INICIAR SESIÓNنظر آسر إلى المطعم.تغيرت ملامحه قليلًا، وكأن المكان نفسه حرّك ذكرى قديمة في داخله.ثم قال:— لا.صمت قليلًا.— منذ فترة طويلة لم آتِ إلى هنا.توقفت أنفاسها.فترة طويلة…لماذا اختار هذا المكان تحديدًا؟هل كان الأمر مجرد صدفة؟أم أن شيئًا في داخله قاده إليه دون أن يدرك السبب؟حاولت أن تخفي اضطرابها، فقالت بهدوء مصطنع:— غريب.نظر إليها.— ما الغريب؟ابتسمت بسرعة.— لا شيء… فقط توقعت أنك من النوع الذي لديه أماكن مفضلة.— لدي.— وهذا ليس منها؟هز رأسه.— كان كذلك منذ وقت طويل.نظرت إليه.توقفت عند كلماته.كان كذلك…ثم لم يعد.لم تعرف لماذا شعرت بأن الجملة تحمل أكثر مما قاله.ابتلعت غصتها، ثم سألته:— إذن لماذا اخترته اليوم؟صمت آسر للحظة.رفع عينيه نحو واجهة المطعم، وكأنه يحاول هو نفسه أن يجد إجابة مقنعة.ثم قال:— لا أعرف.التفت إليها.— عندما كنت أفكر في مكان نتناول فيه الغداء… جاء هذا المكان إلى ذهني.اتسعت عيناها قليلًا.حاولت إخفاء ارتباكها.— صدفة إذن.— ربما.فتح باب السيارة ونزل.أما هي، فبقيت لثوانٍ في مكانها.لم تستطع أن تتحرك.وضعت يدها فوق صدرها، محاولة تهدئة ضربات قلبها المت
كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا عندما خرجت إيلين من مبنى الشركة.أنهت آخر مكالمة لها، ثم أغلقت هاتفها وأخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول أن تتخلص من إرهاق يوم كامل دفعة واحدة.كان يومًا طويلًا.اجتماعات متتالية، ملفات متراكمة، أرقام، ومناقشات لم تنتهِ إلا قبل دقائق.لكن رغم كل ذلك، لم يكن العمل هو أكثر ما يشغل تفكيرها.منذ الصباح…كانت تفكر في وعد آسر.هل سيأتي فعلًا؟أم أنه قالها بدافع المجاملة فقط؟حاولت ألا تمنح الأمر أهمية أكبر مما يستحق، لكنها وجدت نفسها تراقب الطريق أمام مبنى الشركة دون وعي.رفعت عينيها نحو الساحة.ثم توقفت.كانت سيارة سوداء فاخرة تقف بالقرب من الرصيف.وبجوارها…كان آسر ينتظرها.لم يكن يبدو مستعجلًا، بل كان واقفًا بهدوء، يضع إحدى يديه في جيب بنطاله، بينما كانت الأخرى تمسك بهاتفه.وكأنه لم يفكر للحظة في احتمال ألا تأتي.ما إن لمحها حتى رفع عينيه.تلاقت نظراتهما.وفي اللحظة نفسها، ابتسمت إيلين دون أن تشعر.ابتسامة صغيرة، عابرة، لكنها كانت كافية لتجعلها تدرك أنها كانت تنتظر رؤيته أكثر مما أرادت الاعتراف به.اقتربت منه، محاولة استعادة هدوئها.قالت بنبرة خفيفة:— مو
طال صمتها.وكأن السؤال أصاب المكان الذي كانت تحاول طوال الوقت ألا تقترب منه.ثم أجابت:— أخشى أن يعرفني.تغيرت ملامح سليم.فهو يعرف أن هذا هو الاحتمال الذي تخشاه إيلين أكثر من أي شيء آخر.— لن يعرفكِ.— لكنني كنت زوجته لسنوات.— الوجه تغير.— والاسم تغير.— وطريقتك في الكلام تغيرت.— لكن الذكريات لا تتغير.قال سليم بحزم:— الذكريات في رأسه مرتبطة بامرأة ماتت منذ خمس سنوات.صمتت إيلين.فأضاف:— أما إيلين التي أمامه الآن… فهي امرأة لم يعرفها من قبل.استنشقت نفسًا عميقًا.— أتمنى أن تكون محقًا.— أنا لا أتمنى.توقفت لحظة.— ماذا تقصد؟— أنا أعرف.قالها بثبات، ثم تابع:— لقد أمضينا خمس سنوات نبني هذه الحياة من أجل هذه اللحظة. لن أسمح لخوفك بأن يهدم كل شيء.هدأت أنفاسها قليلًا.— حسنًا.— وماذا ستفعلين غدًا؟— سأتعامل معه بصورة طبيعية.— جيد.— ولن أظهر أي شيء.— أفضل.ثم سألها:— وماذا عن الغداء؟ابتسمت إيلين رغمًا عنها.— سأذهب.— لا ترفضي كل مرة يحاول فيها الاقتراب منكِ.— لماذا؟— لأنك إذا رفضتِ باستمرار، سيبدأ في التساؤل عن سبب رفضك.صمتت.كانت تفكر في الأمر بجدية هذه المرة.— اجعليه
رن هاتف سليم الراشد.كان جالسًا أمام البحر، غارقًا في أفكاره، يتابع حركة الأمواج بصمت بينما كانت نسمة المساء تحرك أطراف ملابسه. ما إن سمع رنين هاتفه حتى رفع عينيه عن البحر، ومد يده إليه.نظر إلى الشاشة.كان اسم إيلين ظاهرًا أمامه.لم يحتج إلى التفكير طويلًا قبل أن يجيب.— ماذا حدث؟جاءه صوتها من الطرف الآخر، هادئًا لكنه يحمل شيئًا من التردد:— أردت أن أخبرك أن الأمور تسير كما خططنا.اعتدل سليم في جلسته، وانتقلت كل حواسه إلى المكالمة.— تحدثي.تنفست إيلين ببطء، وكأنها ترتب ما ستقوله قبل أن تنطق به.— آسر بدأ يقترب مني.ساد الصمت للحظات.ظل سليم صامتًا، لكن نظراته تغيرت، وكأنه بدأ يزن معنى كلماتها.ثم سأل:— إلى أي درجة؟أجابته إيلين:— اليوم أوصلني بنفسه بعد أن تعطلت سيارتي.لم يعلق سليم.كان ينتظر المزيد.وكأنه يعرف أن ما قالته حتى الآن ليس سوى البداية.تابعت:— وفي البداية حاولت الرفض، لكنه أصر.— وبعدها؟— عندما نزلت من السيارة، عرض عليّ أن يعود ليأخذني بعد انتهاء عملي… وقال إنه يريد أن نتناول الغداء معًا.ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه سليم.لم تكن ابتسامة فرح، بقدر ما كانت علامة على أ
أجاب بلا اهتمام: — لدي. ثم أضاف بعد لحظة: — لكنه ليس مهمًا. عقدت حاجبيها، وكأنها لم تستوعب بعد سبب تخليه عنه بهذه السهولة. — لا داعي لأن تلغيه من أجلي. نظر إليها مباشرةً، وقال بنبرة هادئة: — لم أقل إنني سألغيه من أجلك. نظرت إليه بشيء من الاستغراب لجملته التي أحرجتها، بينما هو تابع ببسمةٍ صغيرة: — لن أذهب. اتسعت عيناها قليلًا من تلاعبه بها، وقالت: — لكن... قاطعها بهدوء: — إيلين، إنه مجرد غداء عمل. ثم أضاف: — أما هذا... توقفت عيناه عندها لثانية. — فموعد لا أريد تفويته. تجمدت في مكانها للحظة. لم تكن تتوقع منه إجابة كهذه، ولا تلك النبرة التي جعلت كلماته تبدو أبعد بكثير من مجرد عرض عابر للتناول الغداء. خفضت عينيها سريعًا، بينما بدأت أفكارها تتسابق داخل رأسها. لم يكن هذا جزءًا من خطتها الأصلية. كانت عودتها إلى حياته محسوبة بعناية، وكل خطوة تخطوها كان يفترض أن تخدم هدفًا واحدًا: الوصول إلى الحقيقة. لكن آسر كان يجعل الأمر أكثر تعقيدًا مما توقعت. ولكنها إذا أرادت الوصول إلى الحقيقة، فعليها أن تقترب منه أكثر. أن تجعله يثق بها. وأن تسمح له بأن يعتاد وجودها في حياته من ج
تداركت نفسها، وحاولت أن تجعل نبرتها أكثر هدوءًا.— أقصد... لا أريد أن أسبب لك إزعاجًا.— لن تفعلي.— لكنك خارج إلى مكان آخر.— لدي غداء عمل.ثم نظر إلى ساعته.— وما زال أمامي بعض الوقت.هزت رأسها.— لا داعي. يمكنني طلب سيارة.أخرجت هاتفها مرة أخرى، لكن آسر قال:— إيلين.توقفت يدها.ثم رفعت عينيها إليه.— نعم؟— موعدك أهم من عنادك الآن.نظرت إليه باستنكار خفيف.— أنا لست عنيدة.نظر إلى سيارتها المعطلة، ثم إليها.— إذن لماذا ترفضين حلًا بسيطًا؟لم تعرف ماذا تجيب.فقال:— سأوصلك إلى اجتماعك، وبعدها يمكنك تدبر أمر سيارتك.ترددت إيلين.كانت تعرف أن قبول عرضه ليس فكرة جيدة.فكلما اقتربت منه، أصبح من الصعب عليها أن تتذكر أنها هنا من أجل الحقيقة فقط، وأن عليها أن تحافظ على المسافة التي رسمتها بينهما.لكنها كانت بالفعل متأخرة.والأسوأ من ذلك...أن جزءًا صغيرًا منها لم يكن يريد الرفض.قالت أخيرًا:— حسنًا.تغيرت ملامحه قليلًا، وكأن موافقتها أسعدته أكثر مما توقع.ثم اتجه نحو سيارته.رأى ترددها في الركوب فظن أنها لا تريد أن تجلس على المقعد المجاور له، ففتح الباب الخلفي لها، لكنها توقفت قبل أن تدخ







