحدها. صمت. — لا تعرف معنى إني أكون مراتك قدام الناس، لكن أول ما الباب يقفل أحس إني مجرد شخص غريب. ظل ساكتًا. — لا تعرف معنى إني في كل مرة أشتري قميص جديد وأقول يمكن المرة دي يلاحظ. ابتسمت رغم دموعها. — ولا مرة لاحظت. خفض عينيه. تابعت: — تعرف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ لم يرد. — إني بقيت أفرح بالحاجات الصغيرة جدًا. رفعت الكوب البارد. — مرة قلت لي إن القهوة حلوة. ابتسمت بحزن. — قعدت أسبوع كامل فاكرة إنك بدأت تحبني. أغمض سليم عينيه للحظة. قال: — مريم، أنا... قاطعت: — كفاية. ثم نظرت إلى ورقة الطلاق. — إمتى؟ — ماذا؟ — إمتى عايزني أمضي؟ — غدًا. ضحكت. — مستعجل؟ — هناك أمور يجب أن تُحسم. — أكيد. جلست. لم تعد ساقاها تحملانها. قال: — سأترك لك المنزل. رفعت رأسها. — مش عايزة بيتك. — الحسابات... — ولا فلوسك. — مريم. — أنا مش عايزة منك حاجة. سكتت لحظة. ثم قالت: — بس عندي سؤال واحد. — اسألي. — هل حبيتني في يوم؟ تغير وجهه. ولم يجب. انتظرت. كانت الإجابة التي ستحدد كل شيء. لكنه قال فقط: — هذا السؤال لن يغير شيئًا. شعرت بشيء ينكسر. أغلقت الملف. — تمام. وقفت. — هفكر. هز رأسه. ثم نهض. لكن قبل أن يبتعد، قالت: — سليم. توقف. — أنت قلت إن مفيش واحدة تانية. — نعم. — متأكد؟ استدار. — نعم. نظرت إليه. — إذن ليه حاسس إنك مش بتطلقني عشان تخلص مني؟ سكن وجهه. لثانية واحدة فقط، رأت شيئًا في عينيه. خوفًا. لم تفهمه. ثم اختفى. قال: — لأنك لا تعرفين الحقيقة. شعرت بقشعريرة. — أي حقيقة؟ لكنه لم يجب. اتجه إلى الدرج. ثم توقف عند أول درجة. قال دون أن يلتفت: — لا تبحثي خلف الماضي يا مريم. ثم صعد. ظلت واقفة مكانها. لم تفهم. الماضي؟ أي ماضٍ؟ وضعت يدها على الملف. كانت الأوراق أمامها. لكنها لم تعد تفكر في الطلاق. كانت تفكر في الجملة الأخيرة. لا تبحثي خلف الماضي. جلست من جديد. فتحت الملف. هذه المرة لم تنظر إلى الصفحة الأولى. قلبت الأوراق. عقد الزواج. بياناتهما. التوقيعات. ثم بعض الأوراق القانونية. لكن شيئًا سقط من بين الصفحات. قطعة ورق صغيرة. التقطتها. لم تكن ورقة قانونية. كانت صورة. قديمة. باهتة. وفيها رجل شاب يقف أمام مبنى لم تعرفه. قلبت الصورة. كانت هناك كتابة بخط اليد: «إذا قرأتِ هذه الرسالة، فهذا يعني أن سليم أخبرك أخيرًا.» توقفت أنفاسها. قلبت الصورة مرة أخرى. حدقت في الرجل. كان سليم. لكن الصورة لم تكن من السنوات السبع الماضية. كان أصغر بكثير. ورجل آخر يقف بجواره. رجل لم تره من قبل. وبجانبهما فتاة. فتاة تشبهها. تشبهها بشكل مخيف. تجمدت أصابع مريم. حدقت في وجه الفتاة. الشعر. العينان. شكل الابتسامة. حتى الشامة الصغيرة قرب خدها. همست: — مين دي؟ سمعت صوتًا خلفها. — لا تلمسي الصورة. استدارت بسرعة. كان سليم واقفًا عند أسفل الدرج. لم تسمع نزوله. كانت ملامحه مختلفة الآن. لم يعد الرجل الهادئ الذي جاء ليطلب الطلاق. كان يبدو خائفًا. قالت: — مين دي؟ لم يجب. رفعت الصورة. — مين البنت دي يا سليم؟ اقترب منها. — أعطيني الصورة. — لأ. — مريم، أعطيني إياها. — هي مين؟ صمت. اقترب أكثر. — هذه الصورة لا تخصك. ضحكت بصدمة. — صورة واحدة شبهّي بشكل مرعب، وفي ملف طلاقي، وبتقول إنها مرتبطة بالماضي… وتقول لي مش تخصني؟ مد يده. — أعطيني الصورة. تراجعت. — مستحيل. حدق فيها. ثم قال: — إذا كنتِ تحبين نفسك، لا تفتحي هذا الباب. توقفت. — باب إيه؟ لم يجب. قالت: — سليم، أنا طول السبع سنين اللي فاتوا كنت بعيش وأنا فاكرة إن مشكلتي إن جوزي مش بيحبني. اقتربت منه. — دلوقتي اكتشفت إن فيه حاجة تانية. — مريم... — وأنا هعرفها. قال بحزم: — لا. كانت تلك أول مرة يرفع صوته عليها. لكنها لم تتراجع. قالت: — أنت طلبت الطلاق. — نعم. — يبقى من حقي أعرف ليه. — ليس الآن. — إمتى؟ صمت. — بعد ما تطلقي مني؟ لم يجب. ابتسمت. — فهمت. ثم رفعت الصورة. — هعرف لوحدي. استدار سليم بعصبية. — مريم، اسمعيني جيدًا. توقفت. قال: — لو بدأتِ تبحثين عن هذه الفتاة، لن يعود الأمر متعلقًا بزواجنا. — وماذا سيصبح؟ نظر إليها. — حياتك. ثم غادر المنزل. هذه المرة لم تمنعه. ظلت مريم واقفة أمام الباب بعد رحيله. لم تشعر بالحزن. كان هناك شيء آخر. شيء يشبه الغضب. وضعت الصورة داخل هاتفها والتقطت لها صورة. ثم أعادت الورقة إلى الملف. جلست على الأريكة. فتحت جهازها المحمول. كتبت اسم سليم في محرك البحث. ظهرت عشرات النتائج. رجل أعمال. مؤسس شركة الراوي للاستثمارات. صفقات. مؤتمرات. مقابلات. لكن لم يكن هناك شيء عن حياته قبل الشركة. بحثت عن اسم والده. ظهرت بعض الأخبار القديمة. وفاة رجل الأعمال فؤاد الراوي منذ ثمانية عشر عامًا. ثم خبر آخر. اختفاء ابنته الوحيدة في ظروف غامضة. تجمدت. ابنته الوحيدة؟ عادت إلى الصورة. الرجل الذي بجوار سليم. فتاة تشبهها. قرأت الخبر. الاسم: نورا فؤاد الراوي. اختفت وهي في الثانية والعشرين. قبل سبع سنوات من زواج مريم بسليم. وضعت يدها على فمها. همست: — نورا... بحثت عن صورها. لم تظهر إلا صورة قديمة منخفضة الجودة. ظهرت الصورة. نظرت مريم إلى الشاشة. ثم إلى الصورة التي بيدها. لم يكن هناك شك. الفتاة نفسها. لكن شيئًا آخر لفت انتباهها. في الصورة القديمة، كانت نورا ترتدي قلادة صغيرة. قلادة على شكل نجمة. نظرت مريم إلى عنقها. كانت ترتدي القلادة نفسها. القلادة التي أعطاها لها سليم في أول سنة من زواجهما. قال لها يومها: «هذه كانت تخص أمي.» لكن أمه كانت حية. وتعيش في الإسكندرية. فكيف تكون القلادة لها؟ شعرت ببرودة تسري في جسدها. فتحت درج الطاولة بسرعة. أخرجت علبة صغيرة. وضعت القلادة بجوار الصورة. تطابقت. بالضبط. بدأت يداها ترتجفان. لم يكن زواجها مجرد زواج بارد. لم يكن سليم مجرد رجل لا يحبها. كانت هناك قصة أخرى. قصة بدأت قبل أن تعرفه. وقبل أن تتزوج منه. وربما… قبل أن تولد هي نفسها. رن هاتفها. قفز قلبها. نظرت إلى الشاشة. رقم مجهول. ترددت قبل أن تجيب. — ألو؟ لم يرد أحد. — مين؟ جاءها صوت امرأة مسنة. هادئ. مبحوح. قال: — أنتِ مريم؟ — أيوه. صمت قصير. ثم قالت المرأة: — هل وجدتِ الصورة؟ تجمدت مريم. — حضرتك مين؟ — امرأة كان يجب أن تموت منذ سبع سنوات. اتسعت عينا مريم. — نورا؟ ضحكت المرأة. ضحكة خافتة بلا فرح. — سليم قال لكِ إنني مت، أليس كذلك؟ نهضت مريم من مكانها. — مين حضرتك؟ قالت المرأة: — اسمعيني جيدًا. — أنا بسمعك. — لا تثقي في سليم. انقطع الاتصال. ظلت مريم تحدق في الهاتف. ثم جاءتها رسالة. فتحتها. كانت صورة جديدة. صورة لها هي وسليم. في يوم زفافهما. لكن الصورة لم تكن من ألبومها. كان واضحًا أنها التُقطت من بعيد. وتحتها جملة واحدة: «أنتِ لم تكوني العروس التي اختارها سليم.» شعرت مريم بأن العالم يدور حولها. ثم وصلت رسالة ثانية. «غدًا ستعرفين لماذا تزوجك.» وفي اللحظة التي قرأت فيها الجملة، سمعت طرقًا على باب المنزل. ثلاث طرق. متتالية. رفعت رأسها. كان المنزل خاليًا. وسليم غادر منذ دقائق. اقتربت من الباب بحذر. سألت: — مين؟ لم يجب أحد. عاد الطرق. ثلاث مرات. وضعت يدها على المقبض. ثم تذكرت جملة سليم. لا تفتحي هذا الباب. لكنها فتحته. ولم تجد أحدًا. فقط ظرف أبيض موضوع أمام العتبة. انحنت والتقطته. لم يكن عليه اسم. فتحت الظرف. سقطت منه ورقة واحدة. قرأت السطر الأول. ثم تجمدت. «مريم السيوفي… إذا أردتِ معرفة سبب زواج سليم منك، ابحثي عن المرأة التي ماتت ليلة زفافكما.» رفعت رأسها ببطء. وفي مكان بعيد داخل المدينة، كان سليم يجلس وحده داخل سيارته. هاتفه في يده. ظهرت أمامه رسالة واحدة: «هي وجدت الصورة.» أغلق عينيه. ثم كتب: «أعرف.» جاءه الرد فورًا: «إذن بدأت النهاية.» نظر سليم إلى شاشة هاتفه طويلًا. ثم قال لنفسه: — لا… البداية. وفي تلك الليلة، لم تنم مريم. لأنها أدركت أن السؤال لم يعد: لماذا يريد سليم طلاقها؟ بل أصبح: لماذا تزوجها من الأساس؟الفصل 47الذاكرة التي رفضت أن تموتالرجل خطى خطوة واحدة جوه النور.لأول مرة، ملامحه ظهرت بوضوح كفاية تخلي سليم يتجمد مكانه.مريم بصت لسليم، مش للرجل.كانت عايزة تعرف من عينيه قبل ما تسمع أي كلمة.لكن سليم ما اتكلمش.بس إيده شدت على إيدها.مريم همست:— سليم؟ما ردش.الرجل ابتسم ابتسامة هادية.— لسه زي ما أنت.سليم رفع عينه له.— أنا أعرفك.الرجل:— عارف.— شفتك قبل كده.— أكيد.— فين؟الرجل قرب خطوة.— في المكان اللي قضيت فيه وقت أطول مما تتخيل.مريم:— الغرفة البيضاء؟الرجل بص لها.— ذكية.سليم:— ما تقوليش له أي حاجة.مريم:— أنا بس بحاول أفهم.الرجل:— وأنا جاي عشان أخليكم تفهموا.سليم:— إنت كنت موجود يوم الاختبار.الرجل:— أيوه.— وإنت اللي كنت بتتكلم معايا.— أيوه.— كنت بتسألني عن مريم.الرجل سكت.سليم قرب منه.— صح؟الرجل:— كنت بسألك عن الشاهد.مريم:— أنا؟الرجل:— أيوه.مريم:— وأنا كنت عندي كام سنة؟الرجل:— سبعة.مريم جسمها ارتعش.سليم لاحظ.— مريم؟— أنا كويسة.الرجل:— مش هتكوني كويسة لما تفتكري.مريم رفعت رأسها.— أنا طول عمري بفتكر أجزاء.— لأن الذاكرة اتقسمت.— مين قس
الفصل 46الرجل الذي عرف سليم قبل مريمدخل الرجل خطوة كاملة في النور.سليم اتجمد.مريم كانت واقفة جنبه، وعينيها بتحاول تشوف ملامحه، لكن سليم مد إيده بسرعة وحجب عنها الرؤية.«ما تبصيش.»مريم شدّت إيده.«إنت شايفه؟»«أيوه.»«مين؟»«لسه مش قادر أقول.»«ليه؟»«لأن اسمه موجود في دماغي قبل ما يكون على لساني.»الرجل ضحك بهدوء.«لسه زي ما أنت يا سليم.»سليم:«إنت.»الرجل:«أيوه.»سليم:«أنا افتكرتك.»الرجل:«مش بالكامل.»سليم:«افتكرت يوم المستشفى.»الرجل:«وده الجزء اللي كنت عايزك تفتكره.»مريم:«إنت كنت موجود يوم ولادتي.»الرجل:«كنت.»مريم:«وكنت موجود يوم ولادة سليم.»الرجل:«كنت.»سليم:«وكنت موجود لما أخويا اتولد.»الرجل:«كنت.»مريم:«والطفلة الثالثة.»الرجل سكت.مريم:«كنت موجود لما أختي اتولدت.»الرجل:«أيوه.»سليم:«إنت اللي أمرت ياخدوها.»الرجل:«أنا اللي أمرت بحمايتها.»سليم:«كذاب.»الرجل:«لو كنت عايز أقتلها، كانت ماتت في الليلة دي.»مريم:«طب ليه أخفيتها؟»الرجل:«عشان أضمن إنها تفضل حية.»مريم:«وتفضل فين؟»الرجل:«بعيدة عنك.»سليم:«ليه؟»الرجل:«لأن اجتماعكم كان خطر.»مريم:«
الفصل 45 الوعد الذي لم يتذكره سليم «الحارس لم يُخلق ليحمي الشاهد... بل ليختار إن كان سيقتله أم ينقذه.» الجملة فضلت قدامهم على الحيطة. مريم كانت بتبص لسليم. وسليم كان بيبص للكلمات كأنه بيحاول يلاقي جواه حاجة ضاعت من سنين. مريم قربت منه. «سليم.» ما ردش. «بصلي.» رفع عينه. «إنت مش قاتل.» ابتسم ابتسامة باهتة. «إنتِ ما تعرفيش.» «أعرف.» «إنتِ ما تعرفيش أنا كنت إيه قبل ما أعرفك.» «أنا عارفة اللي عملته.» «بس مش عارفة اللي كنت ممكن أعمله.» «ممكن.» «يعني مصدقة الكلام؟» «مصدقة إنهم كانوا عايزين يحولوا حياتك لخطة.» «وده معناه إن كل حاجة عملتها كانت بتوجيه منهم.» «لأ.» «ليه؟» «لأنك لما كان قدامك اختيار، اخترت.» «إنتِ مش فاكرة.» «ولا إنت.» «أنا خايف أفتكر.» مريم مسكت إيده. «يبقى نفتكر سوا.» «ولو افتكرت إني كنت المفروض أقتلك؟» «هفتكر معاك إنك ما قتلتنيش.» سليم سكت. مريم كملت: «ولو افتكرت إنك كنت عايز تقتلني...» «مريم.» «هسألك ليه.» «ولو الإجابة وجعتك؟» «هنواجهها.» «ولو غيرت كل اللي بينا؟» «مش هتغيره.» «إزاي؟» «لأن اللي
الفصل 44 سليم قبل أن يكون الحارس «دي علامتي أنا.» الجملة فضلت معلقة في الهوا. مريم كانت واقفة قدام أول درجة في السلم، عينيها مثبتة على الحرفين المحفورين في الحجر. س.م بصت لسليم. «س.م؟» سليم ما ردش. «سليم، أنا بسألك.» «مش عارف.» «إنت بنفسك قلت إنها علامتك.» «لأني شوفتها قبل كده.» «فين؟» «مش فاكر.» «إنت لسه من شوية بتقول إنك مش فاكر، وبعدين تقول شوفتها قبل كده.» «لأن الذكرى مش كاملة.» «حاول.» «بحاول.» «فين شفتها؟» سليم قرب من الحائط، ومد إيده ناحية الحرفين، لكنه وقف قبل ما يلمسهم. «في مكان أبيض.» «يعني إيه مكان أبيض؟» «أوضة.» «مستشفى؟» «مش عارف.» «بيت؟» «لأ.» «المشروع؟» «يمكن.» مريم قربت منه. «إيه أول حاجة فاكرها؟» سليم غمض عينيه. «كان فيه سرير.» «سرير إيه؟» «سرير أطفال.» «وكان عليه مين؟» سليم فتح عينيه فجأة. «طفل.» «مين؟» «مش عارف.» «سليم، ركز.» «كان طفل صغير جدًا.» «رضيع؟» «أيوه.» «وإنت كنت كام سنة؟» «يمكن خمسة عشر.» «وكنت لوحدك؟» «لأ.» «مين كان معاك؟» «أبويا.» مريم سكتت. «أبوك كان م





