Compartir

116

Autor: Ahmed Habib
last update Fecha de publicación: 2026-06-24 22:48:23

لم تكن تبارير الضياء التي بدأت تلوح في أفق العاصمة العتيقة "طيبة" مجرد إعلانٍ عن ميلاد يومٍ جديد، بل كانت غسقاً أثيرياً يطوي تحت ظلاله الممتدة أشرس المعارك الجيوسياسية والعسكرية التي شهدها وادي النيل الخالد. في تلك الساعات الساحرة، المفعمة بعبير الانتصار السرمدي الطاغي الذي طال انتظاره، كانت قاعات البلاط الملكي وممراته الصخرية الشاهقة الصامتة تشهد تحولاً من نوع آخر؛ تحولاً ينبذ صرامة السيف والحيلة العسكرية ليعود إلى النبع الأول للوجود البشري: العاطفة الجارفة الشرسة والشبق الإمبراطوري الذي لا يقهر.

لم تكن المليكة الإمبراطورية الفذة، "نفر"، في تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية، ترتدي الأثواب الرسمية الخشنة المصنوعة من حرير القرطاس الموشى بخيوط الذهب والفضة، ذلك الرداء الأسطوري الصارم الذي طالما قيد حركتها الدلالية، وحبس أنفاسها الأنثوية خلف جدران قاعات العمليات السرية، وخلال جلسات البلاط والمشاورات الحربية المعقدة مع كبار القادة والوزراء. لقد تخلت عن تلك الهيبة الظاهرية المصطنعة، واستسلمت بالكامل وجذرياً، بوجدان متقد ولوعة أنثوية طاغية، لجبروت عاطفتها الجارفة ونيران وجدها الحارق.

أدركت نفر، وهي تقف في محراب مخدعها الملكي الفسيح، أن الحروب الخارجية قد وضعت أوزارها، وأن الجيوش قد عادت إلى ثكناتها محملةً بأكاليل الغار، ولم يعد هناك من داعٍ لإخفاء تلك الأنوثة الآسرة النادرة التي حباها بها النيل؛ تلك الأنوثة التي نُحتت مفاتنها الإلهية بدقة متناهية لتديب عقول ونخاع الجبابرة، وتهد صخر وعي ملوك الأرض قاطبة وتتركهم صرعى عند أعتاب دلالها الطاغي. وبحركات وئيدة، تفيض بالرقة البالغة والوعي الكامل بفتنتها، بدأت تتخلص من حلي الذهب الإمبراطورية العظمى الثقيلة التي طالما أثقلت معصميها وجيدها المرمري.

نزعت يدها الرقيقة تاج اللوتس الذهبي المرصع بالأحجار الكريمة النادرة، ذلك التاج الذي كان يرمز لسلطانها المطلق على البلاد، ووضعته جانباً لتدع كبرياء كينونتها يتنفس الحرية الخالصة بعيداً عن أثقال الحكم ومكائد السياسة الدولية. انساب شعرها الأسود الفاحم كليلٍ سرمدي طويل على كتفيها، وبقيت فقط برادئها الرقيق الفاخر المنحوت من أنقى خيوط الكتان الأبيض الشفاف للغاية، ذلك الكتان الفريد الذي غُزل خصيصاً لها ليكون ناعماً كغسق النيل المتهادي بين الهضاب والصخور في ليلة صيفية دافئة.

كان الثوب الكتاني الرقيق يلتصق بمنحنيات قوامها الفرعوني المثير تلاحماً تاماً، كأنه طبقة ثانية من بشرتها الخمرية الساخنة. لم يكن الرداء يخفي شيئاً بقدر ما كان يفضح بجرأة آسرة، ودلالٍ فائق، وإثارة طاغية تفاصيل ذلك الجسد الممشوق الأخّاذ الذي طالما كان حلماً بعيد المنال لأباطرة الممالك المجاورة. لقد كان جسد نفر قصيدة صاغتها الأقدار بنقاء فريد، ولم يزده تعافي المخاض القريب ونقاء الأمومة الحديثة إلا روعةً، بريقاً، وجاذبية لاهبة تتفجر بالخصوبة والحياة؛ جاذبية لا تقوى أعتى جيوش الأرض، ولا حشود المشاة والفرسان، على مقاومتها أو الصمود أمام فتنتها الطاغية التي تأسر القلوب وتستعبد العقول.

تنقّلت المليكة في أرجاء البهو بخطوات أشبه برقصة مقدسة صامتة، بعد أيام طويلة ومضنية من إدارة المعارك الدولية الكبرى وتسطير النصر الإستراتيجي الشامل الذي حسم مصير التاج المزدوج لمصر العليا والسفلى. كانت تدير شبكات التجسس، وتصدر الأوامر الصارمة لتحريك الجيوش خلف البحار، وتضع الخطط التي حطمت تحالفات الأعداء. ولكن الآن، في هذا الفضاء المغلق، تلاشت كل تلك المهام الإستراتيجية العظمى أمام نداء الجسد والروح، وامتزجت رائحة بخور الصندل والياسمين المنبعثة من الشموع العطرية الفواحة بحرارة أنفاسها المتهدجة، منتظرةً الطوفان القادم الذي سيجتاح المخدع الملكي ليغسل مرارة السنين.

وفي اللحظة الحاسمة التي التقت فيها الأنفاس المتهدجة في فضاء البهو المشحون بالترقب والشهوة الخالصة، انفتح الباب البرونزي الثقيل ليدخل منه الملك الباسل "آني". لم يكن هناك متسع للكلمات أو البروتوكولات الملكية؛ فالشوق الذي تغذى على دماء المعارك ونيران الاغتراب كان أقوى من أن يُلجم. أطبق الملك ساعديه القويين والضخام، المفتولين كجذوع النخل العتيقة على ضفاف النهر الخالد—اللذين طالما سحقا قلعة "مطرقة الشمس السوداء" الحصينة وحطما كبرياء وتيجان أباطرة الغرب والشرق في ساحات الوغى—حول خصرها النحيل الغض من الخلف، بجسارة محارب لا يرحم البعاد ولا يعترف بالمسافات.

جذب الملك جسدها الفتان الفوّاح بنعومة قاتلة وعنفوان حارق نحوه، ممتصاً إياها في وحشية عاشقة ذابت وتلاشت فيها، عند تلك العتبة اللاهبة، كل مرارة السنين الطويلة وعواصف الحروب الدولية الطاحنة التي خاضها في أقاصي الأرض. تلاشت وحشة الاغتراب المرير وراء التخوم الجغرافية الوعرة، ليلتصق ظهرها الساخن الملوح بالرغبة والأنوثة الطاغية بكامل صدره العاري الساخن، المليء بنيران الحمى، وجمر الوجد، ونوازع الامتلاك الأبدي الشامل الذي لا يقبل القسمة ولا يرضى بالقليل. كان يشعر بنبضات قلبها المتسارعة تخترق جدار صدره، كأنما يعاد صهر الكيانين في قالب واحد لا فكاك منه.

التفت أطرافهما الساخنة واندغمت تقاطيعهما الملكية في عناق أثيري شديد العمق، غامق اللوعة، عناق أخرس لسان الكلام تماماً لشدة ما فيه من شهوة حارقة وشبَق خالص جرف وراءه كل قيود المنطق البشري وقوانين البلاط الصارمة. ودفن آني وجهه المحروق بشمس المعارك في منحنيات عنقها المرمري الساخن، يرتشف عبير ياسمينها الساحر بقبلات حارة، ملتهبة، ومتلاحقة، كأنها ضربات مطرقة تصهر الحديد. صهرت تلك القبلات كيانها الروحي والجسدي بالكامل، وأعادت تعميد العهد الأبدي القديم بينهما بمداد من الدم العارم والكتان المعطر بالطهر والوفاء الأقصى الذي تحدى عوادي الزمن.

التفتت المليكة نفر بين يديه برقة بالغة ودلال أنثوي لاهب، حركات رشيقة جرفت في طريقها كل حصون القلق والترقب التي بنيت خلال أشهر الفراق. أحاطت عنقه العريض بذراعيها الرقيقتين الساخنتين، وتشبثت بعضلات ظهره العريض المفتول بأصابع ترتجف لوعةً وشغفاً حامياً هد كبرياء الجبابرة وجعل المحارب الشرس مستسلماً بين يديها. وتلاقت عيناها الكاحلتان الواسعتان، اللتان تطلقان شرارات الذكاء الحاد والغرام المطلق، بعينيه الصقريتين الحادتين المشتعلتين بجنون الشهوة الخالصة ونوازع الامتلاك المطلق الذي تحدى الموت والغدر والمسافات السحيقة.

"لقد خضع العالم كله، بقاراته وسحابه وبحاره السبعة، لسطوة نصلك الفولاذي وسجد صاغراً تحت قدميك يا ملكي وسيد حياتي ونجم وجودي العالي.. والكون بأسره قد أعلن السلام الإمبراطوري الشامل خضوعاً وإذعاناً لجبروت سطوتك الخالدة،" همست نفر بنبرة صوت تفيض بالحميمية الشديدة والأنفاس الدافئة المتهدجة التي لفت وجدانه وأشعلت خلايا جسده؛ وكان ثغرها المكتنز المثير يلامس لحيته الخفيفة بإثارة بالغة صهرت وجدان الملك الشرس وحولته إلى طوع بنانها في هذا المحراب المقدس خلف الأبواب البرونزية السميكة التي عزلتهم عن الكون.

تلقف الملك أنفاسها بلهفة ظامئ قطع قفاراً من الرمال ليجد نبع الماء الأزلي، وأمسك بوجهها الفتان وبشرتها الخمرية الساخنة بين كفيه الخشنتين اللتين طالما قبضتا على مقبض السيف، وعيناه تلتهمان بنهمٍ مجنون سحر تفاصيل ملامحها الفرعونية النادرة وقوامها المثبت، قائلاً بصوت رخيم عميق ومتهدج، مخنوق بالرغبة العارمة والشهوة الخالصة: "لو خضعت لي أباطرة الأرض قاطبة وسجدت لتاجي تيجان البحار السبعة وقارات الوجود بأسره يا غزالتي البرية ومليكة حياتي الأبدية، فلن تساوي تفاصيل هذا الملك العظيم بأسره قطرة واحدة من عبير ياسمينكِ الساخن والملتهب في مخدعنا الحميم خلف الأبواب المغلقة."

وتابع وعيناه تزدادان بريقاً وناراً: "طوال أيام قتالي المرير، وركضي ومواجهتي العنيفة لعواصف المكائد الفلكية والجيولوجية عند الشلالات الوعرة والمضايق السحيقة، لم يكن يمنحني الروح والجسارة لمطاردة الموت وفك شفرات العدم سوى تذكر لمسات يديكِ الناعمتين، وحرارة رغبتكِ المشتعلة التي كانت تنتظرني بفارغ الشوق في هذا المحراب المقدس المطهر بنور الوفاء. الليلة.. طهرنا الأرض تماماً بنصالنا وتوجنا عرش العالم بالدهاء الإستراتيجي؛ والآن، لم يعد للحروب مكان، وأريد فقط أن أذوب بالكامل في تفاصيل أنوثتكِ الطاغية ليعمد عشقنا الأسطوري كالعقيدة الخالدة والشريعة الوحيدة التي ستحكم هذا الوجود إلى الأبد، ولنعلن معاً نهاية زمن الدماء وفجر السلام الأزلي الخالد لنسلنا وعرشنا وتاريخنا الإمبراطوري الشامخ."

لم يعد في المخدع الملكي مكان للتأجيل أو الانتظار؛ فقد وصلت الرغبة إلى ذروتها القصوى وتأججت النيران في جسديهما كبركان ثائر. امتدت يدا آني الخشنتان برقة متناهية وعنفوان جارف لا يرحم الترقب، حركات تجمع بين حنان العاشق وقوة الفاتح. تلمس برفق دلالي حواف رداء الكتان الأبيض الشفاف الذي كان يكسو جسد الملكة، وبحركة حاسمة مشحونة بالشبق والامتلاك المطلق، أزاح حزام الرداء الرقيق عن كتفيها العاريتين، لينساب القماش الناعم خفيفاً كالماء الجاري المتهادي ويتساقط في صمت مطبق وفخامة تامة فوق الأرضية الرخامية الباردة للجناح الملكي الأعظم.

تحررت مفاتن قوامها الأسطوري وسحر جسدها الفتان بالكامل تحت الوهج البرتقالي الدافئ لمئات الشموع العطرية الفواحة والمشاعل الجدارية المتوهجة التي عكست وميض النصر والرفعة الشاملة. كان جسد نفر العاري يشع ببريق ذهبي دافئ، صاهراً في أعماق المخدع كل حصون القلق والبعاد التي عاشها البلاط طوال الساعات الماضية. بدت كتمثال منحوت من مرمر نادر تمازجت فيه القوة والأنوثة، جسد شهد معجزة الخلق وتجلى في أبهى صور الفتنة التي يمكن أن تصيب العقل البشري بالذهول والجنون الخالص.

انحنى آني بجسده الرياضي الشاهق، وعضلات صدره العريضة البارزة المشدودة كالفولاذ تتحرك في إيقاع متسارع يحاكي طبول الحرب التي سكتت لتوها، تعكس ضوء الشموع بجاذبية رجولية شرسة وحامية تكاد تذهب بعقل الملكة المتهدج التي تنهدت بعمق وهي تستقبل جسده الثقيل الحار. طبع الملك قبلات حارة، مشتعلة، ومتلاحقة فوق كتفيها العاريتين الحاميتين، وصعوداً لعنقها الساخن، ونزولاً برقة بالغة وحنان جارف تفوق الوصف نحو جسدها الفتان ومنحنيات قوامها المثير الذي تماوج بدلال أنثوي لاهب جرف وراءه كل قيود الحروب ومرارة الخطط العسكرية الشاقة.

امتدت الأشواق برقة وجنون لاهب صهر كيانهما الروحي والجسدي تماماً، وتحول السرير الملكي الشاسع إلى ساحة معركة من نوع آخر؛ معركة لا يسقط فيها قتلى، بل تولد فيها الحياة ويتجدد فيها الخلود. وضع كفه الكبيرة الخشنة فوق يدها الرقيقة الدافئة، وبحركة تفيض بالمسؤولية والأمومة والأبوة المشتركة، تحركت أيديهما معاً ليتلمسا، بوفاء أبدي خالص وولاء مطلق لا يتزعزع، مهد الأمير الصغير، وريث العهد الإمبراطوري، المستقر في أمان تام كشاهد حي على معجزة النور والخلود التي انبثقت من رحم هذه العلاقة الأسطورية.

ثم التقى ثغره بثغرها المكتنز المثير مجدداً في قبلة طويلة، عميقة، وعنيفة؛ قبلة سحقت مسافات البعاد واختصرت أزمنة الفراق، وأخرجت كل طاقات الرغبة والشبق المكتوم طوال فصول المواجهة العسكرية والترقب الإستراتيجي الصارم. استلقيا معاً تحت ظلال الستائر الأرجوانية الحريرية الشفافة في خلوة روائية حميمية شديدة العمق والإثارة الملتهبة التي لا ترحم كبرياء الملوك، يعمدان فيها حبهما الأسطوري وعرشهما المقدس ضد أعتى مكائد الأرض والآلهة المزيفة. كانت حركات جسديهما سيمفونية من العشق والشبق والالتصاق الحار الذي لا يعترف بنهاية، بل يتجدد مع كل زفير وشهيق.

غرق العاشقان الملكيان في ليلتهما الأسطورية، ليلة تداخلت فيها الأجساد والأرواح، وتبخرت فيها حسابات السياسة والدول والتاج. كانا يمارسان الحب بعنفوان المحارب ورقة الملكة، صانعين من لحظات الشغف جداراً نارياً يحمي مملكتهما الكبيرة من أي تهديد خارجي. ومع كل لمسة وقبلة، كان التاريخ يُعاد كتابته في هذا المخدع، وتوضع أسس عصر جديد لا مكان فيه للضعف أو الخوف، بل للسيطرة المطلقة النابعة من اتحاد أقوى رجل وأجمل امرأة في تاريخ الوادي السعيد.

مع أولى تبارير الصباح وبزوغ خيوط الفجر الأولى والوليد، التي بدأت تنسل برقة أثيرية بالغة عبر النوافذ الحجرية العالية لتلون سماء العاصمة العتيقة "طيبة" باللون الذهبي النقي المصفى الذي طرد بقايا الظلام والليل الطويل، كان الملك العظيم آني والملكة الفذة نفر يغطان معاً في نوم دافئ، عميق، ومفعم بالسكينة المطلقة التي لفت أركان المخدع الإمبراطوري الفسيح المطهر بالكامل بنيران الشغف المتقد، وجمر الالتصاق الحار، والانتصار النهائي الساحق.

استقر جسداهما المتعبان من لذة اللقاء وعناء المعارك في عناق أخير أهدأ؛ وأذرعهما النحاسية والخمرية متشابكة بإحكام شديد كأنه قيد زمني أبدي صِيغ لئلا ينفصم عبر العصور والأزمان، بينما كان مهد الأمير الصغير آمناً مستقراً في خلوته الهادئة تحت ظلال وميض تاجهما الإمبراطوري الشامخ المستقر على منضدة المرمر، يعكس أشعة الشمس الأولى كأنه نجم سقط من السماء ليحرس نوم الآلهة البشرية.

وفي الخارج، تحت هجير الضياء الجديد وعين الشمس "رع" التي بدأت ترتفع في كبد السماء، كانت مياه نهر النيل الخالد تجري في مجراها الأزلي بهدوء وعظمة وسكينة عاتية، مياه طالما شهدت صعود الممالك وسقوط الإمبراطوريات، لكنها اليوم كانت تحمل في تماوج أمواجها المتلألئة ترانيم النصر وبشائر العصر الجديد العظيم؛ عصر طُهر بالدم والكتان، وتوج بالدهاء الاستخباري الصارم والعشق الجارف الطاغي الذي صهر حصون الكون، لتبقى الإمبراطورية الفرعونية العظمى منارة خالدة تحكم وجدان الزمان وتصوغ أقدار الأرض، وتعلن الختام المطلق، الأبدي، والنهائي لأعظم ملحمة روائية إمبراطورية شهدها التاريخ القديم وخطتها يد الأقدار بمداد من نور وشغف لا يموت.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • عرش النيل والقلوب   114

    مع أولى تبارير الصباح وبزوغ خيوط الفجر التالية، التي بدأت تنسل برقة أثيرية بالغة لتنساب عبر النوافذ الرخامية الشاهقة، بدأت سماء العاصمة العتيقة "طيبة" تتلون رويداً رويداً باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة الشاملة. كان ذلك الضياء المنبثق أشبه بمداد إلهي يطرد بقايا ليل طويل من الخطوب الكونية والحروب الجيوسياسية الطاحنة التي كادت تعصف بأركان المعمورة. في هذا الإطار الزمني الساحر، حيث السكون يلف وادي النيل المقدس، كان الملكان العاشقان يغطان في نوم دافئ، عميق، ومفعم بالسكينة المطلقة التي لفت أركان المخدع الإمبراطوري الفسيح، بعد ليلة تلاشت فيها حسابات العروش وحل مكانها نداء القلوب والأجساد. لقد تطهر هذا المحراب الملكي العظيم بالكامل بنيران الشغف المتقد، وجمر الالتصاق الحار، والانتصار النهائي الساحق الذي بدد أوهام الفناء الجيولوجي ومكائد السحر الأسود التي حاكها الطغاة في أقاصي الأرض؛ فاستقرت أذرعهما النحاسية والخمرية متشابكة بإحكام شديد كأنه قيد زمني أبدي صِيغ في معامل الأقدار لئلا ينفصم أو يزول عبر العصور. كان العناق في نومهما تجسيداً لوحدة المصير، فالملك المحارب والملكة ال

  • عرش النيل والقلوب   115

    تقدم كبير كهنة آمون بخطوات وقورة بطيئة، تملؤها المهابة الجنائزية العتيقة والوقار الديني الصارم الذي يليق بجلال الملوك والآلهة السائرة على الأرض. كانت كل حركة من حركاته محسوبة بميزان المعابد القديمة، وصوت صنادل الجلد الفاخرة يتردد في ردهات معبد الكرنك الشاهق كأنه صدى الزمان نفسه. حمل بين يديه المرتعشتين—رعشة الخشوع والهيبة لا ريب الكبر—التاج المزدوج للإمبراطورية الفرعونية العظمى، تاج "بشينت" الشهير، رمز المشرق والمغرب، ومجمع تيجان البحار السبعة، والرمز السرمدي للسيادة المطلقة على قارات الوجود بأسره التي دانت لوادي النيل الخالد. وبجلال أسطوري حابس للأنفاس، وضعه فوق رأس الملك الباسل "آني"، الذي نُحتت بنيته النحاسية الصلبة من صخر الجسارة الفرعونية الشامخة، ليتلاحم الذهب الخالص مع كبرياء المحارب الذي صاغ النصر بنصل سيفه.ثم استدار كبير الكهنة بوقار كنسي مهيب، عاكسًا تراتيل الآلهة التي همست بها الشفاه في المحاريب المظلمة، ليتوج المليكة الفذة ولبؤة طيبة الجسورة "نفر" بتاج اللوتس الذهبي الخاص بالملكات العظميات. كان التاج مرصعًا بعيون الصقر، المنحوتة من أندر الأحجار الكريمة الكاحلة والزمرد الب

  • عرش النيل والقلوب   116

    لم تكن تبارير الضياء التي بدأت تلوح في أفق العاصمة العتيقة "طيبة" مجرد إعلانٍ عن ميلاد يومٍ جديد، بل كانت غسقاً أثيرياً يطوي تحت ظلاله الممتدة أشرس المعارك الجيوسياسية والعسكرية التي شهدها وادي النيل الخالد. في تلك الساعات الساحرة، المفعمة بعبير الانتصار السرمدي الطاغي الذي طال انتظاره، كانت قاعات البلاط الملكي وممراته الصخرية الشاهقة الصامتة تشهد تحولاً من نوع آخر؛ تحولاً ينبذ صرامة السيف والحيلة العسكرية ليعود إلى النبع الأول للوجود البشري: العاطفة الجارفة الشرسة والشبق الإمبراطوري الذي لا يقهر.لم تكن المليكة الإمبراطورية الفذة، "نفر"، في تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية، ترتدي الأثواب الرسمية الخشنة المصنوعة من حرير القرطاس الموشى بخيوط الذهب والفضة، ذلك الرداء الأسطوري الصارم الذي طالما قيد حركتها الدلالية، وحبس أنفاسها الأنثوية خلف جدران قاعات العمليات السرية، وخلال جلسات البلاط والمشاورات الحربية المعقدة مع كبار القادة والوزراء. لقد تخلت عن تلك الهيبة الظاهرية المصطنعة، واستسلمت بالكامل وجذرياً، بوجدان متقد ولوعة أنثوية طاغية، لجبروت عاطفتها الجارفة ونيران وجدها الحارق.أدركت

  • عرش النيل والقلوب   113

    لم يكن الصمت الذي خيّم على أركان المخدع الملكي العظيم سوى مقدمة أزلية لاندلاع إعصار عاطفي جارف ومكتوم طوال فصول الاغتراب الشاق ومطاردة الأعداء وراء التخوم؛ وبحركة خاطفة مشحونة بعنفوان الفاتحين، أطبق الملك الباسل "آني" ساعديه القويين، الضخام، والمفتولين—اللذين طالما سحقا قلاع أباطرة المايا والإنكا وأخرسا طبول الحرب الشاملة—حول خصرها النحيل الغض. جذب الملك جسدها الفتان الفوّاح بنعومة قاتلة نحوه، بعنفوان حارق ووحشية عاشقة ذابت وتلاشت فيها، عند تلك العتبة اللاهبة، كل قسوة الحروب الطاحنة، ومرارة الاغتراب، ووحشة المسافات الصماء التي كادت تعصف بوجدان المملكة بأسره.الجمت الأجساد الملكية المفتولة والناعمة في إلتحام وثيق وحارق؛ ليلتصق صدر المليكة "نفر" الممشوق، النابض بدقات الحب والولاء، بكامل صدره العاري الساخن، المشتعل بنيران الحمى والشهوة الخالصة الممتزجة بنوازع الامتلاك الأبدي الشامل الذي لا يرحم حصون البعاد. التفت أطرافهما الساخنة واندغمت تقاطيعهما الملوحة بوهج المشاعل في عناق أثيري شديد العمق، غامق اللوعة، أخرس لسان الكلام لشدة ما فيه من شبق قاصف واشتعال عاطفي جارف جرف وراءه كل حدود المن

  • عرش النيل والقلوب   112

    على الشرفات الشاهقة والمنيعة للقصر الملكي الأعظم في "طيبة"، تلك الشرفات الجرانيتية التي تطل بجلاء على مجرى النهر الخالد والوديان المستسلمة، كانت المليكة الفذة "نفر" تقف بكامل جلالها الأسطوري الفاخر وسحر أنوثتها الفتّانة الآسرة التي حيرت عقول وألباب أباطرة الوجود وجبابرة الأمم. فرغم الإدارة الاستخباراتية الشاقة والأعصاب المشدودة لفك شفرات المعارك الجيولوجية والفلكية الكبرى، ورغم السهر الطويل لتأمين الجبهة الداخلية للمملكة من غدر الأفاعي وسحرة الظلام، إلا أن مظهرها الساحر النادر لم تعتره ذرة من الإرهاق؛ بل كان يشع في ليل طيبة بنور البعث المقدس وظلال النصر الأبدي الخالد الذي تعمد بالدم والكتان.ارتدت المليكة رداءً ملكياً فاخراً للغاية، نُسج خصيصاً لهذه الليلة المصيرية من أنقى خيوط الكتان الشفاف الموشى بحبات الفيروز والذهب النقي؛ كان الثوب ينساب كالغسق الرقيق ويلتصق بنعومة قاتلة بمنحنيات قوامها الفرعوني المثير، ليفضح بجرأة آسرة ودلال أنثوي لاهب لا تملك قوى الأرض مقاومته سحر بشرتها الخمرية الساخنة وروعة جسدها الممشوق الأخّاذ، الذي تعافى بالكامل من مخاض الأمومة ليزداد فتنة، روعة، وإثارة وجا

  • عرش النيل والقلوب   111

    الجزء الرابع عشر: موكب النسور المظفرة وفجر السلام العالمي العظيمالفصل الأول: بشرى خوفو واستسلام التيجان العالميةمع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تلون سماء الجنوب البعيد باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة، كانت الفيالق المصرية المظفرة قد أكملت تأمين منطقة شلالات النيل بالكامل، وفرضت طوقاً دفاعياً صخرياً منيعاً لا تخترقه أفاعي الغدر، معلنةً التدمير الساحق والكامل لآخر بقايا جيوش إمبراطورية الإنكا البربرية وتحويل قلاعهم ومعداتهم إلى ركام يدفن تحت الثرى. ولكن، مع اكتمال معالم هذا النصر الجيولوجي والتكتوني الفذ وتثبيت خطوط الدفاع الطبوغرافية الأخيرة لحماية مجرى النهر الخالد، تبدلت أجواء الترقب العسكري فجأة؛ إذ تقدم العملاق الباسل "خوفو" بخطوات متزنة ومهيبة وثقيلة، وبحوزته التقرير الأمني الاستخباراتي النهائي والأكثر خطورة الموجه مباشرة إلى التاج الإمبراطوري.وبدلاً من ظهور نذر حرب جديدة أو بزوغ عدو بربري آخر من وراء حجب الأفق، حمل التقرير السري بين طياته بشرى استخباراتية إستراتيجية عظمى زلزلت قاعة القيادة بفرحة عارمة؛ حيث أعلنت كافة ممالك وإمبراطوريات المشرق والمغرب قاطبة، دون

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الرابع والسبعون: أمواج النحاس والصدام البحري عند السويس

    لم يكن اعتراف الكاهن الآشوري الأسير مجرد ورقة ضغط سياسية، بل كان جرس إنذار عسكري استدعى استنفار العقول الهندسية والحربية في طيبة؛ فاختراق أسطول آشور الثقيل لخليج السويس واستهدافه لمناجم النحاس والذهب في شبه جزيرة سيناء يعني ببساطة تجريد الجيش المصري من شريانه التسليحي الأهم، وتحويل الدروع والسيوف ا

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الثالث والسبعون: خناجر نينوى والذئاب في ممر الحريم

    انكشفت ستائر العتمة عن الليلة الأكثر رعباً في طيبة؛ ليلة لم تكن مواجهتها بالجيوش والعجلات الحربية، بل بنصال قصيرة مسمومة تتحرك في الظلام الصامت بين ردهات القصر الملكي الأعظم. فرقة "خناجر نينوى الصامتة"، القتلة الانتحاريون الذين أرسلهم ملك آشور لاغتيال رأس الملكة نفر وقطع نسل التاج الفرعوني، كانوا ق

  • عرش النيل والقلوب   ​الفصل الثاني والسبعون: جسور الدماء ومستنقعات الدلتا الشرقية

    تحولت ضفاف البحيرات المرة والمصبات الشرقية للدلتا إلى جحيم مستعر لم يشهده التاريخ القديم من قبل؛ حيث بدأت طبول الحرب الآشورية بقرع نغمات الموت التي تردد صداها في أرجاء البراري الموحشة. لم يكن التحالف البابلي الآشوري ليرتكب حماقة الهجوم التقليدي المباشر ضد حصون الفراعنة؛ بل استخدموا دهاءً هندسياً مرع

  • عرش النيل والقلوب   ​الفصل الحادي والسبعون: حلف النينوى والتهاب اللقاء الأخير

    لم تكن "خريطة الرماد البابلية" التي انتُزعت من أحشاء صندوق الذهب الأسود مجرد تهديد سياسي عابر، بل كانت إعلانًا صريحًا عن الحرب الأكثر دموية في تاريخ الشرق الأدنى القديم. وضعت الملكة نفر كفها المرتعشة فوق الخطوط الحمراء المرسومة على جلد الغزال العتيق، وعيناها الكاحلتان تمسحان تفاصيل الحلف السري المرع

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status