Share

الفصل 2

Author: القمر المخلص
شعرت سارة وكأن بردًا قارسًا اجتاحها دفعة واحدة.

كانت فيلا الضاحية الغربية هدية زواجها من وليد، كما كانت ستكون منزل الزوجية الذي سيعيشان فيه معًا.

أما وصيفتها الوحيدة، فلم تكن سوى صديقتها المقربة منال توفيق، التي كانت سارة تثق بها من أعماق قلبها!

كانت منال أول نور أضاء حياتها. عندما فقدت سارة والديها في طفولتها، وكانت تجلس منكمشة في الفصل تأكل الخبز، كانت منال تصحبها معها إلى المنزل لتناول الطعام، وكانت دائمًا تترك لها آخر قطعة لحم في طبقها.

وفي ذلك الوقت، كان أحد المتنمرين في المدرسة يطاردها ويقذفها بالحجارة من مقلاعه، فرفعت منال يدها لتحميها من أحد الأحجار المتطايرة، وأصيبت هي بدلًا منها.

لذلك كانت سارة تثق بمنال أكثر من أي شخص آخر، وكانت علاقتهما وثيقة إلى درجة أنهما لا تكادان تفترقان.

وبعد أن تعرفت سارة إلى وليد، حذرته منال بامتعاض: "سارة بمثابة أختي، وعليك أن تعاملها جيدًا، وإلا فلن أتركك وشأنك!"

ورد عليها وليد دون أن يتراجع: "سارة هي حب حياتي، ومن الآن فصاعدًا، أرجوكِ قللي من زياراتكِ لها، ولا تفسديها."

كان الاثنان على وشك الاشتباك، ولولا أن سارة تدخلت بينهما، لكانا قد تشاجرا بالفعل.

في ذلك الوقت، كانت سارة تشعر بسعادة غامرة؛ فأعز صديقة لديها والرجل الذي تحبه أكثر من أي شخص آخر كانا يهتمان بها كثيرًا.

لكن الفيديو الذي ظهر فيه الاثنان الآن وهما يتعانقان بجنون، كان أشبه بصفعة غير مرئية هوت بقسوة على وجهها!

لا عجب أن منال كانت دائمًا تتهرب من إعطائها إجابة واضحة، وترفض أن تريها صورة حبيبها.

اتضح أن حبيب كلتيهما هو الرجل نفسه.

ارتبطت كل الأدلة ببعضها، وكأنها شبكة محكمة أحاطت بها من كل جانب، حتى شعرت بأنها تكاد تختنق.

قطع الأنين أفكارها، فقد كانت المرأة ذات قناع الأرنب ترتجف بين ذراعي الرجل ذي قناع الثعلب، ثم قبّلت شفتيه بعمق.

وفي قسم التعليقات، راح مشاهدو البث المباشر يهتفون بحماس.

"الرجل ذو قناع الثعلب متمرس فعلًا، هذه ثاني مرة اليوم وما زال بهذه القوة!"

"في المرة السابقة، عندما جاءت الفتاة ذات قناع الغزال لتطلب منه قبلة، تهرّب منها فورًا، فظننا أن لديه هوسًا بالنظافة. يبدو أنه يختلف فقط مع ذات قناع الأرنب."

"هذا الثنائي المفضل لدي، افعلاها بعنف، أحب مشاهدتكما."

انهارت سارة على الكرسي، وكان قلبها يؤلمها كما لو كان سكينًا يمزق لحمها مرة تلو الأخرى.

أخرجت هاتفها بيد مرتجفة، واتصلت برقم دولي.

"أنا موافقة على السفر إلى الخارج وبدء مشروعي هناك، وسأغادر بعد سبعة أيام."

أغلقت المكالمة، ثم تواصلت مع محقق خاص.

وبعد ساعتين، عاد وليد إلى المنزل، وقد علقت به برودة الخارج.

توجه سريعًا إلى الحمام وأخذ حمامًا، ثم عاد يتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، وأعد الإفطار، وقبّل سارة قبلة الصباح.

لم تستطع سارة أن تفهم، لماذا يخونها وليد مع أعز صديقاتها، على الرغم من أنهما كانا لا يطيقان بعضهما بعضًا.

بعد أن غادر وليد المنزل، دعت سارة منال للقائها.

"سارة، لقد أخذت إجازة اليوم خصيصًا لأكون معكِ. أنتِ لا تعرفين ذلك المتجهم القاسي، إنه يوبخ الناس حتى بسبب أصغر خطأ في العمل! لحسن الحظ أنكِ منحتني اليوم عذرًا لأتهرب من العمل قليلًا."

تعلقت منال بذراعها، وظلت تشكو بلا توقف من إرهاق وليد لها في الشركة.

شمّت سارة رائحة العطر التي تفوح من منال، وكانت هي نفسها رائحة عطر وليد، فبردت أطراف أصابعها، وقالت متظاهرة بالهدوء: "أشك في أن وليد يخونني."

بدت الصدمة على وجه منال حقيقية، ولم تبدُ كأنها تتظاهر.

"مستحيل، أنتِ حامل وتفكرين في الأمر أكثر من اللازم. وليد يحبكِ كثيرًا، فكيف يمكن أن يخونكِ؟"

لم تقل سارة شيئًا، واكتفت بتفحص عيني منال بنظرات دقيقة.

وعندما طلبتا الشاي بالحليب، طلبت سارة لمنال، كعادتها، كوبًا مع الثلج.

"لم يعد بإمكاني شرب المشروبات المثلجة." وضعت منال يدها على بطنها، وقالت بصوت رقيق: "أنا حامل."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق خاطئ، لا يُمسَك   الفصل 19

    حرك وليد المظلة فوق رأسها، تمامًا كما فعل يوم رافقها للمرة الأولى لزيارة قبري والديها.وقد ابتلت عدة خصلات من شعره بماء المطر، وكان يحمل بيده كيسًا ورقيًا منتفخًا، تظهر منه أزهار أقحوان بيضاء، ويبدو أنه يحتوي على أشياء أخرى أيضًا.لم يجرؤ على التقدم إليها مباشرة، بل ظل واقفًا في مكانه باستقامة، كطفل ارتكب خطأً، وقال: "لم أجرؤ على إحضار الكثير، اشتريت بعض الزهور فقط، ومعها بعض المأكولات الخفيفة والنبيذ اللذين كانا يحبان تناولهما."ظلت سارة صامتة لبضع ثوانٍ، ثم أومأت برفق: "ضعها."تنفس وليد الصعداء، وتقدم سريعًا ليساعدها في ترتيب الأشياء.وبعد أن انتهى من كل شيء، عاد ووقف إلى جانبها، وأمال المظلة نحوها، تاركًا المطر يبلل كتفه.ظلت سارة تنظر بصمت إلى شاهدي قبر والديها، وبعد وقت طويل، قالت بهدوء:"أبي، أمي، عدت لزيارتكما.""لقد تجاوزت ما حدث في الماضي. رغم أنكما رحلتما منذ سنوات طويلة، ما زال يراودني أحيانًا شعور بأنكما إلى جانبي. لكن على الإنسان أن ينظر إلى الأمام. لا يمكن لأحد أن يتوقف عن مواصلة حياته لمجرد أنه فقد شخصًا، أليس كذلك؟"كانت كلماتها خفيفة، وكأنها تقولها لوالديها، أو لنفسها،

  • عشق خاطئ، لا يُمسَك   الفصل 18

    لم يعد وليد إلى البلاد على الفور.بل بقي في ألفاريا شهرًا كاملًا، وكان يذهب كل يوم دون انقطاع إلى أسفل مبنى شركة سارة، فقط ليلقي عليها نظرة من بعيد.وفي الوقت نفسه، تسلّم حكم المحكمة.حُكم على منال بالسجن سبع سنوات، بتهم من بينها الاعتداء العمد والتحريض على الاختطاف.أما حبيبها السابق، فحُكم عليه بالسجن خمس سنوات باعتباره شريكًا في الجريمة.كانت منال في السجن تتوسل بإلحاح لرؤية سارة ولو لمرة واحدة.وصلت رسالتها عبر البحر إلى يدي وليد، فأحرقها مباشرة، وقال بهدوء: "لا تزيدي من متاعب سارة. هي لا تحتاج إلى اعتذار جاء متأخرًا."وبعد ذلك، سمع أن منال ظلت ترتدي خاتم الألماس ذي تصميم طائر السنونو.وكانت تتصرف بشكل مضطرب داخل السجن، وتردد كلامًا غير مترابط طوال اليوم.وفي النهاية، دخلت في عراك مع إحدى السجينات، وخلال العراك سقطت وارتطم رأسها، فأصبحت في حالة لا واعية.لم يشعر وليد بأي تأثر حين سمع هذه الأخبار، بل رأى أن ما حدث لمنال لم يكن سوى نتيجة لما اقترفته بنفسها.وخلال هذه الفترة، كان يرى أن حياة سارة تسير على ما يرام، وأنها أصبحت تبدو أكثر حيوية وجمالًا يومًا بعد يوم.وقد سلّم بنفسه إدارة

  • عشق خاطئ، لا يُمسَك   الفصل 17

    كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وشعره مبعثر قليلًا، وعيناه محمرتان من شدة الإرهاق، وبدا أكثر إنهاكًا وشحوبًا من ذي قبل."سارة، لا تذهبي!" أسرع وليد نحوها وأمسك بمعصمها، وكان صوته يرتجف: "أرجوكِ، هل يمكنكِ أن تتحدثي معي قليلًا؟""سيد وليد، ليس لدينا ما نتحدث عنه. أرجوك، اترك يدي.""لا، أحتاج إلى ساعة واحدة فقط، لدي أمور مهمة جدًا أريد أن أخبركِ بها!""لماذا تلاحقها ولا تكف عن الظهور أمامها؟" أمسك نادر معصم وليد بقوة كادت تسحق عظامه: "اتركها، ألم ترَ أنها لا تريد التحدث معك حتى؟"تألم وليد فأفلت معصمها، واشتعلت الغيرة في عينيه فجأة: "من أنت بالضبط؟ وما علاقتك بسارة؟""هذا ليس من شأنك، لكن أمرها يخصني، وسأتدخل فيه مهما يكن. ارحل فورًا، وإلا سأتصل بالشرطة!"وحين بدا أن الاثنين على وشك الاشتباك أمام الجميع، وكان المحيطون بهما جميعًا من أصحاب المكانة، تنحنحت سارة بخفة، وقالت: "حسنًا، لا تتشاجرا."ثم التفتت إلى وليد: "المكان غير مناسب للحديث. سأمنحك ساعة واحدة، ولنبحث عن مكان نتحدث فيه.""هذا مناسب تمامًا، فهناك بعض الأمور التي أريد أن أوضحها لكِ وجهًا لوجه."لمع في عيني وليد بصيص أمل في الحال.

  • عشق خاطئ، لا يُمسَك   الفصل 16

    تدلت يدا وليد بوهن، حتى إنه لم يشعر بسقوط بضع وردات من بين يديه.طلب من مساعده أن يرسل إليه عنوان شقة سارة، ثم نزل إلى أسفل المبنى. وهناك رآها عائدة لتوها من المتجر برفقة ذلك الشاب، متعلقة بذراعه، وهما يصعدان الدرج معًا ويتحدثان ويضحكان.كان قلبه يؤلمه بشدة، لكنه لم يجرؤ حتى على مناداة اسمها.فكر في الأمر؛ عندما حمل منال وغادر بها آنذاك، ألم تكن سارة قد شعرت بالألم نفسه؟وبعد وقت طويل، أخرج هاتفه، وأرسل إلى سارة رسالة من رقمه الجديد."سارة، أنا في ألفاريا. أريد مقابلتكِ.""أعرف أنني ارتكبت الكثير من الأخطاء في الماضي. لا أطلب منكِ أن تسامحيني، أريد فقط أن أعرف كيف حالكِ، وما إن كنتِ تعيشين حياة جيدة أم لا. هل يمكنكِ مقابلتي مرة واحدة؟"بعد أن أرسل الرسالة، انتظر طويلًا قبل أن يصله رد."عذرًا، سارة تستحم الآن. هل يمكنك إزعاجها لاحقًا؟ وأعني بلاحقًا أي بعد عشرة آلاف سنة."في تلك اللحظة، داخل الشقة."سارة، لقد توليت أمر حبيبكِ السابق المزعج!"لوّح بهاتفه أمامها طلبًا لمديحها، وكانت عضلات ذراعيه متناسقة وجميلة، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة مشاكسة.نظرت سارة إلى الرسالة على هاتفها، ثم ابتس

  • عشق خاطئ، لا يُمسَك   الفصل 15

    عاد وليد إلى المنزل بمفرده.كان المنزل الفارغ غارقًا في صمت بارد وموحش.نادى بهدوء: "سارة."، لكن لم يجبه أحد.لم تعد هناك ابتسامتها الدافئة، ولا رائحة الحساء الذي كانت تجيد صنعه في المطبخ، ولا شاي الأعشاب المهدئ الذي كانت تعدّه له كل يوم.بعد أن فقد سارة، بدا وليد وكأنه فقد نصف روحه، ولم يعد يختلف كثيرًا عن جسد يتحرك بلا روح.اتصل بمساعده، وقال: "احجز لي تذكرة إلى ألفاريا، أريد الذهاب إلى سارة."هذه المرة، لن يسمح لسارة بالابتعاد عنه مجددًا."وبالمناسبة، سارة ما زالت حاملًا، لذا يجب أن نعتني بصحتها جيدًا. أسرع واحزم لي بعض المكملات الغذائية التي اعتادت تناولها، سآخذها معي. وإذا أصرت على البقاء في ألفاريا، فاحجز لي أفضل مركز للرعاية ما بعد الولادة..."واصل حديثه من تلقاء نفسه، من دون أن يلاحظ الإحراج المرتسم على وجه مساعده."سيد وليد، هناك أمر ما..." لم يستطع المساعد إلا أن ينبهه: "عندما طلبت مني التحقيق في معلومات الآنسة سارة، اكتشفنا استمارة عملية إجهاض."عجز وليد عن الكلام للحظة، وحدق في مساعده بحدة: "ما الذي تتفوه به؟ لا بد أن هناك خطأ. من المستحيل أن تُقدم سارة على الإجهاض."كانت ت

  • عشق خاطئ، لا يُمسَك   الفصل 14

    راقب وليد ببرود شجارهما، ولم يشعر في داخله سوى باشمئزاز شديد.عندما كان مع منال، أقام معها علاقة عدة مرات، وكان يشعر بأنه أدمنها. أما الآن، فعندما يتذكر الأمر، يكاد يتمنى لو خضع لتعقيم كامل لجسده، حتى يغسل عنه رائحة منال!وفي هذه اللحظة، ازداد شعوره بالذنب.لقد آذى سارة، التي كانت تحبه للغاية، من أجل التستر على هذه المرأة شديدة الخبث!"وليد..." تشبثت منال بساقه، وصوتها حاد يقطر ألمًا: "أنا أكره سارة. لماذا تستطيع أن تنال حبك من دون أن تفعل أي شيء؟ ولماذا كانت محبوبة من الجميع منذ طفولتها وحتى الآن؟ كنت أريد تدميرها!""أنا الوحيدة التي تحبك. سارة لا تحبك أصلًا. أنت لم ترَ حقيقتها بعد، إنها امرأة ماكرة، فمنذ صغرها، لم تكن تفعل سوى التظاهر بالبراءة والطاعة والتودد إلى الآخرين. كل ما تفعله ليس نابعًا من قلبها، لقد خدعتك!"جعل جنون منال قلب وليد يزداد برودة.أخرج من جيبه خاتمًا من الألماس.وبخلاف خاتم زواجه من سارة، كان هذا الخاتم يحمل نقشًا بالأحرف الأولى من اسم منال، وقد صُمم إطار الخاتم على هيئة طائر سنونو صغير يحلق بحرية، بينما كانت الماسة المثبتة فيه تتلألأ بشدة."هذا خاتم زواج أعدته ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status