Home / الرومانسية / ظل في المرآة / المواجهة الأولى

Share

المواجهة الأولى

Author: Zikostras
last update publish date: 2026-08-28 20:05:54

لم تكن الأيام التي أعقبت رؤية السيارة السوداء أمام المكتبة هادئة بأي حال من الأحوال. ذهبنا أنا ولمى في صباح اليوم التالي إلى كمال كما اتفقنا، وقضينا ساعات طويلة نوثّق كل الأوراق المتعلقة بالصندوق الائتماني رسمياً، ونحوّل الملكية باسمها بشكل قانوني كامل لا يقبل الطعن أو التأويل. وقّعت لمى على الأوراق بيد لا تزال ترتجف قليلاً، وكأنها توقّع على فصل جديد من حياتها لم تكن مستعدة له بعد، بينما كان كمال يشرح لها كل بند بصبر، ويؤكد لها مراراً أن حقها هذا موثّق ومحمي بالكامل منذ سنوات طويلة، وأن ما تبقى الآن هو مجرد إجراءات شكلية لإغلاق أي ثغرة محتملة.

ظننت أن هذا الإجراء وحده كفيل بإنهاء أي تهديد محتمل، أن مجرد توثيق الحق قانونياً سيجعل أي محاولة من زهير للتدخل عبثاً لا طائل منه. لكن الأمور، كما تعلمت لاحقاً، لا تسير دائماً وفق منطق الأوراق والقوانين وحدها.

بعد ثلاثة أيام من توثيق الأوراق، وبينما كنت جالساً في مكتبي الهندسي أراجع بعض المخططات لمشروع صغير كنت قد بدأت العمل عليه لأشغل ذهني عن كل هذا التوتر، سمعت طرقاً هادئاً على الباب، ثم دخل رجل في الخمسينيات من عمره، أنيق الملبس، يرتدي معطفاً داكناً رغم دفء الطقس، لكن في عينيه شيء بارد يصعب تفسيره، نظرة رجل تعلّم أن يخفي غضبه القديم خلف ابتسامة مهذبة. عرّف عن نفسه فوراً دون مقدمات طويلة، وكأنه كان يتدرب على هذه الجملة لسنوات:

"زهير القيسي. أظنك سمعت اسمي مؤخراً، يا ياسين."

جلس أمامي دون أن أدعوه للجلوس، وهو ما اعتبرته إشارة صغيرة إلى طبيعة الرجل الذي أمامي: شخص اعتاد أن يفرض حضوره دون استئذان. ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ونظر حوله في المكتب بتمعن، كأنه يتفحص إرثاً كان يظن يوماً أن جزءاً منه سيؤول إليه.

"أعرف أنك اكتشفت أمر الصندوق الائتماني"، قال بهدوء مصطنع، "وأعرف أنك وثّقته رسمياً باسم ابنة إدريس قبل ثلاثة أيام. أتحرك بسرعة، أليس كذلك؟ تماماً كوالدك."

"لا أظن أن هناك ما يستدعي التباطؤ في إحقاق حق شخص ما"، قلت بحذر، محاولاً ألا أظهر التوتر الذي بدأ يتسلل إلى صوتي رغم محاولاتي.

ضحك زهير ضحكة جافة، خالية من أي مرح حقيقي. "حق. كلمة كبيرة يا ياسين، يستخدمها كل طرف في أي نزاع ليبرر موقفه. والدك أقنع نفسه، ولعله أقنع نفسه بصدق، أنه يحمي حصة صديقه الراحل. لكنه في الواقع استولى على ثلث مشروع كان يفترض أن يُقسّم بيننا نحن الثلاثة بالتساوي بعد وفاة إدريس، حسب بنود اتفاق الشراكة الأصلي الذي وقّعناه جميعاً بأيدينا قبل عشرين عاماً. لم يكن من حقه أن يقرر منفرداً، دون الرجوع إليّ، أن يذهب النصيب كاملاً للابنة، متجاهلاً حصتي القانونية المكتسبة في أرباح ذلك المشروع."

"إذا كان لديك حق قانوني بهذا الوضوح، فلماذا لم تطالب به عبر المحاكم بشكل نهائي كل هذه السنوات؟" سألته بحدة أكبر مما قصدت، شعرت بحاجتي لأن أوقف هذا السرد الذي يحاول أن يرسم أبي كرجل استغلالي.

توقف زهير قليلاً، وتلاشت الابتسامة المصطنعة من وجهه للحظة، وكأن السؤال لامس نقطة حساسة حقاً. "حاولت، منذ سنوات طويلة، بكل ما أملك من وسائل قانونية. لكن والدك كان بارعاً في التلاعب بالأوراق والصياغات القانونية المعقدة، وكان يملك في هذه المدينة علاقات ونفوذاً أقوى بكثير من علاقاتي أنا، الغريب القادم من مدينة أخرى في الأصل. خسرت القضية بعد سنوات من التقاضي المكلف، وخسرت معها معظم مدخراتي في أتعاب المحامين، واضطررت في النهاية للرحيل عن المدينة كلياً لأعيد بناء حياتي من الصفر في الخارج، بعيداً عن كل من عرف قصة فشلي هنا."

شعرت للحظة أن هناك جزءاً من كلامه يحمل مرارة صادقة، ألماً حقيقياً لرجل خسر معركة طويلة، لكن هذا لم يبرر بالنسبة لي أسلوب المراقبة الصامتة والرسائل الغامضة والتهديد غير المعلن الذي مارسه علينا، أنا ولمى، في الأيام الماضية.

"إذا كانت لديك مظالم قديمة تشعر بها بصدق"، قلت بحزم متزايد، "فهذا لا يعطيك الحق في مراقبتنا سراً، ولا في إرسال رسائل غامضة إلى مكتبي، ولا في الوقوف بسيارتك أمام بيتي وأمام مكان عملها في الليل. إن كان لديك أي مطالبة قانونية جديدة، فالطريق مفتوح أمامك للذهاب إلى المحكمة من جديد، أما أسلوب التهديد غير المباشر هذا فلن يوصلك إلا إلى مشاكل أكبر بكثير مما تتخيل."

نظر إليّ زهير طويلاً، عينان باردتان تقيّمان مدى جدية كلامي وقدرتي على تنفيذ ما ألمّح إليه. ثم نهض ببطء شديد، مصلحاً معطفه بحركة هادئة مدروسة، وقبل أن يغادر المكتب، التفت إليّ بابتسامة باردة أكثر من أي وقت مضى:

"لم آتِ اليوم لأهددك بشكل مباشر، يا ياسين، فأنا رجل يفضّل الحلول الودية دائماً قبل أي شيء آخر. أتيت لأعطيك فرصة أخيرة للتفاوض بشكل حضاري، فرصة لتقسيم الأرض بشكل معقول يرضي الجميع، قبل أن أضطر للجوء إلى وسائل أخرى قد لا تعجب أياً منا حين يحين وقتها. فكّر في الأمر جيداً، ولديك أسبوع واحد فقط لتعطيني إجابة نهائية. بعد ذلك، لن أعد بأنني سأبقى بهذا القدر من الصبر."

غادر المكتب تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً وشعوراً بالقلق يتصاعد في صدري بلا توقف. جلست خلف مكتبي دقائق طويلة، أستعيد كل كلمة قالها، أحاول أن أفهم أي جزء من كلامه كان صادقاً وأيها كان مجرد محاولة للتلاعب بمشاعري وإحساسي بالذنب تجاه ماضٍ لم أكن طرفاً فيه.

اتصلت بكمال فوراً وأخبرته بكل تفاصيل الزيارة كلمة بكلمة. استمع بقلق شديد، صامتاً في معظم الوقت، ثم قال بصوت جاد: "هذا يؤكد ما كنت أخشاه بالضبط. زهير رجل يائس مادياً بشكل حقيقي، سمعت من معارف مشتركين أن مشاريعه في الخارج فشلت فشلاً ذريعاً في السنوات الأخيرة، وأنه يواجه ديوناً كبيرة هناك. ربما يرى في هذه الأرض، في هذه اللحظة تحديداً، فرصته الأخيرة لاستعادة ثروته وكرامته معاً. يجب أن نكون حذرين جداً في التعامل معه من الآن فصاعداً، لكن يجب أيضاً ألا نستسلم لتهديداته بأي شكل، فالقانون في صفكم بشكل قاطع لا لبس فيه بعد التوثيق الذي أجريناه قبل أيام."

ذهبت في المساء إلى لمى في المكتبة لأخبرها بما حدث، ووجدت القلق يعلو وجهها الشاحب فور سماعها التفاصيل كاملة. تركت الكتاب الذي كانت تمسكه جانباً، وجلست تستمع بتركيز شديد، يداها متشابكتان في حجرها.

"أخشى أن يحاول فعل شيء متهور، ياسين"، قالت بصوت مرتجف قليلاً حين انتهيت. "رجل خسر كل شيء تقريباً، ويرى فرصته الأخيرة تفلت منه أمام عينيه، قد يكون خطيراً بحق، أكثر مما نتخيل نحن الاثنان."

حاولت أن أطمئنها قدر استطاعتي، رغم أن القلق نفسه كان يعتصر صدري أيضاً بلا هوادة. "لن أدعه يقترب منك أبداً، لمى، مهما كلّف الأمر. سنتعامل مع هذا كله بكل الوسائل القانونية المتاحة أمامنا، وإن احتجنا لحماية إضافية من الشرطة أو من حراسة خاصة، فسنطلبها دون أي تردد أو تأخير."

جلسنا في المكتبة حتى وقت متأخر من تلك الليلة، نناقش كل الاحتمالات الممكنة بهدوء ظاهري يخفي توتراً داخلياً كبيراً، ونحاول أن نجد طمأنينة حقيقية في قرب أحدنا من الآخر وسط هذه العاصفة المفاجئة التي اجتاحت حياتينا معاً. وفي لحظة هدوء نادرة بيننا، بعيداً عن الحديث عن زهير والتهديدات والأوراق القانونية والصندوق الائتماني، نظرت إليّ لمى نظرة مختلفة تماماً، أعمق وأصدق من كل النظرات السابقة بيننا.

"أتعرف؟" قالت بصوت هادئ خافت، "رغم كل ما يحدث حولنا، رغم الخوف والقلق اللذين لا يفارقانني منذ أيام، أشعر أنني، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة جداً، لست وحيدة في مواجهة العالم بمفردي. لديّ أنت الآن بجانبي."

أمسكت يدها بلطف، وشعرت بدفء غريب يتسلل إلى قلبي وسط كل هذا التوتر المحيط بنا من كل جانب. "ستبقين كذلك دائماً، لمى، مهما حدث لاحقاً، ومهما بلغت صعوبة الأيام القادمة."

اقتربت مني قليلاً، ووضعت رأسها على كتفي في صمت مريح، ونحن نراقب الظلام يخيّم رويداً رويداً على الميناء الهادئ خلف زجاج المكتبة، وكأن العالم بأسره توقف للحظة عن كونه ساحة صراع وتهديد، ليصبح مجرد مكان صغير يسع اثنين يبحثان عن الأمان في بعضهما البعض وسط عاصفة لم يختارا دخولها.

لكن ذلك الهدوء الهش لم يدم طويلاً كما تمنّينا. في صباح اليوم التالي، وقبل أن أنهض حتى من فراشي، استيقظت على رنين هاتفي المتكرر بإلحاح، وحين رفعت السماعة سمعت صوت لمى مذعوراً يرتجف من الطرف الآخر:

"ياسين، تعال بسرعة، أرجوك! شخص ما اقتحم المكتبة الليلة الماضية، وسرق كل الأوراق والصور القديمة المتعلقة بوالدي!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل في المرآة   ليلة قبل الزفاف

    مع اقتراب الأسبوع الأخير قبل موعد الزفاف، غمر المنزل القديم لأسرة بن رحال نشاط غير معتاد، بعد سنوات طويلة من الصمت الذي خيّم عليه منذ وفاة عبد الرحمن. بدأت لمى تقضي معظم أوقاتها هناك، تساعد في ترتيب التفاصيل الأخيرة، بينما تحول المنزل تدريجياً من مكان يحمل ذكريات ثقيلة إلى بيت ينبض بالحياة والأمل من جديد.في أحد الأمسيات، وبينما كانت لمى تساعد ياسين في ترتيب بعض الأغراض القديمة في العلية، عثرت على صندوق خشبي صغير لم يكن قد انتبه له من قبل، مخبأ خلف أكوام من الكتب القديمة والأوراق المهملة. فتحته بفضول، ووجدت بداخله مجموعة من الصور العائلية القديمة لم يرها ياسين من قبل، صور لوالده في شبابه، بعضها مع إدريس نفسه في لحظات مرح بدت بعيدة كل البعد عن الثقل الذي حملته قصتهما لاحقاً.جلسا معاً على أرضية العلية، يتصفحان الصور بحنان مختلط بحزن هادئ. كانت هناك صورة لاثنين من الشبان، عبد الرحمن وإدريس، يقفان أمام قطعة أرض فارغة، يبتسمان بحماس واضح، وخلف الصورة كتب بخط يد شاب: "بداية حلمنا الكبير، مشروع النخيل، صيف عام...""لم أكن أتخيل يوماً أنني سأرى صورة تجمع بينهما بهذه البساطة والفرح"، قالت لمى

  • ظل في المرآة   ظل من السجن

    بينما كانت التحضيرات لحفل الزفاف تسير بخطى ثابتة، وصل خبر غير متوقع هزّ استقرار الأسابيع الهادئة التي عاشها ياسين ولمى مؤخراً. اتصل بهما كمال ذات صباح، صوته يحمل قلقاً مهنياً معتاداً كلما تعلق الأمر بأي تطور جديد في قضية زهير. "تقدم محامي زهير باستئناف رسمي على الحكم"، أخبرهما بحذر، "مستنداً هذه المرة إلى طعن في إجراءات جمع الأدلة، تحديداً في كيفية حصول الشرطة على بيانات الموقع الجغرافي للهاتف المستخدم في التهديدات. يدّعي المحامي أن هناك خللاً إجرائياً في الحصول على إذن قضائي بذلك التتبع."شعرت لمى بموجة من القلق القديم تعود إليها رغم محاولاتها المستمرة للتحرر من ظلال تلك الفترة المظلمة. "هل يمكن أن ينجح هذا الاستئناف في تخفيف الحكم أو إلغائه؟"طمأنها كمال بحذر: "من الناحية الفنية، هذا احتمال ضعيف جداً، فالأدلة الأخرى، من شهادة عادل الموثقة إلى اعتراف فراس المسجل رسمياً، تكفي وحدها لإدانة قوية بغض النظر عن مسألة تتبع الهاتف. لكن هذا يعني أن ملف القضية سيبقى مفتوحاً قانونياً لفترة إضافية، وقد نحتاج لحضور جلسة استئناف قصيرة خلال الأشهر القادمة."حاول ياسين أن يخفف من قلق لمى، مذكّراً إي

  • ظل في المرآة   الشريك الرابع

    مرّ شهر تقريباً على لقاء لمى بعمتها فاطمة، شهر حمل استقراراً نادراً في حياة الاثنين، بين تحضيرات الزفاف المتزايدة وزيارات متكررة لفاطمة التي أصبحت جزءاً أساسياً من دائرة العائلة الصغيرة المتنامية حول ياسين ولمى. لكن ياسين لم ينسَ ذلك التفصيل الذي ذكره كمال قبل أسابيع، عن شريك رابع محتمل ظهر اسمه بشكل غامض في مستندات مشروع النخيل القديمة.في أحد الأيام، وبينما كان ياسين يراجع بعض المخططات في مكتبه، اتصل به كمال بصوت يحمل جدية متجددة. "ياسين، عدت للتحقيق في تلك الإشارة الغامضة عن الشريك الرابع، ووجدت شيئاً مثيراً للاهتمام. يبدو أن هناك مستثمراً رابعاً كان جزءاً من المفاوضات الأولية لمشروع النخيل، رجل يُدعى كريم الوزاني، لكنه انسحب من الصفقة في اللحظات الأخيرة قبل توقيع العقد النهائي، لأسباب غير موثقة بوضوح في الأوراق التي لدي.""هل تظن أن لهذا أي تأثير على وضعنا القانوني الحالي؟" سأل ياسين بحذر، بدأ يشعر بنوع من الإرهاق من الاكتشافات المتلاحقة التي بدت وكأنها لن تتوقف أبداً."من الناحية القانونية الصرفة، لا، فقد انسحب رسمياً قبل توقيع العقد، ولا يملك أي حق قانوني في المشروع الحالي. لكن

  • ظل في المرآة   فاطمة

    اتفقت لمى مع فاطمة على اللقاء في اليوم التالي، في نفس المقهى الهادئ قرب الميناء الذي كان قد شهد لقاءها الحاسم مع عادل قبل أشهر. أصرّ ياسين على مرافقتها هذه المرة، بعد كل ما مرّا به من مفاجآت غير متوقعة، ولم تعترض لمى على ذلك، بل شعرت بارتياح لوجوده بجانبها في مواجهة أي حقيقة جديدة قد تنكشف.وصلت فاطمة في الموعد المحدد، امرأة في أواخر الستينيات من عمرها، ترتدي ملابس بسيطة أنيقة، وتحمل حقيبة يد قديمة تمسك بها بإحكام كما لو كانت تحتوي على كنز ثمين. جلست أمامهما بحذر، عيناها تتفحصان ملامح لمى بتمعن شديد، وكأنها تبحث عن شبه عائلي تعرفه جيداً."سامحيني على هذا اللقاء المفاجئ"، بدأت فاطمة حديثها بصوت مرتجف قليلاً من التأثر. "لكن حين سمعت قصتك من ابنة أختي، التي تعمل ممرضة في المستشفى وسمعت الحديث عن قضيتك المشهورة في المدينة مؤخراً، شعرت أن عليّ واجباً أخلاقياً لا يمكنني تجاهله."سألتها لمى بلطف: "كيف تربطك القرابة بوالدي بالضبط؟"أخرجت فاطمة من حقيبتها صورة قديمة مهترئة الأطراف، ووضعتها بحذر على الطاولة أمامهما. كانت الصورة لعائلة كاملة تقف أمام منزل قديم، من بينهم طفل صغير بدا وكأنه في الع

  • ظل في المرآة   بداية جديدة

    مرت الأسابيع التالية للمحاكمة بهدوء نسبي لم نعهده منذ أشهر طويلة، هدوء بدا في البداية غريباً بعد كل تلك الفترة المليئة بالتوتر والترقب المستمر. عاد كل من ياسين ولمى إلى روتين حياتهما اليومية، لكن بشعور مختلف تماماً هذه المرة، شعور بالأمان والاستقرار الذي طالما افتقداه.عاد المكتب الهندسي لياسين ينبض بالحياة من جديد، حيث بدأ يستقبل مشاريع جديدة بعد أشهر من الإهمال القسري، بينما استعادت مكتبة لمى رونقها المعتاد، وأعادت ترتيب الرفوف التي تضررت خلال حادثة الاقتحام، مضيفة إليها بعض الكتب الجديدة التي طالما حلمت باقتنائها.في أحد أمسيات الخريف الهادئة، وبينما كانا يتمشيان معاً على كورنيش الميناء، توقف ياسين فجأة أمام لمى، وأخرج من جيبه علبة صغيرة كان يخفيها بعناية منذ أيام. "لمى"، قال بصوت يحمل مزيجاً من التوتر والحسم، "منذ اللحظة التي عرفت فيها الحقيقة الكاملة عن مشاعري تجاهك، لم أعد أتخيل حياتي بدونك. عشنا معاً أصعب الأيام التي يمكن أن يمر بها اثنان، وأثبتنا لبعضنا البعض أننا قادران على مواجهة أي عاصفة سوياً. هل توافقين أن نبدأ فصلاً جديداً من حياتنا، كزوجين هذه المرة؟"فتح العلبة ليكشف ع

  • ظل في المرآة   يوم المحاكمة

    جاء يوم المحاكمة الجنائية الكاملة أسرع مما توقعنا، بعد أسابيع من التحضيرات المكثفة التي قادها كمال بالتنسيق مع النيابة العامة. كانت القاعة هذه المرة أكبر بكثير من قاعة الجلسات الأولية التي اعتدنا عليها، مخصصة للقضايا الجنائية الكبرى، وامتلأت بمقاعد شهود ومراقبين، من بينهم عدد من الصحفيين المحليين الذين بدأت القضية تثير اهتماماً إعلامياً متزايداً بعد تسرب بعض تفاصيلها إلى الصحافة المحلية في الأسابيع الأخيرة.جلسنا، أنا ولمى، في الصف المخصص للشهود والمتضررين، بينما جلس كمال إلى جانب ممثل النيابة العامة، محامٍ شاب يُدعى الأستاذ نبيل، كان قد تولى القضية رسمياً باسم الدولة بعد تصنيفها كقضية جنائية كاملة تتجاوز النزاع المدني الأصلي. دخل زهير القيسي وفراس بن عمر معاً، كل منهما يرتدي الزي الرسمي المخصص للمحتجزين، ملامحهما تحمل إرهاقاً واضحاً بعد أسابيع من الاحتجاز.بدأت المحاكمة بعرض الأستاذ نبيل للتهم الموجهة رسمياً: التحريض على الاعتداء بنية الترهيب، التهديد بالقوة لإجبار طرف على التنازل عن حق مالي، والتواطؤ في محاولة اقتحام مسكون بنية إجرامية واضحة، إضافة إلى تهمة منفصلة تتعلق بشبهة تزوير

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status