LOGINلم تكن ليال تعلم أن خيوط المؤامرة تُغزل من جديد في عتمة المكاتب الفاخرة، بل كانت تعيش أجمل أيام حياتها في قصر الدمنهوري بعد أن استردت أنفاسها الضائعة. مر أسبوع كامل على اعتقال فريد الزهران، أسبوع تجلت فيه رغبة آسر الصادقة في جعل ليال شريكة حياته الفعيلة وليست مجرد زوجة على ورق عقد صوري. انتقلت ليال لتباشر عملها من داخل المقر الرئيسي لمجموعة الدمنهوري، حيث خصص لها آسر مكتباً فاخراً ملاصقاً لمكتبه تماماً، وبدأ يشرف بنفسه على تدريبها على إدارة الصفقات وإعادة هيكلة أسهم شركة عائلتها "الراوي" لتندمج في السوق بقوة وثبات. في صباح ذلك اليوم، كانت ليال تجلس خلف مكتبها وبيدها قلم تراجع به الميزانية المقترحة لإعادة افتتاح المصانع القديمة لوالدها. دخل آسر وبيده كوبان من القهوة، وعلامات الرضا ترتسم على وجهه الباسم، ووضع الكوب أمامها قائلاً بنبرة هادئة حملت الكثير من الدفء: "أداء مذهل يا ليال، الأرقام التي وضعتِها لخط الإنتاج الجديد تدل على أنكِ تملكين ذكاءً تجارياً فطرياً كان يحتاج فقط إلى الفرصة ليظهر. والدكِ عاصم سيكون فخوراً جداً بكِ عندما يرى هذه المخططات غداً أثناء زيارتنا له." نظرت إليه ل
سقط الكأس من يد فريد ليتحطم على الأرض الرخامية، وشحب وجهه حتى بدا كالموتى. صرخ في الهاتف بجنون: "ماذا تقول؟! كيف وصل إلى الصندوق؟!" لم ينتظر الرد، بل أغلق الخط واندفع نحو المخرج المؤدي إلى مدرج الطائرات مباشرة، مشيراً لحارسيه الشخصيين باتباعه بسرعة. ركض فريد عبر الممر الخارجي والرياح الباردة تلطم وجهه، متوجهاً نحو طائرته النفاثة التي كانت محركاتها تدور بالفعل مستعدة للإقلاع، وصاح بقائد الطائرة عبر جهاز اللاسلكي المحمول: "أقفل الأبواب وتحرك فوراً! لا تنتظر إذن البرج، سنتحمل العواقب لاحقاً!" لكن، وقبل أن يخطو فريد الخطوة الأولى على سلم الطائرة، انشقت عتمة الفجر عن هيرير محركات قوية؛ إذ اقتحمت ثلاث سيارات مصفحة تابعة لقوات النخبة المدرج، وحاصرت الطائرة من جميع الجهات صانعةً جداراً حديدياً لا يمكن اختراقه. ترجل الضباط والجنود بأسلحتهم الآلية المصوبة نحو صدر فريد وحراسه، وبصوت جهوري هز أركان المكان، صاح القائد: "فؤاد المنصوري، باسم القانون.. أنت قيد الاعتقال! أي حركة من الحراس ستجابه بإطلاق النار الفوري!" تجمد فريد في مكانه، وشعر بأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، وسقطت حقيبته اليدوية
خطا آسر نحو ليال، ولأول مرة منذ بداية علاقتهما القائمة على الشروط والقيود، امتدت يداه ليحيط وجهها بحنان شديد، ومسح بإبهامه آثار التعب والخوف عن وجنتيها قائلاً بنبرة مليئة بالصدق والعاطفة: "لقد انتهى زمن الخوف يا ليال... فريد الزهران انتهى الليلة، وسيدفع ثمن كل دمعة وكل لحظة رعب عشتِها أنتِ ووالدكِ. العقد الذي بيننا حمى عائلتكِ من سيلين، لكن شراكتنا الحقيقية الآن هي التي ستهز عرش الكبار." نظرت ليال في عينيه، وشعرت بأن الجليد الذي كان يغلف قلب هذا الرجل قد ذاب تماماً، ليفصح عن روح قوية، مخلصة، ومستعدة لحرق العالم من أجل حمايتها. وفي تلك اللحظة، اهتز هاتف آسر برسالة عاجلة من حازم المتواجد في المقر السري لاستجواب رجال الزهران، وجاء نصها كالتالي: "سيدي، أحد المقبوض عليهم اعترف تحت الضغط أن فريد الزهران علم بفشل العملية في المنزل المهجور، وهو يقوم الآن بنقل أصوله المالية السائلة إلى حسابات في سويسرا استعداداً للهرب خارج البلاد في طائرة خاصة بعد ثلاث ساعات." تلاقت أعين آسر وليال في نظرة حاسمة؛ الوقت بات عدوهم الأول، والسباق مع الزمن قد بدأ لمنع الحوت من الإفلات من شبكة العدالة. لم يكن هن
عادت السيارة المصفحة تدلف عبر البوابة الحديدية الضخمة لقصر الدمنهوري، وكان الفجر قد بدأ يلوح في الأفق بخيوطه الرمادية الباردة، معلناً انقشاع ليلة من أطول وأعنف الليالي التي شهدتها حياة ليال. ترجلا من السيارة، وكان آسر يحمل الصندوق المعدني الأسود تحت ذراعه بحرص شديد، وكأنه يحمل قنبلة موقوتة قادرة على نسف خارطة النفوذ في المدينة بأكملها. توجه ثنائيا المعركة مباشرة نحو المكتب السري، وأغلق آسر الباب بالمفتاح، عازلاً إياهما عن العالم الخارجي وعن أي عيون متطفلة قد تكون مزروعة داخل القصر. وضعت ليال الصندوق على الطاولة الخشبية العتيقة، وجلست على المقعد القريب وهي تلتقط أنفاسها المتهدجة، وعيناها معلقتان بالقفل الرقمي الميكانيكي القديم الذي يحمي الأسرار. اقترب آسر منها، ووضع يده على كتفها برفق، في حركة باتت تتكرر تلقائياً لتبث في روحها الطمأنينة: "هل تذكرين الشفرة السرية يا ليال؟ والدكِ قال إنكِ الوحيدة التي تعرفين كيفية فتح هذا الحصن الصغير." أومأت برأسها ببطء، ومدت أناملها المرتجفة نحو الأرقام النحاسية الدوارة، وبدأت في تحريكها بتركيز شديد؛ كانت الشفرة تمثل تاريخ ميلاد والدتها الراحلة، السر
صرخت ليال وهي تغطي أذنيها بكفيها، فكل رصاصة كانت تطلق تذكرها بأن حياتها وحياة هذا الرجل الذي بدأ يحتل مساحة ضخمة من عقلها وقلبها باتت على المحك. نظرت عبر شق الباب، لترى زعيم العصابة —الرجل الذي كان يتحدث في الهاتف— يحاول الزحف نحو الزاوية اليمنى من الغرفة، حيث تقع الأرضية الخشبية المزدوجة التي تخفي الصندوق الأسود. أدركت ليال في تلك اللحظة أن الرجل لم يكن يحاول الهرب، بل كان يحاول تنفيذ أمر فريد الزهران الأخير: تدمير الصندوق أو أخذه بأي ثمن حتى لو مات الجميع. انقبض قلبها، ونظرت إلى المسدّس الصغير الذي تركه آسر بين يديها. كانت يدها ترتجف بعنف، وعرق بارد يتصبب من جبينها، لكن فكرة ضياع الدليل الوحيد الذي يبرئ والدها ويسحق إمبراطورية الزهران منحها شجاعة انتحارية. تسللت بخفة من خلف الباب، مستغلة انشغال الجميع بتبادل النيران الكثيف بين آسر وحازم وبقية أفراد العصابة في الجهة المقابلة. زحفت ليال بمحاذاة الرفوف السفلى للمكتبة، والدموع تحرق عينيها من شدة الخوف والدخان المنتشر في الأرجاء. كانت المسافة بينها وبين المخبأ السري لا تتعدى بضعة أمتار، لكنها بدت لها كأميال طويلة مرعبة. عندما وصلت إ
"لقد وصلنا متأخرين.. رجال فريد هنا بالفعل!" همست ليال برعب، وهي تتراجع بجسدها إلى الخلف داخل المقعد. التفت آسر إليها وعيناه تطلقان شرارات من الغضب المكبوت، وسحب مسدسه من الحزام الجلدي المخفي تحت سترته، ثم تفقد مخزن الرصاص ببرود احترافي تام وقال: "ابقِ في السيارة يا ليال، الأبواب مصفحة ولن يتمكن أحد من اختراقها. سأنزل لاستطلاع الوضع ومساندة حازم." لكن ليال رفضت الانصياع تماماً، وفتحت حزام الأمان قائلة بإصرار يضاهي عناده: "قلت لك في المشفى إنني لن أتركك تخوض هذه المعركة بمفردك. هم لا يعرفون مكان الصندوق، وإذا عثروا عليه ولم يتمكنوا من فتح القفل الميكانيكي، فقد يحرقون المكتبة بالكامل. أنا من سيقودك إلى الداخل عبر المدخل السري للمطبخ الخلفي لتفاجئهم." نظر آسر إلى عينيها المتلألئتين بالإصرار والشجاعة، وأدرك أن الجدال معها الآن تضييع للوقت الثمين. أومأ برأسه موافقاً على مضض، وسحب مسدساً صغيراً آخر من درج السيارة وقدمه إليها قائلاً: "خذي هذا، استخدميه فقط إذا شعرتِ بخطر مباشر على حياتكِ، والزمي ظهري خطوة بخطوة." ترجلا من السيارة بخفة مستغلين صوت الرعد الهادر الذي كان يغطي على أي حركة، وتسل







